السبت، 26 نوفمبر، 2016

حوار على هامش حوار


بين الثقافة العربية واليابانية

كنت مرافقا لوفد مكون من إحدى الدول العربية عددهم يزيد على العشرين، وكان لديهم لقاء مع نائب السكرتير الصحفي لوزير الخارجية اليابانية كما هو مكتوب في بطاقته الرسمية التي وزعها على الجميع، أو نائب المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية كما فهمنا من كلامه معنا.
كان اللقاء مرتب على أن يتم بأكمله باللغة الإنجليزية بدون ترجمة. ولكن عند بداية اللقاء وبعد أن ألقى المسؤول الياباني كلمة التحية، طلب مني الوفد العربي أن أبلغه برغبتهم أن يتم اللقاء من خلال الترجمة من اللغة اليابانية إلى اللغة العربية وبالعكس. وكان السبب المعلن أن هناك بعض الحاضرين من الوفد العربي الذين يريدون أخذ راحتهم في الحديث وهو لم يكن متاحا لهم لو كانت اللغة الإنجليزية هي لغة اللقاء. فقال المسؤول الياباني يمكن أن تتم الترجمة بين اللغة الإنجليزية والعربية، وسألني هل يمكنني القيام بذلك؟ أبلغته بعدم قدرتي على ذلك وأنني لا أترجم إلا بين اللغتين اليابانية والعربية فقط، فقال ألا يوجد شخص آخر يمكن أن يقوم بذلك، وكان الوضع أنه لم يكن يوجد من يقوم بهذه المهمة. فأصر الرجل على الحديث باللغة الإنجليزية وعدم استخدام الترجمة بين العربية واليابانية، وكان له ما أراد.
بعد انتهاء اللقاء وأثناء انتقالنا بالباص إلى الموعد التالي دار بيني وبين الوفد العربي الحوار التالي وكلامي فيه عبارة عن وجهة نظر شخصية تكوّنت لدي من خلال خبرة طويلة من العمل مترجما في مؤسسات حكومية يابانية عديدة من ضمنها وزارة الخارجية اليابانية ذاتها. ورأيت أن أنقل الحوار هنا لكي تعم الفائدة ونرى ملمحا من طريقة التفكير اليابانية.
-       الزائر العربي 1: لماذا أصر المسؤول الياباني على التحدث بالإنجليزية رغم طلب الطرف الآخر – ومن المفروض أنهم ضيوفه وطلباتهم مجابة – الترجمة بين اللغتين العربية واليابانية؟
-       أنا: السبب هو الثقة.
-       الزائر العربي 1: ثقة في مَن؟
-       أنا: الثقة في المترجم وهل هو سينقل تماما ما يقول الرجل أم سيخطأ ويوصل للمستمع معلومات خاطئة.
-       الزائر العربي 2: هل تعنى أنه لا يثق بك لأنك من بلد ثالث، ولو كان المترجم مننا سيوافق؟
-       أنا: لا. أعتقد أنه كان سيرفض أي مترجم مهما كانت جنسيته (حتى ولو كان يابانيا). هو لا يثق إلا في المترجم الذي يعمل في وزارة الخارجية اليابانية وتم إعداده واختباره لكي يقوم بنقل المعلومات الرسمية بشكل دقيق.
-       الزائر العربي 3: ولكن كان هناك فعاليات ترجمها مترجمون لا يعملون في وزارة الخارجية؟
-       أنا: أغلب اللقاءات الرسمية وخاصة التي يتحدث فيها مسؤول حكومي ياباني يكون المترجم من وزارة الخارجية حصرا إلا في حالات نادرة يكون فيها توفير مترجم من الوزارة مستحيل ويكون المسؤول الياباني (أو الطرف الآخر) غير قادر على التحدث باللغة الإنجليزية بشكل مطلق.
-       الزائر العربي 2: ولكن المعلومات التي قيلت ليس بذات الأهمية الذي يتطلب فيها كل ذلك؟
-       أنا: بغض النظر عن محتوى كلامه فالرجل هو نائب المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية وأية كلمة منه في لقاء مثل هذا تُعبّر عن رأي الحكومة اليابانية وإذا فُهم كلامه خطأ بسبب الترجمة ستصبح مشكلة كبيرة من وجهة نظره وخاصة أن تأثيركم يتخطى حدود دولتكم إلى العالم العربي كله.
-       الزائر العربي 1: ولكن الأمر نفسه عند حديثه باللغة الإنجليزية فربما أفهم أنا ما قاله خطأ وأنقله بشكل غير دقيق؟
-       أنا: في هذه الحالة سيكون هذا خطأك أنت ولا يُسئل هو عليه لأنه سيوضح أنه قال باللغة الإنجليزية كذا وكذا.
-       الزائر العربي 3: وهو ما يمكنه فعله أيضا في حالة الترجمة عن اليابانية يقول لقد قلت باليابانية كذا وكذا ولم أقل ما نقله المترجم مثلا، أليس كذلك؟
-       أنا: بالطبع هذا صحيح، ولكن هناك فرقان، الأول هو أنه بحكم منصبه سيُسئل لماذا لم يتوقع ما حدث ويقوم بتوفير مترجم موثوق فيه؟ والنقطة الأخرى هو وجود الشهود، ففي حالة اللغة الإنجليزية هناك العديد من الشهود من الجانبين شاهدين على ما قال. أما في حالة الترجمة المباشرة من اللغة اليابانية إلى اللغة العربية، فلا يوجد في هذه الحالة إلا المترجم فقط هو الوحيد الشاهد على ما قال، وربما ينكر أنه أخطأ في الترجمة. وأعتقد ولو أني كنتُ غير متأكد من ذلك، أنه لو وجد في اللقاء أحد موظفي وزارة الخارجية القادرين على فهم اللغة العربية ربما كان سيوافق على أن أترجم أنا من اليابانية إلى العربية وبالعكس لأنه سيضمن أن أحد مرؤوسيه يمكنه فهم ما أقوله وتصحيحه في الوقت المناسب أو على أسوء تقدير يكون شاهدا على أن الخطأ كان من المترجم.
-       الزائر العربي 4: هل هذا هو فقط السبب؟ أنا غير مقتنع.
-       أنا: هناك سبب آخر يمكن أن يكون له دور في إصرار الرجل على الرفض.
-       الزائر العربي 4: ما هو يا ترى إن اليابانيين لشعب عجيب حقا!

-       أنا: هذا هو. اليابانيين بشكل عام لا يحبون المفاجآت. ويقومون بالتخطيط مسبقا لكل شيء بشكل ما ومن الصعب حملهم على تغيير خططهم بشكل مُباغت. فقد تقرر أن يلتقي نائب المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية بوفد من دولة عربية وتم السؤال عن لغة اللقاء فتم التأكيد للجانب الياباني على أنه لا مشكلة من أن يكون اللقاء باللغة الإنجليزية. فاستعد الرجل ووضع خطته وجهز نفسه تماما للقاء لمدة ساعة يكون بالتحاور المباشر دون وسيط ودون إضاعة نصف الوقت أو أكثر هباءً في الترجمة. ولكن عندما حدث اللقاء ووجد طلبا غير متوقعا باللجوء للترجمة أُسقط في يديه ولم يكن من النوع المرن لكي يتكيّف مع الوضع الجديد المطلوب فأصر على التحدث بالإنجليزية. ربما كان ذلك والله أعلم.

الجمعة، 25 نوفمبر، 2016

طرائف من المجتمع الياباني


تذكر الكاتبة البلجيكية إميلي نوثومب في روايتها "رهبة ورعدة" التي تدور أحداثها داخل شركة يابانية من كبريات الشركات في العالم، أن المجتمع الذكوري الياباني يقول للمرأة ما نصه: "زوجك لن يحبك إلا إذا كان أبلها، ولا سعادة لامرأة في أن يحبها أبله. على أية حال أن يحبك أو لا يحبك، فلن تشهدي منه ذلك. ففي الثانية بعد منتصف الليل، سيلتحق بك رجل مجهد، سكران في الغالب، ليتهالك على السرير ويغادره في السادسة صباحا دون أن يقول لك كلمة"
وسوف أترجم فيما يلي ملخص دراسة اجتماعية نُشرت على الإنترنت عن ظاهرة منتشرة بين الشباب الياباني من الذكور. الدراسة بعنوان "عشرة صفات في الزوجة تجعل زوجها يصاب بمتلازمة رفض العودة للبيت"
تقول الدراسة إن ظاهرة رفض الأزواج العودة لبيوتهم بعد انتهاء العمل في ازدياد مستمر وخاصة بين الشباب، فما أن ينتهي وقت العمل وهو الوقت الذي يفترض أن يسعد الرجل بالعودة إلى بيته، نرى الكثير من الأزواج يصاب باكتئاب من مجرد التفكير في ضرورة العودة للبيت فنجده يتجه بعد العمل إلى البارات أو مطاعم الوجبات السريعة (التي تسمح لنزلائها بالمكوث بها أوقاتا طويلة) أو دور السينما أو مقاهي الإنترنت ليقضي الوقت ثم يعود بعد أن يتأكد من أن كل أهل البيت قد ناموا. بل وفي أسوء الحالات هناك من يبات في فنادق الكبسولات ولا يعود لبيته لأيام طويلة. وتشرح الدراسة عشرة صفات للزوجة يُعتقد أنها هي سبب هذه الظاهرة.
الصفة رقم واحد هي الزوجة المتحكمة التي تكون الآمر الناهي في البيت. وتكون في الغالب امرأة محبة للكمال في كل شيء وتتحكم في كل سلوكيات زوجها وتعطيه تعليمات وإرشادات لكي يكون أفضل في كل نواحي حياته من مأكله لملبسه لكيفية صرف مصروف جيبه (أجل في العادة الزوجة اليابانية هي المتحكمة في ميزانية الأسرة وهي التي تعطي زوجها مصروفه الشهري أو اليومي)، في مثل هذا البيت لا يجد الرجل حرية في بيته وعودته له تعنى المعاناة.

الصفة رقم اثنين هي الزوجة التي تكره الهزيمة، هي التي لا ترى في زوجها شريكا يتعاون معها، بل تراه منافسا لها في كل شيء ولا يجب أن تُهزم أمامه. فكل حالة وكل موقف تحوله إلى صراع يجب أن تكون المنتصرة فيه. فعندما تختلف الآراء بينها وبين زوجها لا تستطيع أن تقول: "آها، هذا أيضا رأي جدير بالاعتبار" وتقبل به بل تفرض رأيها على زوجها أي كان وبكل وسيلة. الزوج الذي يخسر دائما في معارك اختلاف الرأي تلك يبدأ تدريجيا في تفادي زوجته وتفادي الحديث معها مخافة الخسارة مثل كل مرة.
الصفة رقم ثلاثة هي الزوجة التي لديها عقدة اضطهاد قوية. على العكس من الصفة السابقة الزوجة التي تحول نفسها إلى ضحية في كل حواراتها مع زوجها أيضا يجب الحذر منها. ففي كل لقاء مع زوجها تنهال عليه بالشكوى من أنه يضطهدها فهو يفرض عليها كل أعمال المنزل ولا يساعدها، بل ولا يسمع لها أو يهتم بها. ثم تجعل نفسها بطلة في دراما تراجيدية مأسوية، وتكون الطامة الكبرى قولها: "عندك حق، فأنا لست متعلمة ولا أملك خبرة عمل ولا أية خبرة، وأيضا غبية" عندها يفكر الزوج "وماذا عني أنا الذي اخترت مثل هذه المرأة كزوجة"، ويهرب من بيته هروبه من الجحيم.
صفة رقم أربعة هي الزوجة التي لا تستطيع التواصل، فالحوار والتواصل مع الشريك أحد أساسيات العلاقة الزوجية الصحية، فالزوجة التي لا تستطيع تبادل الحوار مع زوجها وتكتفي بأقل الكلمات تجعله لا يعرف فيما تفكر أو ما هي آراءها. المرأة التي يتحول وجهها إلى قناع خشبي من أقنعة مسرح النو، لا تجعل بيتها عشا زوجيا سعيدا يستريح فيه الزوج ويسعد بالعودة له.
صفة رقم خمسة هي الزوجة التي لا ترتب البيت، فالزوجة التي لا تنظف المنزل ولا تتخلص من القمامة ولا تغسل الأواني وتجعل بيتها عبارة عن "مزبلة"، بالتأكيد لا يسعد رجل بالعودة إلى بيت عبارة عن صندوق قمامة.
صفة رقم ستة الزوجة التي علاقتها بأطفالها أقوى من علاقتها بزوجها، عندما تكون علاقة الزوجة بأطفالها قوية إلى درجة عدم قدرة الزوج على الاندماج معهم هي علاقة غير صحية، لأن وقتها يحس الزوج (بسبب بعده عنهم أثناء النهار) أنه منبوذ وأنه لا يستطيع مشاركتهم أوقاتهم، خاصة عندما تنتقص الزوجة من زوجها أمام أطفالهما وتكيل له السباب، فعندها تنهار العلاقة بين الأب وأطفاله ربما إلى الأبد، ويبتعد تدريجيا عنهم.
صفة رقم سبعة الزوجة التي تمارس العنف ضد زوجها، تقول الدراسة إن العنف الأسري ليس فقط من الرجل تجاه المرأة. فيجب الحذر من أنه توجد سيدات يمارسن العنف ضد أزواجهن بركلهم أو إلقاء أشياء تجاههم أو على الأقل العنف اللفظي أو تجاهل وجود الزوج وعدم توجيه أي كلمة له دونا عن الجميع، أو فصل ملابسه وأدوات مائدته عن الباقي وعدم غسلهم، كل ذلك من وسائل العنف الأسري التي تمارسه الزوجة ضد زوجها.
صفة رقم ثمانية هي الزوجة التي تهتم كثيرا بعيون الناس، إنها الزوجة التي تقارن كل شيء وكل حال بالآخرين وتهتم أكثر من اللازم بما يقوله الناس عنها، وتغرق زوجها في دوامة المقارنة مع فلان الذي يستلم مرتبا أكبر منه أو علان ذو الدرجة العلمية الرفيعة إلى آخره مما يحدو بزوجها إلى تجنب الكلام أو التواصل معها من أجل الهرب من شعور الدونية التي تصبه عليه.
صفة رقم تسعة هي الزوجة البارزة بروزا يجعل زوجها يحس إنه لا ضرورة له. وتكون في الغالب زوجة عاملة مستقلة اقتصاديا ونفسيا ومعتمدة على نفسها بالكامل ولا تُظهر أي حاجة إلى زوجها. هذه الزوجة في الأغلب تقرر كل شيء بدون أي استشارة لزوجها بل وتقوم بالتنفيذ حتى دون إخطاره. هذه الزوجة تجعل زوجها يحس أن وجوده وعدم وجوده في البيت سيان، ويتجه إلى الهرب منه.
صفة رقم عشرة هي الزوجة المعتمدة على زوجها بشكل أكثر من اللازم وهي على العكس تماما من رقم تسعة فهي لا تستطيع عمل أي شيء ولا أخذ أي قرار مهما كان تافها دون الرجوع إلى زوجها. في البداية يسعد الزوج بذلك ويمارس دور الرجل القادر على إدارة البيت وتقرير مصيره ولكنه تدريجيا يصاب بالملل والكلل من ذلك ويصير الأمر ضغطا عصبيا عليه، ويقول في نفسه لماذا لا تستطيع القيام بمثل ذلك الأمر التافه، أو أخذ هذا القرار الذي لا تأثر له مطلقا. ويفر في النهاية تاركا الأمر كله.

ما رأيكم وما رأيكن؟ عزيزتي الزوجة لو فيك أربع من تلك الصفات فاعلمي أن زوجك على وشك الإصابة بمتلازمة رفض العودة للبيت والهروب منه، إن لم يكن مصابا بها بالفعل.

مصدر الكلام هنا: 
https://allabout.co.jp/gm/gc/420582/


الأربعاء، 2 نوفمبر، 2016

الفصل الأخير

كانت ماساكو تسير في ممر محطة شينجوكو. ولكنها لم تكن تعي أنها تسير، بل مجرد أن قدميها الاثنتين تدوسان الأرض بالتبادل. كانت الحركة في الممر قد تكونت طبيعيا بتيار الناس. وتلقائيا وجدت ماساكو نفسها منجرفة مع تيار الناس لتكتشف أنها أصبحت مجبرة على التوجه إلى خارج محطة شينجوكو.
خرجت من بوابة التذاكر، وفلتت من زحام الناس متجهة إلى مجمع المحلات تحت الأرض. انعكست صورتها على مرآة محل الأحذية. إنها انعكاس صورتها ذاتها وهي تضع نظارة شمس لكي تخفي تورم عينيها، وتجذب طرفي معطفها الثقيل الأماميين بحزم مخافة أن يتسرب ارتعاش قلبها للخارج. وقفت هناك وخلعت نظارة الشمس ونظرت إلى وجهها. خدها الذي لطمه "ساتاكيه" ما زال منتفخا ولكنه لم يكن بدرجة ملحوظة. ولكنكان تورم عيناها  خارج السيطرة. وسببه هو بكائها العنيف.
وضعت ماساكو نظارة الشمس مرة ثانية على عينيها. وكان أمامها مصعد مبنى المحطة. دخلت المصعد بدون أي تردد وضغطت على زر أعلى طابق في المبنى. لا يوجد مكان تلجأ إليه أي كان.
كان أعلى طابق في المبنى عبارة عن تجمع مطاعم. هنا تستطيع الجلوس لفترة بعيدا عن عيون الناس. جلست على أريكة بجوار الجدار ووضعت الحقيبة النايلون السوداء فوق ركبتيها. الحقيبة كان بداخلها الخمسين مليونا التي لساتاكيه إضافة إلى ملايينها الستة.
أخرجت ماساكو سيجارة ووضعتها في فمها. وتذكرت منظر ساتاكيه وهو يدخن السيجارة الأخيرة في حياته، وسبحت عيناها خلف النظارة الشمسية شاعرة بالوحدة. فجأة فقدت رغبتها في التدخين فألقت بالسيجارة المشتعلة في منفضة سجائر من الفولاذ كانت أمامها مباشرة. سقطت السيجارة في الماء الذي داخل المنفضة وأصدرت صوت طشطشة رقيق ثم انطفأت. كان ذلك الصوت يشبه قليلا صوت انطفاء سيجارة ساتاكيه التي سقطت من فمه في بركة الدماء.
حملت ماساكو التي صارت غير قادرة على تحمل وجودها هنا الحقيبة النايلون ووقفت. تأملت منطقة شينجوكو التي تظهر كاملة من خلال نافذة زجاجية كبيرة. يمتد حي كابوكيتشو على الجهة الأخرى من طريق ياسوكوني. وضعت إحدى يديها على النافذة وتأملت حي كابوكيتشو بكل مشاعرها. تبدو لمبات النيون ولوحات الإعلان المبهرجة التي لم تنر أضوائها بعد، شاحبة تحت أشعة الشمس التي ضعفت قليلا في وقت العصر من فصل الشتاء. كانت المدينة مثل وحش متكوّم في تكاسل الآن ولكنه على وشك الاستيقاظ، وإذا استيقظ فهو لا يُخفي توحّشه وعنفه وهو على وشك الانقضاض على فريسته. تلك هي مدينة ساتاكيه. المدينة الوقحة، الصاخبة، الممتلئة بالشهوات. بوابة ماساكو التي انفتحت منذ قرارها العمل في وردية المصنع الليلية، كانت تؤدي إلى مدينة ساتاكيه، التي لم يسبق لها أن داستها بقدمها من قبل.
جاء على بال ماساكو أن تذهب على الفور إلى حي كابوكيتشو وتلقي نظرة على المكان الذي كان به محل قمار ساتاكيه. ولكن هذه الفكرة جعلت مشاعر ماساكو المتنوعة تغلي وتهيج. لقد قضت ماساكو اليومين الماضيين مستلقية على سرير في فندق رخيص دون أن تضع في فمها أي طعام، عاد فجأة الحزن الكئيب وعدم الجدوى التي تحملتها وهي تتلوى بجسمها. ارتفعت صرخة صغيرة لماساكو تشبه التأوهات وهي تحس في أعمق أعماق جسدها بلمسات ساتاكيه الذي لن تستطيع لقائه ثانية. إنها تريد لقاء ساتاكيه مرة أخرى.
"لأذهب إلى تلك المدينة لكي أتنفس الهواء الذي تنفسه ساتاكيه، وأرى نفس المناظر التي رأها. ثم أبحث عن رجل يشبه ساتاكيه، عليّ أن ألاحق حلم ساتاكيه"
كان الأمل الذي فقدته ماساكو على وشك الميلاد داخلها من جديد.
ولكن ماساكو انقلبت على عقبيها فجأة، وأسرعت بالجري. كان صوت نعل حذاء ماساكو الرياضي، الذي يبدو مختلفا عن المكان ولا يتناسب مع عمرها، مزعجا للآذان ويتردد صداه بقوة عند لمسه لبلاط الأرضية التي تم تلميعه بالورنيش بعناية فائقة. توقفت ماساكو مندهشة من الصوت. ثم نظرت للخلف تجاه النافذة. للحظة أحست أنها ترى ظلام المصنع المهجور خارج النافذة.
قررت ماساكو التوقف عن ذلك.
لتمتنع عن الحياة وهي أسيرة لساتاكيه، كما كان ساتاكيه مقيدا بحلم الماضي. هذه المشاعر على الأرجح لا يستطيع حملها إلا شخصا نادر الوجود مثل ساتاكيه. ساتاكيه الذي كان لا يستطيع العودة للخلف ولا التقدم للأمام، لم يكن أمامه إلا الاستمرار في حفر قلبه. ليدفن فيه ماضيه والمرأة، وهنا يكمن حلم الرجل في رؤية حرية روحه.
إذا كان الأمر كذلك، ماذا عن حياتها فيما مضى؟ تأملت ماساكو أظافرها المقصوصة أزيد من اللازم. إنها لم تطل أظافرها ولو لمرة واحدة طوال سنتين بسبب عملها في مصنع الوجبات الجاهزة. ويديها التي تشققت وغلظت بسبب المطهرات المركزة. والعشرين عاما التي قضتها في العمل في بنك الائتمان. ووضعها لابنها وأداءها لشغل البيت وعيشها مع أسرتها. ماذا كانت تعني تلك السنين يا ترى؟ العلامات التي تركتها داخلها كانت هي ماساكو ذاتها بلا أي شك. لقد عاش ساتاكيه في حلم عديم الجدوى، في حين أنها عاشت الواقع بكل تفاصيله. انتبهت ماساكو إلى أن الحرية التي كانت تريدها هي، تختلف قليلا عن الحرية التي كان يتوق إليها ساتاكيه.

ضغطت بكل قوتها على زر المصعد. لقد قررت أن تشتري تذكرة طيران. إنها متأكد أن الحرية التي لها وحدها موجودة في مكان ما، حرية تختلف عن حرية ساتاكيه ويايوي ويوشيه. إذا أُغلق خلفها باب، فليس أمامها إلا أن تجد بابا جديدا تفتحه. بجوارها تماما يتردد صوت المصعد الصاعد إليها مشابها لصوت زمجرة الرياح.