الأحد، 4 نوفمبر 2018

في مديح الظل - جونئتشيرو تانيزاكي



مديح الظل
جونئتشيرو تانيزاكي
(الفصل الأخير)
ترجمة ميسرة عفيفي



قرأتُ منذ فترة مضت، في جريدة أو مجلة ما، مقالة تشكو فيها العجائز الإنجليزيات أنه مع أنهن كُن في الماضي يعظمّن كبار السن ويحترمنهن، إلا أن الفتيات الشابات الآن لا يُبدين تجاه كبار السن أي اهتمام، بل وكبار السن بالنسبة لهن شيء قذر لا يقربن منهن، وتتباكى العجائز من الاختلاف بين الشباب في الماضي والحاضر. ولقد تأثرتُ إذ عرفت أن كبار السن يشكون نفس الشكوى في كل الدول بلا استثناء. وعلى ما يبدو أن الإنسان مع تقدمه في العمر، يظن واهما أن الماضي أفضل من الحاضر بلا استثناء. وعلى هذا فالعجوز الذي كان يعيش قبل مئة عام، يشتاق إلى الحياة قبل مئتي عام، والعجوز الذي كان يعيش قبل مئتي عام يشتاق إلى الحياة قبل ثلاثمئة عام، ولا يرضى أحد في أي عصر بعصره الذي يعيش فيه، ولكن علاوة سرعة تقدم الحضارة فبلدنا حالة خاصة جدا حيث أن التحولات التي حدثت فجأة منذ ثورة ميجي تساوي تطور ثلاثة أو خمسة قرون على الأقل من العهود الماضية.
والطريف أنني أنا الذي أقول ذلك قد بلغتُ عمرا سأبدو فيه أنني أقلّد كلام كبار السن، ولكن من المؤكد أن المنشآت الثقافية في العصر الحالي تتملق الشباب خاصة وتصنع تدريجيا عصرا غير رحيم بكبار السن. والمثال الأسرع على ذلك أن كبار السن لا يستطيعون الخروج من بيوتهم مطمئنين بعد أصبح عبور تقاطعات الطرق يتم بأمر من إشارات المرور.
لا ضير لمن يتجول في الطرق باستخدام سيارة، ولكن شخص مثلي عندما أذهب أحيانا إلى مدينة أوساكا فإن مجرد عبوري من هذه الجهة من الطريق إلى الجهة الأخرى يتطلب استنفار جميع أعصاب جسمي. بعد أن تم وضع إشارات: انطلق أو قف، سهل رؤية الإشارات التي توجد في منتصف مفترق الطريق ولكن أحيانا يصعُب اكتشاف مكان الإشارات الكهربائية الخضراء والحمراء التي تضيء وتنطفئ في السماء في جانب لا يمكن توقعه، وأحيانا نخطئ في مفترق طريق واسع بين الإشارة الجانبية والإشارة المقابلة. لقد اعتقدتُ ذلك بالفعل عندما أصبح من الضروري وقوف شرطي المرور في طرق كيوتو، فلم يعد يمكننا اليوم الاستمتاع بالمناظر اليابانية العريقة إلا إذا ذهبنا إلى مدن في حجم نيشينوميا أو ساكاي أو واكاياما أو فوكوياما.
في الطعام أيضا، إن كبار السن يجدون مشقة بالغة في العثور على طعام يتناسب ذائقتهم في المدن الكبرى. منذ فترة جاء إليّ أحد الصحفيين وطلب مني الحديث عن طعام لذيذ وغريب في نفس الوقت، فتحدثتُ عن طريقة صنع السوشي بورق الكاكا الذي يـأكله أهالي قرية جبلية نائية في يوشينو. وسأنتهز هذه الفرصة لأعرض لكم تلك الطريقة هنا. يتم سلق أرز مع مشروب الساكي بنسبة واحد إلى عشرة، ليكن كيلوجرام ونصف أرز مع 150 جرام ساكي. ويتم وضع الساكي بعد أن يغلي القدر. حسنا بعد أن يستوي الأرز يُترك حتى يبرد تماما ثم يتم تشكيله باليدين على شكل السوشي بعد أن ينثر الملح على اليدين. وفي هذه الحالة يجب ألا تكون اليدين بهما أي أثر للماء. سر الصنعة هو الاعتماد على الملح فقط أثناء تشكيل أرز السوشي. بعد ذلك نقطّع السلمون المملح إلى شرائح رقيقة، ونضعها فوق أرز السوشي، ثم نغلفها بورق الكاكا على أن نجعل ظهر الورقة للخارج. واستعدادا لذلك نكون قد مسحنا أوراق الكاكا والسلمون بقطعة قماش جافة لإزالة الماء تماما منهما. يوضع ذلك في صحن السوشي الخاص به أو علبة الأرز بعد تجفيفها بدقة من الداخل وعدم السماح بأي فراغات بين السوشي ووضع غطاء محكم فوقها ثم إضافة الحجر الثقيل الذي يستخدم في ضغط المخللات. إذا صنعت السوشي في المساء يصبح جاهزا للأكل في الصباح التالي، ويكون أجود مذاق طوال ذلك اليوم ويكون صالح للأكل على مدى يومين أو ثلاثة أيام. وعند أكله يُرش عليه خل مصنوع من أوراق نبات فلفل الماء.
لقد علمني هذه الطريقة أحد الأصدقاء كان قد ذهب إلى يوشينو للسياحة ومن شدة إعجابه بهذا الطعام اللذيذ تعلمه طريقة إعداده ثم نقلها لي، وهو طعام يمكن طبخه في أي مكان ما دام توجد أشجار الكاكا والسلمون المملح. إذا كان أهم شيء هو ضرورة عدم نسيان إزالة الماء والرطوبة تماما وأن يُبرّد الأرز وعندما جربتُ صنعه في بيتي اقتنعتُ بأنه لذيذ الطعم. فزيت السلمون وملحه يتغلغلان إلى الأرز بدرجة رائعة، وعلى العكس يعود السلمون طريا وكأنه طازجا بشكل لا يوصف. ويختلف طعمه تماما عن سوشي مطاعم طوكيو، ولقد قضيتُ هذا الصيف لا أتناول إلا هذه الوجبة لما كانت تناسب ذائقتي تماما. ورغم ذلك يا لها من طريقة لتناول السلمون المملح! لقد انبهرتُ من سكان تلك القرية الجبلية لاختراعهم تلك الوجبة رغم فقر الموارد لديهم. ولكن عند البحث عن مثل تلك الوجبات المحلية المتنوعة نجد أن من المؤكد أن سكان الأرياف في العصر الحالي لديهم حاسة ذوق أفضل من سكان المدن وأنهم بمعنى من المعاني يتمتعون برفاهية لا يمكن تخيلها. ولهذا يتخلى كبار السن عن المدن أكثر وأكثر، ويتجهون لحياة العزلة في الأرياف، ولكن حتى مدن الأرياف وصلت إليها أعمدة المصابيح الكهربائية التي على شكل الزنبق، ومع مرور السنين أصبحت تشبه كيوتو مما لا يدعو للاطمئنان مطلقا. توجد نظرية تقول إن الحضارة ستقفز خطوات جبارة وعندها ستكون وسائل المواصلات في الجو وفي أنفاق تحت الأرض، وبالتالي ستعود طرقات المدن إلى سابق عهدها من الهدوء، ولكن نحن نعرف أنه في ذلك العصر ستتولد بالتأكيد وسائل جديدة لمضايقة كبار السن. ولذا سيكون الوضع هو أنهم يضطرون كبار السن إلى الانسحاب من الحياة العامة، ولا يجدون أمامهم مكان إلا التقوقع في بيوتهم يستمعون إلى المذياع وهم يشربون الساكي مع النَقْل من طعام من عمل يدهم.
عندما نعتقد أن كبار السن فقط هم من يتبرمون بهذا الشكل، ولكن ليس الأمر كذلك على الإطلاق، فمؤخرا سخرت جريدة أساهي طبعة أوساكا في عامودها الخاص بالتعليق على الأحداث اليومية بعنوان "صوت السماء بكلمات بشرية"، سخرت من تقطيع بلدية المحافظة لأشجار الغابات بعشوائية من أجل إنشاء طريق للسيارات في حدائق مينوو وبالتالي تتقلص مساحة الغابات الجبلية. وعندما قرأتُ أنا ذلك أحسستُ بقليل من الثقة في كلامي. إن خطف الظلام الذي يوجد تحت ظل الأشجار في عمق الجبال، أمر مجنون عديم الرحمة. ومع استمرار هذه الوتيرة فحتى كل الأماكن المشهورة في نارا وحتى ضواحي كيوتو وأوساكا ستصبح مناطق قاحلة مقابل أن تصبح أماكن لها شعبية.
ولكن في النهاية يعتبر هذا أيضا أحد أنواع التبرم والشكوى، وحتى بالنسبة لي فأنا عالم وممتن بشدة لما للعصر الحالي من أفضال، ومهما قلنا الآن من آراء فطالما بدأت اليابان بالفعل الخطو في خط محاذي للثقافة الغربية، فليس باليد حيلة إلا التقدم بشجاعة للإمام تاركين كبار السن وراء ظهورنا. ولكن ما لم يتغير لون بشرتنا، فليس أمامنا إلا أن نستعد لحمل عبء الخسارة المفروضة علينا نحن فقط إلى الأبد.
ومع ذلك فهدفي من كتابة هذا الكلام، لأنني أعتقد أنه يجب البقاء على طريق يعوض تلك الخسارة في أي منحى من مناحي الحياة وليكن هذا المنحى مثلا الآداب والفنون. أنا أريد استدعاء عالم الظل الذي نفقده حاليا بالتدريج ولو في نطاق الأدب. أريد أن أمدد إفريز المبنى العملاق الذي يسمى الأدب، وأجعل حائطه معتم وأدفع إلى الظلام الأمور التي تُرى بوضوح زائد على الحد، وأزيل من داخل حجراته أية زينة لا لزوم لها. لا أطلب أن تكون كل المباني هكذا، ولكن من الأفضل أن يوجد ولو مبنى واحد فقط بهذا الشكل. حسنا كيف سيكون الوضع؟ جرب أن تطفئ المصباح الكهربائي.



السبت، 20 أكتوبر 2018

بلوز بلدة إيسيزاكي



بلوز بلدة إيسيزاكي
Ise zaki machi buruuzu
غناء: مينا أوئه Aoe mina
كلمات: كوهان كاواؤتشي Kawauchi Kouhan
لحن: يوئيتشي سوزوكي Suzuki Youichi

آه آه آه آه
anata shitteru minato yokohama
ميناء يوكوهاما الذي تعرفه
machi no namiki ni shio kaze fukeba
تهب رياح البحر بين أشجار المدينة
hana chiru yoru wo oshimu yo ni
وكأنها تتحسر على ليلة تتبعثر فيها الزهور
Ise zaki atari ni akari ga tomoru
تشتعل الأضواء في منطقة إيسيزاكي
koi to nasake no …
الحب والشفقة ...
do do vi ju do vi jubi do va
دو دو بي جو بي دو فا
hi ga tomoru
تشتعل الأضواء
آه آه
atashi wa hajimete minato yokohama
أول مرة لي في ميناء يوكوهاما
ame ga sobofuri kiteki ga nareba
هطلت الأمطار بغزارة وانطلقت صافرات السفن
hatoba no wakare oshimu yo ni
كأنها تتحسر على الوداع عن رصيف المرسى
Ise zaki atari ni akari ga tomoru
تشتعل الأضواء في منطقة إيسيزاكي
yume wo furimaku
وتتبعثر الأحلام
do do vi ju do vi jubi do va
دو دو بي جو بي دو فا
hi ga tomoru
تشتعل الأضواء
آه آه آه آه
anata najimi no minato yokohama
ميناء يوكوهاما الذي تعتاد عليه
hito ni kakurete ano ko ga naita
اختبأت تلك الفتاة عن الناس لتبكي
namida ga hana ni naru toki ni
وفي الوقت الذي تتحول فيه الدموع إلى زهور
Ise zaki atari ni akari ga tomoru
تلمع الأضواء في منطقة إيسيزاكي
koi no moodo no
مزاج الحب
do do vi ju do vi jubi do va
دو دو بي جو بي دو فا
hi ga tomoru
تلمع الأضواء

الجمعة، 14 سبتمبر 2018

#مصطلحات_يابانية


#مصطلحات_يابانية
螺子を巻く
ねじをまく
neji wo maku
نيجي أو ماكو
يُدير اللوب - يلف الزنبرك
يُعيد الأمور إلى نصابها
wind up a screw



#مصطلحات_يابانية
唸る
うなる
unaru
أونارو
يعوي - يتأوه - يزمجر
Growl


هل يكتب هاروكي موراكامي سيرة ذاتية في أعماله

يجد قراء الروائي الياباني هاروكي موراكامي في أبطال قصصه أو رواياته بعض من صفاته وربما ما يوحي بسيرة ذاتية ما. ولكن موراكامي في كافة الحوارات والمقالات التي يتحدث فيها عن ذلك ينفي تماما أنه كتب أي سيرة ذاتية في قصصه ورواياته وينفي أن أي من أبطاله يمثله شخصيا.
إذن كيف يقع ذلك اللبس؟
يشرح موراكامي الأمر في حوار طويل مع الأديبة مييكو كاواكامي نُشر في كتاب كامل مستقل بعنوان "البومة القرناء تغادر وكرها في المساء" الذي صدر بمناسبة صدور رواية "مقتل قائد كتيبة الفرسان"؛ يشرح الأمر بالقول إنه في حياته قابل مفترقات طرق عديدة، وأنه كان عليه الاختيار أكثر من مرة بين خيارين إما الذهاب يمينا أو يسارا، فيختار ما يراه ويمضي في حياته.
ويقول موراكامي إن ما يفعله في رواياته أنه يتخيل حياته لو أنه اختار في أحد المرات ما لم يختره في الواقع، كيف ستكون حياته وماذا سيفعل وهكذا. ولذا في بعض الأحيان يشبه البطل موراكامي نفسه في فترة ما حياته من حيث صفاته الشخصية أو عمله أو طريقة تفكيره ولكن الوقائع والأحداث التي يمر بها كلها من خيال موراكامي وليست سيرة ذاتية أو تسجيل لأحداث حدثت بالفعل.



الخميس، 23 أغسطس 2018

مشاكل الترجمة


في الصفحة 559 من النسخة العربية لرواية "كافكا على الشاطئ" للروائي الياباني هاروكي موراكامي ترجمة إيمان حرز الله يقول بطل الرواية:  
"هذا أيضا واحد من الأفلام القليلة التي شاهدتها في طفولتي. كنت في الصف الخامس حينها ولفت نظري عنوان الفيلم فأخذت القطار بمفردي حتى إيكيبوكورو وشاهدت الفيلم وعدت"
فتسأل نفسك ما الذي لفت نظر طفل في العاشرة من عمره يجعله يذهب من بيته لمسافة بعيدة حتى إيكيبوكورو وهي مسافة لا يسمح بها الأهل عادة للأطفال في ذلك العمر والأدهى لمشاهدة فيلم؟ خاصة وأن ما لديك من معلومات عن اسم الفيلم هو "الأربعمئة ضربة" ولا يمكن أن يكون سببا معقولا للفت انتباه طفل.
فتبحث عن الفيلم تجده فيلما فرنسيا وأن عنوانه (Les Quatre Cents Coups) وترجمته الحرفية فعلا الأربعمئة ضربة إلا أنه مصطلح يطلق بمعنى "عِش حياتك طولا وعرضا" (حتى وإن تلقيت أربعمئة ضربة) فتظن أن هذا سبب معقول للفت نظر طفل صغير، ولكنه غير كافي مئة بالمئة لكي يريح بالك.
فتبحث عن العنوان الذي عُرض به الفيلم في اليابان لأنه هو المتهم الرئيس الذي لفت نظر الطفل، فتجد أن اليابان كما تفعل عادة قد غيّرت اسم الفيلم تماما وأنه عُرض في اليابان تحت اسم "الكبار لا يفهموني" على لسان طفل.
وعندها تهدأ رغبة البحث لديك وتعرف أن ذلك العنوان هو الذي لفت انتباه الطفل وليس اسم "الأربعمئة ضربة" أو "عِش حياتك"، لأن هذه هي مشكلة البطل منذ طفولته أي عدم تفاهمه مع والده. 
وتظل المشكلة هي كيفية الموائمة بين اسم الفيلم الذي يعرفه العالم ومن ثم العرب وبين الاسم الذي تغير في اليابان واستُخدم في الرواية ليشير إلى الموضوع الأهم والأكبر في نفسية البطل منذ صغره وهي مشكلة عدم التفاهم والتواصل مع والده إلى الحد الذي يصل به إلى قتله، سواء كان قتله في الواقع أو في الخيال.



الأحد، 29 يوليو 2018

من الأرشيف: يوكيو ميشيما وأزهار الكرز*

الفتى الذي كان يكتب الشعر فصار أحد أكبر روائيي اليابان

بقلم: ميسرة عفيفي
زهرة الكرز (الساكورا) هي الزهرة المفضلة لدى اليابانيين، ولذا يعتبرها الكثيرون معلما من معالم اليابان، رغم أن وجودها لا يقتصر على اليابان فقط.
وتعتبر أشجار الكرز التي تتميز بزهرتها تلك نوعا عجيبا من الأشجار، فهي من الأشجار المعمرة التي تعيش لعدد كبير من السنين، ولكن العجيب فيها هو أن زهورها تظهر قبل أوراقها. ففي بداية الربيع تكون الزهرة هي أول ما ينبت فوق الأغصان الجافة التي قضت شتاءً طويلا عارية من الأوراق. ولكن لا تلبث تلك الزهور أن تتساقط سريعا بعد أن تصل إلى أوج تفتحها وجمالها وقبل أن تظهر أوراق الشجرة. ولا تتعدى الفترة من ظهور زهرة الكرز إلى سقوطها مدة الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع هي ذروة فصل الربيع في اليابان. وبعد سقوط الأزهار أو تقريبا في ذات الوقت تنبت الأوراق، ثم في الصيف تبدأ الثمار (في النوع المثمر منها حيث أن أشجار الكرز يزيد أنواعها على الأربعمئة نوع وأغلبها للزينة فقط غير مثمر)، وهي فاكهة الكريز في النضوج، حتى يأتي الخريف فتسقط الأوراق لتصبح أجمل الأشجار عجفاء يابسة، لا تحتوي إلا على أغصان جافة طوال فصل الشتاء ومع بداية الربيع تعيد الحياة دورتها مع أشجار الساكورا.
جمال زهرة الساكورا وتفردها ليس هو فقط ما يعشقه اليابانيون فيها. بل أحد الأشياء التي تسحر ألبابهم هي عمرها القصير، ففي خلال عدد بسيط من الأيام يتراوح ما بين العشرة أيام والعشرين يوما، تنبت زهرة الساكورا وتصل لقمة جمالها فتسعد البشر وتعطيهم أقصى ما يمكن من متعة ثم في غمضة عين تختفي.
وهذا أيضا ما يميز شيئا آخر يعشقه اليابانيون أكثر من أي شعب من شعوب العالم، ألا وهو الألعاب النارية (هانابي). ففي دول العالم المختلفة تُطلق الألعاب النارية احتفالا بشيء ما. أما في اليابان وخاصة في الصيف فتقام مهرجانات الألعاب النارية في طول البلاد وعرضها من أجل الألعاب النارية فقط ولمجرد التمتع برؤيتها. تلك القذيفة التي تنطلق إلي عنان السماء مستغرقة الكثير من الوقت والجهد والمال، لتنيرها لمدة ثوان بأشكال وألوان رائعة الجمال، ثم فجأة تختفي في لمح البصر بعد أن تحدث أثرها في قلوب عشاقها اليابانيين، الذين يجتمعون من كل’صوب وحدب في أزياء تقليدية وزينة تراثية جميلة ليتمتعوا بهذه اللحظة شديدة الجمال، كثيفة المعنى، سريعة الزوال.
هناك شيء آخر يتشابه مع الساكورا والهانابي وإن كان ربما لا يكون مثلهما في الجمال، وربما كذلك لا يحوز على حب اليابانيين وسحرهم به، ألا وهي حشرات الزيز (سْيمِي) التي تظهر في فصل الصيف في جميع أنحاء اليابان، معلنة عن انتهاء موسم الأمطار وبداية صيف حار رطب كريه عند اليابان. حشرات الزيز كذلك تمتاز بقصر حياتها لدرجة مذهلة. فرغم أن دورة حياتها الكاملة من بيضة لدودة أو يرقة ثم شرنقة أو عذراء حتى تصل إلى حشرة كاملة، طويلة للغاية يقال إنها تتراوح بين الثلاثة أعوام إلى العشرة أعوام وقد تصل أحيانا إلى العشرين عاما في بعض الحالات النادرة إلا أن حياتها بعد أن تصبح حشرة كاملة قصيرة للغاية تتراوح بين الثلاثة أيام والأسبوع تقضيها كلها في الصراخ والزعيق بصوتها الحاد المزعج الذي يكرهه أغلب اليابانيون. فتلك الحشرة في النهاية تريد أن تعلن وجودها للعالم، وتود أن تخبره بما عانته من فترة مخاض طويلة للغاية حتى تظهر فوق ظهر البسيطة، ولكن للأسف لن تستمر على قيد الحياة إلا أياما معدودة، فانتبه لي أيها العالم وانظر لي أيها الإنسان.
يعتبر يوكيو ميشيما (1925 ـ 1970) أكثر كاتب ياباني نال شهرة عالمية رغم عدم حصوله على جائزة نوبل للآداب التي تعتبر بوابة الانتشار العالمي خاصة لأدباء اللغات غير ذات الانتشار العالمي، فاللغة اليابانية لا تتحدث بها إلا دولة واحدة فقط. ويقال إن كتب ميشيما قد بِيْعَ منها أكثر من مئتي مليون نسخة في دول العالم المختلفة وبمختلف اللغات الحية، وكذلك يعتبر يوكيو ميشيما أكثر كاتب ياباني تُرجمت أعماله إلي اللغة العربية.
في حديث مرئي لإحدى القنوات التلفزيونية يتكلم ميشيما عن تسونتومو ياماموتو (1659 ـ 1719) أحد أبطاله العظام وهو محارب أو ساموراي من عصر ايْدو (1603 ـ 1878) مؤلف كتاب ’هاجاكوريه’ الذي يشرح فيه أخلاق الساموراي والذي تم إعادة استنساخه مرات عديدة أشهرها كتاب طريق المحارب ’بوشيدو’، ويبدي ذلك الساموراي استياءه من العصر الذي ولد فيه، وهو نفس ما يعنيه ميشيما، فالساموراي وكما هو معروف يتم تدريبه وتربيته تربية صارمة على قواعد القتال والنزال ولكن بشرف وفروسية وأخلاق يتميز بها عن غيره من عامة الشعب، وإذا وضع في موقف صعب وكان عليه الاختيار بين الموت والحياة فإنه يختار الموت على الفور دون تردد أو رهبة. ولكن ياماموتو ولد في عصر قد استقر فيه الوضع السياسي لأسرة توكوجاوا الحاكمة وانتهت معارك الحرب الأهلية بل وقد أعلنت حكومة توكوجاوا سياسة الانغلاق التام عن العالم، مما أعدم أي احتمال لخوض اليابان حروب مع الدول الأخرى سواء دفاعية أو هجومية، لتعيش اليابان في فترة سلام تام واسترخاء عسكري لفترة تقترب من الثلاثة قرون. يحكي ياماموتو في مؤلفاته عن معاناته تلك في عدم وجود الهدف الذي يعتبر نفسه خُلق له وهو القتال والنزال مع العدو بكل شرف وفروسية وأخلاق عالية ليكون قذيفة نور تضيء ظلام السماء ثم يختفي في التو والحال تاركا المجال لمن يأتي بعده من أبطال عظام. هكذا كان يتمنى أن يعيش وهكذا تم تنشئته. لكنه يفاجئ بعد بلوغه مرتبة الساموراي، أن عمله هو عمل إداري كموظف حكومي يسيّر شؤون الدولة من خلال الأعمال الروتينية اليومية. فيقرر في النهاية ترك مهنة الساموراي ويعتزل العالم ويتحول إلى راهب بوذي زاهد يعيش في الجبال.
ولد ميشيما في أسرة شبه أرستقراطية وتربى على يد جدته لوالده (ناتسو ناجاي) التي تعود أصولها إلى عائلة محاربين ساموراي تنتمي مباشرة إلى سلالة إيياسو توكوجاوا الحاكم العسكري القوي الذي وحد اليابان بعد حروب أهلية طويلة ومريرة وحكمها هو وعائلته من بعده لمدة تزيد على القرنين والنصف القرن. حيث عاشت اليابان تلك الفترة في حالة سلام داخلي (في فترة الحكم العسكري كان الإمبراطور موجودا في كيوتو والحاكم العسكري يخضع له روحيا ويتولى سلطاته بمباركة الإمبراطور وموافقته بشكل ظاهري فقط).
قامت ’ناتسو’ جدة ميشيما بتربيته وتنشئته على أخلاق المحاربين الساموراي، ولكنه يفاجئ مثل ياماموتو باختلاف الواقع المعاش عن المتخيل المأمول خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان واحتلالها من قبل قوات الحلفاء ممثلة بجيش الولايات المتحدة التي أنشأت مقرا لها في مواجهة قصر الإمبراطور أطلقت عليه مركز القيادة العامة حكمت من خلاله اليابان بشكل مباشر لمدة سبع سنوات كاملة من عام 1945 إلى عام 1952. وحتى بعد انتهاء مهمة مركز القيادة العامة وتقلص الجيش الأمريكي في قواعد عسكرية في أوكيناوا وغيرها من المدن البعيدة عن أعين غالبية اليابانيين، إلا أن ميشيما كان يعتقد أن وضع الاحتلال والتبعية لم يتغير وأنه يجب على اليابانيين استلهام روح الساموراي بداخلهم والقيام بما ينبغى عليهم فعله من هبة قتال وفناء كقذيفة الهانابي لتنير سماء اليابان ولو لثوان ليأتي من بعدهم من يواصل المسيرة. ولكن لا يجد ميشيما من يستمع له أو يحقق مراده.
في قصته القصيرة ’فتى يكتب الشعر’ التي كتبها ميشيما في عام 1954 وهو على مشارف الثلاثين من عمره يحكى فيها تجربته مع الشعر عندما كان في عمر الخمسة عشر ربيعا، وتعتبر تلك القصة قصة محورية في أدب ميشيما توضح بعض من أفكاره وجزء من سيرته الذاتية وسبب تحوله من شاعر إلى روائي وقاص، يتحدث ميشيما عن أبطاله العظام من الشعراء. أبطال ميشيما هم بالضرورة الشعراء الذين ماتوا في ريعان الشباب. يقول ميشيما في تلك القصة:
’كان الفتى يهتم كثيرا بحياة الشعراء القصيرة. يجب على الشاعر الحق أن يموت مبكرا. ولكن حتى لو قلنا الموت مبكرا، فالنسبة للفتى ذي الخامسة عشر ربيعا، كان الأمر لا زال بعيدا جدا، وبسبب ذلك الآمان الحسابي، ظل الفتي يفكر في الموت المبكر بمشاعر سعيدة. (.....) لقد كان الفتى يؤمن بالتوافق القدري. التوافق القدري لسير حياة الشعراء. إيمانه بذلك وإيمانه بعبقريته كانا شيئا واحدا بالنسبة للفتى.
وكان ممتعا له أن يفكر في محتوى نعي طويل يكتبه لنفسه، أو في مجده بعد الموت، ولكن عندما يفكر في جثته، تكون نهاية الأفكار سيئة نوعا ما. كان يحدث نفسه بقوة وحماس قائلا لها: ’يجب عليّ أن أحيا كالألعاب النارية. أبذل كل جهدي في تلوين سماء الليل في لحظة، ثم أختفي في الحال’.
كان يفكر في أشياء متعددة ولكنه لم يستطع تخيل طريقة للحياة غير ذلك. ولكنه كان يكره الانتحار. لذا فالتوافق القدري سيسدي له معروفا ويقتله في الوقت المناسب بشكل ملائم.’ (انتهى الاقتباس من قصة ’فتى يكتب الشعر’ ترجمة كاتب هذه السطور).
هذه هي أفكار ميشيما في فترة المراهقة عن البطولة حتى لو في مجال الشعر وظلت تلك الفكرة مسيطرة على ميشيما طوال حياته (45 عاما) التي تعتبر قصيرة نوعا ما مقارنة باليابانيين الذين يشتهرون بطول العمر، خاصة وأنه قد أنهاها بنفسه على طريقة الهاراكيري أو السيبّوكو متمتثلا فيها روح الساموراي العظماء الذي يطبقون المثل العربي الأصيل في الفروسية ’بيدي لا بيد عمرو’.
في حديث مع الأديب الياباني الصديق كيئتشيرو هيرانو وهو من أبرز الأدباء المعاصرين الذين تأثروا بشدة بأدب ميشيما ويعتبر أحد أهم أدباء اليابان حاليا، قال لي: ’إن حصول الأديب ياسوناري كاواباتا على جائزة نوبل للآداب في عام 1968 كان أحد الأسباب التي عجلت بإقدام ميشيما على’الانتحار’
فميشيما ظل مرشحا لنيل الجائزة لعدة أعوام، وكل عام كان ينتظر بفارغ الصبر إعلان الفائز بالجائزة ويُعد نفسه لعقد مؤتمر صحافي يتحدث فيه عن مشاعره بعد فوزه بتلك الجائزة العظيمة، ولكن بعد فوز كاواباتا بها، يئس ميشيما من الحصول على تلك الجائزة التي تعتبر قمة المجد في الأدب العالمي، لمعرفته باستحالة حصول أديب ياباني آخر على ذات الجائزة إلا بعد مرور سنوات وربما عقود طويلة ’وهو ما حدث بالفعل فلم يحصل أديب ياباني على جائزة نوبل إلا بعد مرور حوالى ثلاثة عقود وهو كينزابورو أويه في عام 1994). ربما يظن البعض أن ربط انتحار ميشيما بعدم حصوله على جائزة نوبل يعني أن الانتحار كان بسبب الإحباط أو اليأس من التحول إلى أديب عالمي شهير. ولكن الأمر في رأيي على العكس، فكما ذكرت قول هيرانو منذ قليل، حصول كاواباتا بجائزة نوبل ’عجّل’ فقط بانتحار ميشيما ولم يكن سببا من أسباب الانتحار نفسه، ففكرة الانتحار كانت هي الفكرة الأساسية والمحورية التي دار في فلكها ميشيما أثناء حياته كلها، وفي حديث ميشيما المتلفز الذي سبق الإشارة له، يتحدث ميشيما عن عدم تخيل حياته وقد بلغ من الكبر عتيا وأصبح عبئا على نفسه وعلى الآخرين. ربما كان ميشيما يرسم سيناريو مخالفا لنهايته يتمثل في الحصول على جائزة نوبل للآداب والتألق في سماء الأدب العالمي ليصبح اسمه على كل لسان في العالم أجمع كقيمة فكرية وأدبية عظيمة ملأت الأفاق متعة وجمالا، ثم في ذات لحظة التألق وفي ذروة الشهرة ولفت الأنظار يقوم بإنهاء حياته بنفسه، كزهرة ساكورا أنهت مهمتها في إمتاع الأبصار، وكقذيفة هانابي أضاءت سماء الكون لثوانٍ لتنطفئ بعدها على الفور.
هامش: حادث انتحار ميشيما
في 25 نوفمبر من عام 1970 توجه ميشيما مع أربعة من أعضاء جماعته ’جماعة الدرع’ بزيهم العسكري إلى مقر قوات الدفاع الذاتي اليابانية في إيتشيجايا بوسط طوكيو بعد أن أخذوا موعدا مع القائد العام للقوات، وأثناء لقائهم مع القائد العام قام ميشيما ورفاقه بأخذه كرهينة، وطالبوا بجمع كل أفراد قوات الدفاع الذاتي الموجودين في المقر ليلقي عليهم ميشيما خطابه الذي أعده لهم لكي يحثهم على الثورة والانقلاب ضد الوضع الحالي وتغيير الدستور لكي يتم إعادة كل السلطات للإمبراطور ولكي تعود قوات الدفاع إلى ما كانت عليه من جيش قوي يحمي البلاد. ولكن لم يستطع ميشيما خلال عشرين دقيقة تقريبا من حديثه لهم من فوق شرفة غرفة القائد العام إقناع الجنود بأي شيء وسط تذمرهم وشوشرتهم على حديثه وعدم سماعهم لما يقوله بسبب عدم استخدامه مكبرا للصوت ووجود طائرات هيلوكوبتر تابعة لوسائل الإعلام تحوم فوق المكان. يئس ميشيما من الجنود فعاد إلى غرفة القائد العام لينهي حياته بنفسه بطريقة الهاراكيري المقدسة ببقر بطنه بخنجر صغير وليطير مساعده المخلص رأسه من على جسده في ذات اللحظة

* نُشرت في جريدة القدس العربي بتاريخ 28 مارس 2013م

الثلاثاء، 10 يوليو 2018

فاوست العربي في اليابان


فاوست العربي في اليابان
ميسرة عفيفي

من الحوادث العجيبة التي حدثت لي في اليابان.
كنتُ أعمل منسق برامج في إحدى المؤسسات الحكومية اليابانية التي تستضيف وفودا من دول العالم للاطلاع على التجربة اليابانية في مختلف المجالات. بالطبع كنتُ أعمل في تنسيق ومرافقة الوفود العربية فقط.
وفي أحد الأعوام (تقريبا عام 2003 على ما أتذكر) انتشر في العالم مرض غريب غير واضح المعالم يسبب ارتفاعا في درجة الحرارة وقد اُصطلح وقتها على تسميته حُمّى السارس. وكان من دواعي الوقاية التي اتبعتها المؤسسة أن يتم قياس درجة حرارة كل ضيف في اليوم الأول من بداية الزيارة أثناء المقدمة التعريفية، لكي يتم التعامل سريعا مع أية حالة اشتباه في الإصابة بحمى السارس في وقتها. لم تحدث طوال عملي والحمد لله أية حالة اشتباه من أي نوع. ولكن حدث ما يلي أثناء عملي مع وفد من إحدى الدول العربية وبه ما يزيد قليلا عن عشرة أفراد.
وهو أن جميع الضيوف كانت درجات حرارتهم طبيعية ولا مشكلة فيها. ولكن قابل فرد واحد فقط، في الخمسينات من العمر، مشكلة عكسية. فمن المعروف أن درجة حرارة الإنسان الطبيعية تدور حول رقم 37 درجة مئوية. في اليابان تقل قليلا حيث يعدون الدرجة الطبيعية أقل قليلا من 37 درجة مئوية تقريبا 36.5 أو 36.6 درجة مئوية مثلا. ولكن ذلك الرجل كانت درجة حرارته أقل من الطبيعي بشكل كبير، إذ أنها كانت في حدود 33 أو 34 درجة مئوية، ومهما أعادنا القياس وغيرنا جهاز القياس كانت النتيجة لا تتغير (كانت هناك خمسة أو ستة أجهزة قياس كلها تعمل جيدا وقاست درجات حرارة باقي الوفد بلا مشاكل). انزعجت الممرضة التي تقيس وهمست لي سرا إن هذا الرجل ميت، في حين كان يضحك هو وزملائه من النتيجة، وكلما زاد هو من مزاحه نزداد أنا وزملائي اليابانيون قلقا وريبا من هدوئه. في النهاية انتهى القياس دون أن نصل إلى معرفة سبب هذه المعضلة، وحيث أن الغرض من القياس كان استكشاف من لديه اشتباه في الحمى، فلم تكن هناك مشكلة من أن تكون درجة الحرارة منخفضة. وسُجّلت الدرجة كما هي، ومر الأمر بسلام، خاصة وأن الرجل أمامنا في كامل صحته يضحك ويمزح وليس به أي ما يسبب القلق.
وكنتُ أثناء الزيارة التي استمرت حوالي ثلاثة أسابيع، أبدي اهتماما زائدا بذلك الرجل مخافة أن يكون بصحته شيء ما خفي عليه وعلينا، ولكنني اكتشفت أمرا آخرا لا علاقة له بصحة الرجل.
كان ذلك الوفد مرسلا من حكومة تلك الدولة لبحث موضوع متعلق بأحد مشاريع البنية التحتية، وكان من ضمن الوفد وكيل وزارة يحمل درجة الدكتوراه هو رئيس الوفد. ولكني اكتشفت أن الرجل الخمسيني إياه هو رئيس الوفد الفعلي وهو الذي يصدر القرارات وهو الذي يتحدث باسم الحكومة عندما يكون هناك حاجة لذلك، أي أنه كان رئيس الوفد الخفي رغم أن منصبه الرسمي الذي جاء به وخبرته وعلمه أقل كثيرا ممن معه من أعضاء الوفد وخاصة الأستاذ الدكتور رئيس الوفد. إلا أن رئيس الوفد نفسه كان متفهما للموقف وكان يترك لصاحبنا القرار والحديث كما يحلو له دون اعتراض ظاهر.
ثم عرفت السبب أن صاحبنا ذلك هو عضو قيادي في الحزب الحاكم لتلك الدولة، وأن منصبه الحزبي وإن – كنت لا أعلم منصبه الحزبي هذا معرفة دقيقة – كان هو الذي يخوّل له تلك السلطات التي كانت أعلى بكثير من قدراته وخبراته وعلمه. وكان من الممكن أن يتسبب في كوراث كثيرة لجعله هو صاحب القرار رغم وجود من هو أفضل منه خبرة وعلما.
لا أدري لماذا تخيلت أن هؤلاء الذين يسيطرون على مقدرات الشعوب بجهلهم وتخلفهم، بحجة واحدة فقط هي أنهم أصحاب الثقة، هم في الواقع من الموتى الذين عقد معهم الشيطان عقدا يعطيهم به سلطة الحكم والقرار ويسلب منهم حرارة القلب ودفء المشاعر والروح، وإننا لو قسنا درجات حرارة هؤلاء بجهاز قياس حرارة "ياباني" لأوضح لنا أنهم باردون، ميتون، ليس لهم قلب ولا مشاعر.


الأحد، 1 أبريل 2018

رواية الإوزة البرية تحفة أوغاي موري


رواية الإوزة البرية
تحفة أوغاي موري الأديب والطبيب والقائد العسكري
الذي وضع حجر أساس الأدب الياباني الحديث

بقلم: ميسرة عفيفي

ترجمة هذا العمل لها قصة يجب أن تُروى. مع بداية عملي في الترجمة الأدبية كنت قد تواصلت مع دار التنوير عن طريق الصديق الروائي محمد ربيع الذي كان يعمل محررا في الدار واتفقنا على تقديم عدة أعمال للحصول على منحة ترجمة من مؤسسة اليابان. وفي النهاية قررنا التقدم بعمل كلاسيكي قديم وعمل معاصر واخترنا الإوزة البرية من الأعمال الكلاسيكية الخالدة في الأدب الياباني خاصة أن مؤلفها أوغاي موري لم يحظ بأي انتباه من المترجمين العرب لأعماله التي وضعت حجر الأساس للأدب الياباني الحديث والمعاصر فلم تترجم له أية رواية حتى هذه اللحظة للغة العربية رغم كثرة ترجماته للغات الأجنبية وخاصة اللغة الإنجليزية. واخترنا من الأدب المعاصر رواية "حكاية قمر" للأديب الشاب كيئتشيرو هيرانو. ولكن في النهاية اختارت المؤسسة تقديم الدعم لرواية هيرانو "حكاية قمر" ولم تقبل رواية "الإوزة البرية" لأوغاي موري وهو ما لم أكن أتوقعه. فبعد التقديم على المنحة وحتى ظهور النتيجة (وهي فترة حوالي ستة أشهر) عكفتُ على استكمال ترجمة رواية "الإوزة البرية" على أساس أنها هي التي ستُختار بلا أي ريب مني في ذلك. ولكن كانت المفاجأة أن اُختيرت رواية "حكاية قمر". ولذا تركت العمل في ترجمة "الإوزة البرية" وهرعت لترجمة "حكاية قمر" حتى نستطيع الالتزام بشرط إصدار الرواية في الموعد المحدد ذلك من المؤسسة. وبعد انتهاء العمل في "حكاية قمر"، واصلتُ ترجمة العمل في ترجمة رواية "الإوزة البرية" دون أن يكون هناك أي اتفاق نشر.
بعد ذلك علمت بطريقة الصدفة أن مشروع كلمة للترجمة قد أعد مئة عنوان للترجمة من اللغة اليابانية إلى اللغة العربية وذلك في أعقاب زيارة قام بها رئيس وزراء اليابان شينزو آبه للشرق الأوسط ومن ضمن الدول التي زارها الإمارات العربية المتحدة ووقع هناك عدة بروتوكولات واتفاقيات منها العمل على ترجمة أمهات الكتب اليابانية إلى اللغة العربية، وأن من ضمن تلك الأعمال رواية "الإوزة البرية" ولكن كان من المقرر أن تتم الترجمة من لغة وسيطة هي اللغة الإنجليزية وليس عن طريق ترجمة مباشرة. وكنتُ وقتها قد انتهيت من ترجمة أولية للرواية فتواصلتُ مع مسئولي المشروع وعرضتُ عليهم ترجمة "الإوزة البرية" مباشرة من اللغة اليابانية إلى اللغة العربية فأعطوني موافقة مبدئية على نشر ترجمتي المباشرة للرواية بديلا عن الترجمة الوسيطة. ولكن مر حتى الآن أكثر من ثلاث سنوات على الإعلان عن ذلك المشروع الضخم ولم يجد أي جديد، وسمعتُ مؤخرا أن مشروع كلمة ذاته معرض للتوقف حاليا لبحث حالته والنتائج المحققة حتى الآن بعد إصدار ترجمات لما يقارب الألف عنوان من اللغات المختلفة. ولكني واصلتُ العمل على ترجمة ومراجعة وتنقيح نص "الإوزة البرية" مع نشر أسطر من الترجمة وأخبارها في وسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك. فلفت ذلك نظر الصديق سيف سلماوي مدير دار "الكرمة" فتفضل بعرض نشر أي عمل مترجم لي من الأدب الياباني فأرسلتُ له نص شبه نهائي لرواية "الإوزة البرية" فلاقت الرواية استحسانه وتكرم بعرض لنشرها لتكون أول عمل روائي يُنشر باللغة العربية لأوغاي موري ذلك الأديب الياباني الكبير الذي يعتبر أحد أهم رواد الأدب الياباني الحديث في عصر ميجي العصر الذي دخلت فيه اليابان بقوة طور التقدم التحديث في شتى المجالات.
وليسمح لي القراء أن أعرض هنا بعض الآراء الهامة لثلاثة من المثقفين أولهما وهو البروفيسور روبرت كامبل الأستاذ الأمريكي السابق للأدب الياباني بجامعة طوكيو القومية وهي أعرق وأفضل الجامعات اليابانية والمتخصص في أدب عصر ميجي وما قبل وما بعده أي الفترة الذي عاش فيها أوغاي، فقد كتب عن رواية "الإوزة البرية" ما يلي في معرض ترشيحه لها لترجمتها للغة العربية.
في البداية يعتبر د. كامبل أن أوغاي موري (1862 – 1922) أحد أعظم من يمثل الأدب الياباني بصفته كاتبا روائيا ومسرحيا وناقدا ومترجما. ويشير إلى أن أوغاي كتب رواية "الإوزة البرية" في عصر يمثل ذروة حركة التحول الصناعي في اليابان، حيث كانت سياسة اليابان متسارعة تحاول الاقتراب من تقدم الغرب. ويقول د. كامبل إن من بين الأعمال العديدة والمتنوعة لأوغاي تشتهر "الإوزة البرية" بأنها رواية عظيمة كُتبت بحساسية عالية وجمال رائع عن الفرد في اليابان وبصفة خاصة عن وعي المرأة وبحثها عن حريتها واستقلالها.
ويؤكد د. كامبل أن "الإوزة البرية" رواية ذات قيمة عالمية كبيرة فهي مع رسمها لقصة حب لم تتكمل إلا أنها تتخطى العلاقة بين الرجل والمرأة إلى علاقة الإنسان بالآخر، وفي نفس الوقت تطرح سؤالا عن احتفاظ ذلك الإنسان بهويته وذاته. وفي النهاية يختم د. كامبل بالقول:
"أنا متأكد تماما أنها الرواية الأنسب لترجمتها للتعريف بأدب أوغاي في العالم العربي للمرة الأولى. وأتوقع أنه من خلال اكتمال ترجمة الرواية وإصدارها ستكون سببا في انتشار أدب أوغاي موري بين العرب من جهة وستعمق تفهُّم العرب للثقافة اليابانية من جهة أخرى"
الرأي الثاني هو للروائي كيئتشيرو هيرانو الفائز بجائزة أكوتاغاوا الأدبية العريقة الذي كتب ما يلي تعليقا على ترشيح رواية الإوزة البرية للترجمة للغة العربية:
"يعتبر أوغاي موري مع سوسيكي ناتسوميه أهم روائيين في تاريخ الأدب الياباني الحديث، ومن المرغوب فيه التعريف بأعماله في العالم العربي وترجمتها في أسرع وقت"
ويشرح هيرانو أن العالم العربي سيتفهم من خلال معايشة نفس الشعور قيمة أوغاي الذي ذهب إلى أوروبا للدراسة إبان فترة تحديث اليابان في عصر ميجي، فأدخل العديد من الأفكار الجديدة إلى اليابان. ويوضح أن الصراع الذي عانى منه أوغاي عندما اصطدم بالتعارض بين ثقافة بلده الأصلية وثقافة أوروبا الجديدة غني بالكثير من ملامح حل تلك المشكلة حتى الآن. ويعطي هيرانو أهمية قصوى لتعبير أوغاي في رواياته باستفاضة بالغة عن قيمة أشياء مثل الطبيعة والمجتمع والشعور الإنساني والصدفة إلخ التي لا تطالها قوة "الفرد" في الوقت الذي جُلبت فيه أفكار الفردية الجديدة الغريبة على المجتمع الياباني، وسط لهفة من الدولة تجاه "تحقيق هوية حداثية". ويوضح هيرانو أن الجوهر الحقيقي لأدب أوغاي هو قضية الإنسان الذي يعيش وسط "قوى لا يمكن مقاومتها". ويقول إن أوغاي وصل لهذا السبب ذاته في نهاية سنوات حياته إلى موقف "الإذعان"، وإنه من أجل أن يضع البؤرة على تلك القوى التي لا يمكن مقاومتها بالضبط كأديب واقعي حقيقي، فلقد تخلّى برغبته عن صناعة الحكايات، وبدأ يغير أسلوبه إلى أسلوب السيرة التاريخي الذي يُعَظِّم من "الطبيعة كما هي" في التاريخ. والسبب في ذلك أن نظرة أوغاي للعالم ترى أن العناصر التي لا يمكن للفرد مقاومتها تحمل معاني في حياة الإنسان أكثر من إرادة الفرد.
ويلمح هيرانو إلى أنه ربما يبدو للوهلة الأولى أن شخصيات أدب أوغاي قليلي الجاذبية لشخصيات رئيسة في روايات الأدب الحديث. لأنهم ليسوا من نوع الأبطال العظام الذين يحققون أهدافهم بعد تخطيهم مصاعب الحياة. ولكن هيرانو يربط بين أوغاي والزلزال الضخم الذي حدث في 11 مارس عام 2011 في اليابان، فيقول إن تبني أوغاي لفكرة "الإذعان" لأنه "يوجد في حياة الإنسان أحداث لا يمكن مقاومتها مطلقا"، كان يحمل عزاء ومواساة لا يمكن التعبير عنها بالكلمات للقارئ الحالي الذي أدرك تلك الحقيقة. ويقول هيرانو إنه على يقين تام إن الوقت الحالي هو حقا الوقت الذي يجب فيه على اليابان إعادة قراءة أوغاي، وإن الأمر نفسه ينطبق على العديد من الدول التي تتعمق فيها الحيرة.
ويشيد هيرانو برواية "الإوزة البرية" بوصفها العمل الأفضل والأبرز وسط روائع أوغاي العديدة، ويوضح أنها تروي بكلمات معبرة وعبارات سلسة في منتهى الرقي مأساة عدم قدرة شاب وشابة على الارتباط بسبب ما يمكن أن نطلق عليه صدف الحياة المعيشية اليومية وتحكماتها أكثر مما يمكن إطلاق لفظ القدر عليها. ويقول هيرانو إن تلك النظرة المليئة بالحب الهادئ التي ملكها أوغاي وسط الحماس الطاغي للتحديث، أثرت تأثيرا عظيما في حياة اليابانيين حتى الآن.
ويرى هيرانو أن قراءة أدب أوغاي موري يساعد على فهم شخصية اليابانيين وكذلك يعطي دفعة للتفكير المحدد لمن يعيشون في مجتمعات تتجه نحو التحول إلى الديمقراطية.
أما يوكيو ميشيما أديب اليابان الذي يعده بعض النقاد أعظم عبقرية أدبية ظهرت في اليابان، فقد كتب مقدمة لأعمال أوغاي موري الكاملة التي صدرت عن دار نشر "تشوكورون" عام 1966 ضمن سلسلة الأدب الياباني. وفي تلك المقدمة أولى ميشيما أهمية خاصة لرواية "الإوزة البرية" واعتبرها أعظم وأهم أعمال أوغاي موري. كانت المقدمة بعنوان "ماذا يمثّل أوغاي موري؟" ويبدأ يوكيو ميشيما كلامه فيقول:
"ماذا يمثل أوغاي موري؟ إن هذا التساؤل يشغل تفكيري بين وقت وآخر في الفترة الحالية. وليس سبب ذلك هو أنني أنظر باستهانة إلى أدب أوغاي. بل الأمر على العكس من ذلك، سبب هذا التساؤل هو احترامي وتقديري العميقين لأدب أوغاي. في الأصل لم يكن هناك أية مساحة في اليابان قبل الحرب العالمية الثانية لكي يُطرح سؤال "ماذا يمثل أوغاي موري؟" فقد كان أوغاي هو أوغاي. كان هدفا للاحترام لدرجة التقديس بلا قيد ولا شرط، بل كان صنما معبودا للمثقفين بصفة خاصة. وأغلب الناس الذين يستهزئون بكل ما يتعلق بالأدب، أولئك الذين يعملون في مهن حقيقية في المجتمع ويحتلون مناصب رفيعة، ويعتقدون أن الرواية عبارة عن لعب لإلهاء الفتيات والسيدات، يتعاملون مع أوغاي فقط على أنه حالة خاصة، فيشملونه بعظيم الاحترام. ولذا يمكن القول إن أوغاي كان المثقف المعبود لمثقفي طوكيو بداية من عصر ميجي وفي نفس الوقت كان منشئ علم الجمال الذي يُنظر إليه على أنه الأكثر مثالية، وإذا وصفنا بوصف مشاغب قليلا فقد كان النموذج الحي للفن والأدب"
ثم يضيف يوكيو ميشيما ويقول إنه شخصيا نشأ وترعرع في تلك البيئة التي جعلت من أوغاي موري صنما معبودا. وكان ترقّي أوغاي في المرتبة الاجتماعية حتى وصل لمنصب المراقب الطبي الأعلى للجيش، وامتلاكه خبرة عملية وتاريخ أكاديمي يعتبر قمة ما يمكن الوصول إليه في عصر ميجي، قد أضاف إلى سمعة وتقييم أوغاي الكثير.
ويوضح ميشيما أن الصورة المتبقية حتى اليوم في عقول الناس وقت كتابته المقدمة هي: "إن أوغاي فقط يختلف عن أدباء الدرجة الثالثة"
ثم يذكر ميشيما ما حدث معه شخصيا أثناء قضية رفعها عليه أحد سياسي اليابان يتهمه فيها بالقذف والتشهير بسبب رواية ميشيما "بعد الوليمة" فيقول:
"أعتذر عن ذكر أمر شخصي خاص بي في هذا المقام، ولكن عندما رفع السيد هاتشيرو أريتا قضية ضدي في المحاكم منذ فترة ليست بعيدة بعد نشر رواية "بعد الوليمة"، قال السيد أريتا علانية في المحكمة: {حتى لو أصبحتْ حياتي نموذجا لعمل أدبي، فربما كان مقبولا لو كان الكاتب أوغاي موري أو سوسيكي ناتسوميه، ولكن أن يفعل ذلك أديب من الدرجة الثالثة ...} فأوغاي بالتأكيد لم يكن من أدباء الدرجة الثالثة! فقد كان يحلق شعر رأسه لأدنى حد مثل الجنود، ولم يكن له أية علاقة بالأدباء الرومانسيين أصحاب الشعور الطويلة، وكان مختلفا تماما عن ثُلة الأدباء الذين يجلسون على المقاهي بلا عمل يتبخترون بربطة شعرهم البوهيمية، أو المتشردين الذين تراهم ليلا ونهارا في الحانات بزيهم الرث المهلهل، ويبيعون زوجاتهم فرحين، أو يضعون فراشهم ومتاعهم في محل الرهونات. وقبل كل شيء كان أوغاي "مثقفا مختارا بعناية" بل إنه لم يكن من عينة المثقف الضعيف شاحب الوجه مرتاد المكتبات، بل كان قوي البنية ومعتادا على ركوب الخيل، وكان كذلك المثال الأصلي والأصيل لمواكبة الموضة التي تعلمها أثناء حياته في بعثته الأوروبية رغم اجتهاده في نفس الوقت في عمله بالجيش"
ويوضح ميشيما أن تلك كانت صورة أوغاي التي تراها العيون الأكثر اعتدالا في اليابان. ويضيف: "إن مثقفي وفناني اليابان الذين يميلون نحو إعطاء ظهرهم للمجتمع والحياة الواقعية والعالم المعاش في هذه الدنيا، الأشخاص الذين يحسون بالحزن والوحدة، لا ينفكون يرون في أوغاي مثالية مفقودة وتمثال إلههم الميت. ثم بعد ذلك، الجيل التالي من المثقفين الضعاف الذين على وشك اليأس من توحيد ودمج التربية والعلم الغربي مع التربية اليابانية، عندما رأوا أن أوغاي حقق ذلك بمنتهى السهولة، عبدوا أوغاي مع إحساسهم باليأس من اللحاق به"
ولكن يعود ميشيما فيوضح أن أوغاي كان له بالتأكيد صورة أوغاي الإنسان بجانب صورة أوغاي السوبرمان. ويقول إن الباحثين اكتشفوا أمورا عديدة تتعلق بصراع أوغاي في المعيشة اليومية، وعلاقته مع أصحاب السلطة والقرار في عصره، ومعاناته العائلية إلخ. ولكن رغم ذلك ظل أوغاي يتحمل تلك الوحدة ويصبر على البلاء في إذعان كامل للقدر. ويشرح ميشيما أن ظروف الإذعان (resignation) المحيطة بحياة أوغاي زادت على العكس من قوة تأثير صورة "أوغاي السوبرمان".
ويضيف ميشيما: "إذا تكلمتُ عني أنا شخصيا، فبداية إحساسي بالألفة مع أوغاي كانت على العكس بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. حتى ذلك الحين درستُ في المدرسة رواية "القائمقام سانشو"، ولكني لم أشعر وقتها بأية متعة من قراءة الرواية. فقد كانت بسيطة وخفيفة وبلا حبكة بشكل زائد عن الحد. وعلاوة على ذلك أن صورة "أوغاي العظيم" التي طُرقت بها أدمغتنا منذ عهد الطفولة كانت من القوة بحيث دفعتني إلى اتجاه الابتعاد عن أدب أوغاي تعظيما وتوقيرا له"
ثم يقول ميشيما إنه بدأ يفهم ويستمتع بأدب أوغاي بعد دخوله الجامعة، وأنه أدرك جمال أدب أوغاي فجأة. ويشير ميشيما إلى أن تلقّي جيل الشباب بعد مرور عشرين عاما على انتهاء الحرب لأدب أوغاي له أبعاد متنوعة. ويشرح ذلك بالقول:
"أعتقد أن صورة أوغاي التي كانت تجسيدا حيا لمثالية حكومة ميجي، صورة أوغاي التي وضعت قدما على طريق التنوير وقدما على طريق الحفاظ على التراث، وكذلك صورة المثقف الذكوري المثالي في نظام الأسرة الأبوي، قد اختفت من الوعي الباطن لجيل الشباب الحالي، وحتى لو لم تختفِ تماما فيمكن بسهولة ملاحظة فقدانها لبريقها وجاذبيتها. إن كل ما كان أوغاي يحمله يختلف مع الديمقراطية الأمريكية بعد الحرب، وكذلك يختلف أوغاي مع التقدمية السوفيتية أو الشيوعية الصينية اللتان لا تناسبان مزاجه نوعا ما. ثم مع إلغاء نظام المدارس الثانوية القديم في اليابان، رحلت إلى الأبد التربية والثقافة على الطريقة الألمانية التي كان القاعدة الأساسية لظاهرة عبادة أوغاي"
ثم يطرح ميشيما سؤال: ماذا يعني أوغاي موري لنا؟
ويذكر أن تأثير انتقال اليابان من النمط الأوربي إلى النمط الأمريكي إثر احتلال أمريكا لليابان في نهاية الحرب العالمية كان سببا في أن يشغل ذلك السؤال حيزا هاما من تفكيره. ويقول ميشيما:
"كان من المؤكد أن أوغاي لم يعد على الأقل ذلك (الإله البديهي) الذي لا يحتاج إلى تفسير، ولكن مقابل ذلك ظل سوسيكي وهو (الأكثر شعوبية) محتفظا بإعجاب الأجيال الشابة به كما هو"
ويؤكد ميشيما على أن طريقة التفكير التي تقول "الأكثر شعوبية" تلك لم تكن طريقة التفكير الخاصة به فقط. ولكن كان "فهم أوغاي" بالنسبة لجيله بأكمله هو المعيار الذي تقاس به الذائقة الأدبية، ويقول:
"بالطبع كان سوسيكي أديبا عظيما، ولكنه كان يُنظر إليه على أنه أكثر شعوبية، وأسهل في فهمه بدرجة كبيرة عن أوغاي"
ويرى ميشيما اندفاع الشباب إلى سوسيكي وتركهم أوغاي أمرا طبيعيا بعد أن زالت الفكرة العتيقة التي ترى أن الأدب البسيط سهل الفهم أدبا شعوبيا وهي فكر كانت تسيطر على عقول المثقفين اليابانيين لعهود طويلة. ولكن ميشيما يسأل هل أوغاي فعلا "صعب الفهم"؟ ويجيب على ذلك السؤال بقوله إن أسطورية وتأليه أوغاي اللتان شرحهما كانتا لهما قوة تأثير كبيرة تجعل الإجابة على ذلك السؤال بسهولة أمرا مستحيلا. ويرى أن أوغاي هو القمة العليا لأسلوب السهل الممتنع في الأدب الياباني منذ عصر ميجي وحتى الآن.
ويعاود ميشيما التساؤل: ماذا يعني موري أوغاي؟ ويضيف:
"أن توجيه هذا السؤال الآن وبعد أن ذبلت وماتت العديد من أساطير أوغاي، يمثل الأمر الأكثر خطورة واستعجالا بالنسبة لي. بالطبع من الأهمية بمكان تقييم صفات أوغاي الإجمالية على أنه (كلٌ واحدٌ) ولكن الآن بعد أن ماتت كل الأساطير، وضعفت هيبته كإلهٍ للمعرفة، يُعتقد أنه من المفترض أن جمال أدب أوغاي ذاته يتألق بوضوح ونقاء (حتى لو لم يكن مؤكدا أن تتقبله أغلبية الناس)"
ثم يؤكد ميشيما أن جمال أدب أوغاي، لا يشبه مطلقا ما أصطلح على تسميته "جمال" في العصر الذي عاش فيه ميشيما. ويقتبس ميشيما من الشاعر والناقد كونوسكيه هيناتسو في معرض تقييمه لرواية أوغاي "هاناكو" قوله:
"تلك التلقائية والبساطة يتميز بها سلوك الشخص تفهّم بسهولة قوة وجمال المخطوطات القديمة لقدماء الصينيين"
ويقول ميشيما إن تلك الكلمات تشرح الأمر كله. ويوضح ميشيما أن "قوة وجمال المخطوطات القديمة لقدماء الصينيين" لا تظهر في شكلها الحي عند أوغاي على هيئة حروف صينية مهيبة، بل أنها أصبحت لغة يابانية واضحة وموجزة بعد تنقيتها من خلال تربية وثقافة أوغاي الأوروبية. ويقول ميشيما إننا مع لغة أوغاي نتذوق الثقافة الصينية الطازجة التي جلبتها الطبقة العليا في عصر نارا، وليس علم اللغة الصينية المُظلِم الذي صار مُركّز في عصر توكوغاوا الإقطاعي، ويقول إن أدب أوغاي يجعل القارئ يسْكر من تلك اللغة اليابانية التي مزجت ثقافة الطبقة العليا في الشرق والغرب على تباعدهما الزماني وفجوتهما المكانية بروعة وكمال لا شك فيه. ويضيف ميشيما:
"لقد استخدمتُ الآن كلمة "يسْكر" بلا وعي، ولكن لا توجد لغة أبعد عن السُكر بمعناه الديونسيسي من لغة أوغاي. ولهذا السبب ذاته نحن لا نسْكر معه سكرا عاديا. ولكنه يشبه السُكر الذي نصاب بعد أن نصعد طريقا جبلية طويلة، ونكون قد بذلنا الكثير من العَرق ثم نشرب كوبا من ماء بئر بارد بعد وصولنا، نحن نسكر من تلك السلاسة والنقاء. وعند إعادة التفكير أجد أن سبب عدم محبتي أوغاي إلا بعد دخولي الجامعة هو أن التعرف على ذلك "السُكر الرائق النقي"، مستحيل لطلبة المرحلة الإعدادية والثانوية"
ويبدأ ميشيما في تحليل رواية "الإوزة البرية" والتي يعتبرها أعظم ما كتب أوغاي فيقول:
"نشر أوغاي أخيرا تحفته الخالدة الإوزة البرية في العام الرابع والأربعين من عصر ميجي (1911م) بعد بلوغه التاسعة والأربعين. وفي كل مرة أعيد قراءة تلك الرواية دائما ما أفكر في نفس الأمر، تُرى هل استطاع أن كاتب من الكُتّاب والروائيين الذين جاءوا بعد أوغاي امتلاك مثل هذه اللغة التي كانت أوغاي يملكها؟ والتي يجمع فيها قِطع الواقع التافه في اليابان مع نظرة الطائر الشمولية إلى أفكار العالم الضخمة، ومن الأدوات اليابانية الدقيقة إلى المناظر العملاقة، بحرية وبلا تفرقة أو تمييز بل ودون أن ينتقص ذلك من وحدة اللغة"
ثم يقارن ميشيما بين أوغاي والكتاب الذين جاءوا بعده فيقول إن لغة الروائي تاتسو هوري إن استطاعت أن ترسم مدينة كارويزاوا الراقية، فهي لا تصلح للتعبير عن المناطق المزدحمة والضوضاء التي في طوكيو. ويشير إلى أن لغة جونئتشيرو تانيزاكي استطاعت التعبير عن كل شيء بدرجة عظيمة، إلا أنها لا تناسب الأفكار المجردة. ويشير ميشيما إلى عدم ظهور كاتب ياباني امتلك أسلوبا أدبيا يحتوي بفنية عالية فوضى التحديث في اليابان مثل الدرجة التي امتلكها أوغاي. يعترف ميشيما بالطبع بظهور أدباء كثر بارعون في فن الحبكة الروائية، وظهور أدباء ذوي درجة عالية من التكثيف والتركيز الشعري وظهور أدباء يدخلون في أسلوبهم العادات والتقاليد السطحية بلا حدود ولا نهاية، ولكن كان كل ذلك بفضل عبقرية لغة أوغاي التوفيقية. ويتكلم ميشيما عن ظهور أدباء عباقرة في كتابة الأفكار التجريدية، ولكن ينقصهم قوة التصوير التي تخترق الأشياء مثل الأشعة السينية. ثم يأسى ميشيما لأن أوغاي الذي امتلك ذلك الأسلوب الأدبي بهذه القدرات، لسوء الحظ لم يكن لديه متسعا من الوقت ليكتب لنا عملا روائيا ضخما وشموليا. ولكنه اعتبر رواية "الإوزة البرية" بقدر ما هي عمل أوغاي العبقري الشامل الذي اقترب من الحالة المثالية المطلوبة.
ثم يبدأ ميشيما في تحليل الرواية بنظرته الثاقبة وعبقريته النقدية فيقول:
"تُسرد الرواية بواسطة الراوي بضمير المتكلم عن قصة حب لم تكتمل أو تتحقق للنهاية بين صديق الراوي أوكادا الشاب الوسيم صاحب الصفات المحمودة وبين أوتاما الفتاة الشابة الجديرة بأن تُحب، ولكن وضع أوتاما أنها محظية لمرابي"
ويوضح ميشيما أن أوغاي تمكن من خلال أسلوبه الأدبي المتين والراسخ من إبراز عادات وتقاليد وطبيعة ذلك العصر داخل الرواية. ثم يشير إلى الصدفة القدرية التي تقوم على أساسها الرواية عندما تظهر وجبة سمك الإسقمري بصوص الميسو على مائدة عشاء مسكن الطلبة في إحدى الليالي، فتفقد بذلك أوتاما فرصة التحدث مع أوكادا الذي خرج للتريض بمفردهما للأبد، ثم تُقتل إوزة برية كانت تعوم في بركة لوتس ذابل بعد أن قذفها طالب لا مبالي بحجر. ثم يقول:
"يحكي أوغاي القصة داخل حركة حتمية وكل شيء يمضي في هدوء مثل حركة الأجرام السماوية، وشخصيات الرواية فقط طالب من جيله وإحدى المحظيات، ولكن يترك القدر الذي يُحتّم ألا يتلاقى الاثنان أثرا لآلام لا تنتهي"
ويقول ميشيما إن سخرية أوغاي في رواية "الإوزة البرية" تجاه الأدباء من المذهب الطبيعي لا تظهر مطلقا، ورغم ذلك فالرواية تعالج ببراعة عيوب المذهب الطبيعي، ويضيف ميشيما أن أوغاي كتب رواية رمزية اعتمادا على واقعية مؤكدة تتخطى بمراحل إتقان واقعية المذهب الطبيعي.
ثم يشرح ميشيما أن أوغاي عبّر بدرجة معينة من الحياء عن الحالة النفسية للبطلة أوتاما، والحالة النفسية للبطل أوكادا، بدون إظهار أي أثر للقبح، بل أنه أنجز ذلك التحليل بدون الخوض في تحليل جارح. ويرى ميشيما أن أوغاي أوضح من خلال قصة حب تحتوي في داخلها على مذهب الوصولية للفتى ومذهب النفعية للفتاة، شعاعا خافتا لنبل البشر الذين كانوا يعيشون بلا أي ريب في اليابان وقت أحداث الرواية، ويقول ميشيما إن أوغاي لم يبتهج بذلك الشعاع بل فصله عن الرومانسية ومحاه بالكامل. وربما بعد بضع سنين يتحول أوكادا إلى إنسان دنيوي بشكل كامل. ويقول ميشيما:
"ربما تكون رمزية رواية الإوزة البرية هي الإشارة إلى مثالية عصر حاول النهوض والطيران ولكنه فشل. ولكن أوغاي لا يرى في موت الإوزة البرية شيئا عظيما وقويًّا بل أن الراوي وأوكادا مع صديقهما إيشيهارا يأكلون الإوزة البرية بلا مبالاة. وبذلك لم يكن قاتل الإوزة البرية قوة الزمن العنيفة، ولا ضغط الحكومة والقانون، بل إنه لم يزد عن كونه مجرد طالب عديم الإحساس، ولذا أكل هؤلاء الطلبة شبابهم على شكل إوزة بأنفسهم بهذا الشكل على شكل نَقْل لخمر الساكي. وكان موقف أوكادا تجاه أوتاما هو نفس هذا الموقف، فهو يرحل دون أن يفهم الشغف الذي تولد داخل قلب أوتاما، ولكن إذا سألنا حتى لو فهمه، هل كان سيتخلى عن مكانته ويقع في حب أوتاما؟ فالإجابة أنه لا يبدو أن أوكادا كان سيفعل ذلك بأي حال. فالأمر كله ينتهي في هدوء مؤلم من نوع لا يمكن وصفه فالبشر جميعا في النهاية كل فرد منهم يسير في مساره المحتوم، وليس أمامه إلا أن يحقق مصيره بنفسه"
ويقتبس ميشيما من مقالة "موقفي" التي كتبها أوغاي في عام 1887 ما يلي: "عندما أُسئل على أفضل الكلمات التي تعبر عمّا أحس به داخل عقلي، فتبدو أن تلك الكلمة هي resignation (الإذعان). ليس ذلك في الأدب فقط. ولكن نفس الأمر في أي موقف من مواقف الحياة. وعلى غير المتوقع لا أكون في معاناة عندما يظن الآخرون أنني أعاني. ربما يكون موقف الإذعان resignation هو انعدام العزيمة. ولكني لا أعتقد أنني سأحاول الدفاع عن نفسي في تلك الحالة"
وينهي ميشيما تقييمه لأوغاي موري بالقول:
"يرى القارئ الذي يقرأ أعمال أوغاي مرارة ومعاناة تتعمق تدريجيا من البداية مرورا بالإوزة البرية وحتى النهاية، وتتمركز تلك المرارة والمعاناة داخل أوغاي فقط ولا يُظهرها في العلن.
إن كان التطّير جبنا، إلا أن تحمل العذاب شجاعة. إن مرض العصر الذي عاش فيه أوغاي لا يستمر كما هو حتى العصر الحالي، ولكن في أي عصر، داخل ما يراه الناس من شعور الحركة والنشاط الإيجابي المزدهر البطولي، يختفي شعور الجبن والتذمر تجاه العصر، ولكن أوغاي على الأقل، لم يكن من ذلك النوع الجبان. إن ما يطلق عليه أوغاي الإذعان resignation مصطلح يشرح في كلمة واحدة هدوء وشجاعة وعذاب قلب الشخص الذي لا يتخلى حتى النهاية عن وظيفته ودوره في الحياة"


* نشرت في جريدة أخبار الأدب بتاريخ 31 مارس 2018