الخميس، 4 يونيو 2015

اليابان وثقافة المرور


اليابان وثقافة المرور

ميسرة عفيفي

 

المسافة بين مسكني وبين أقرب محطة للقطارات حوالي 800 متر تقريبا. ولا يوجد في هذه المسافة إلا إشارة مرور واحدة تقع في منتصف تلك المسافة تقريبا في تقاطع بين طريقين غير رئيستين.

بالأمس كنت عائدا إلى منزلي في وقت متأخر نسبيا من الليل ألا وهو العاشرة والنصف مساء. وفي هذا الوقت من الليل في منتصف الأسبوع عدد المارة من المشاة والسيارات يكون قليل للغاية، خمسة أو ستة رجال ونساء عائدون من أعمالهم مثلي في نفس الاتجاه، وسيارة أو سيارتين في كل اتجاه عند التقاطع.

عندما وصلت إلى التقاطع كانت الإشارة قد تحولت إلى اللون الأحمر بالفعل، فوقف من سبقني من المشاة في انتظار اللون الأخضر، ولكني نظرتُ فوجدتُ أن السيارة الوحيدة في الاتجاه المعاكس التي كانت تنتظر تغير الإشارة قد سارت بالفعل ولا توجد أي سيارة في الاتجاهين ولا يوجد أي احتمال لقدوم سيارة، فواصلت سيري دون توقف رغم أن الإشارة حمراء ورغم أن جميع المشاة حولي كانوا ينتظرون عند مكان عبور المشاة.

بعد أن سرت قليلا جاءني هاتف أن أنظر خلفي، فوجدتُ أن الإشارة قد صارت خضراء وأن المشاة بدأوا السير في نفس اتجاهي. كانت المسافة بيني وبينهم حوالي 15 مترا وفارق الزمن بيني وبينهم 10 ثواني تقريبا.

فكرت كثيرا في هذا الذي حدث، لماذا أخذتُ قرارا بالسير رغم أن الإشارة كانت حمراء؟ ولماذا انتظر باقي المشاة رغم عدم وجود احتمال لأية مخاطر من عبور الطريق في ذلك الوقت؟

ماذا استفدتُ أنا من توفير 10 ثواني، وماذا خسر الباقون؟ هل 15 متر تقدم في المسافة عن الآخرين، مقابل مجز لاختراق القانون والتفرد بوصمة المتخلف الهمجي الذي لا يبال بقواعد المجتمع وما جرى عليه العُرف؟

هل كنت أنا الذي في المقدمة وهم يلاحقونني أم كان الأمر على العكس؟

حسنا، هل سيتغير الأمر لو أني فزت بجائزة أكبر من مجرد 10 ثوان و15 متر؟ أعني لو خرق القانون (بلا عواقب بالطبع) أفادني بتوفير 10 دقائق وتقدم بمسافة 1500 متر عن المحافظين على القانون، لو حدث ذلك هل كنت أشعر بالنصر ولذة التفوق عليهم؟

 

هذا الموقف ذكرني بما حدث لي عندما جئت إلى اليابان للمرة الأولى منذ ما يقرب من عشرين عاما. كنت أسكن عند صديق ياباني منزله أيضا يشبه منزل الآن يقع في الأطراف البعيدة من مركز العاصمة طوكيو ويقع إداريا في المحافظة المجاورة لطوكيو، رغم أنهما على طرفي النقيض شرقا وغربا من طوكيو.

كنت أريد أن أستغل كل دقيقة من وجودي في اليابان فكنت أظل في مركز طوكيو حتى موعد آخر قطار يصل المحطة التي بها مسكن صديقي هذا، فكنت أصل البيت الساعة الواحدة ونصف بعد منتصف الليل، وكان ذلك الوقت يعني أنني كنت الوحيد تقريبا الذي أسير في الطريق من المحطة حتى منزل صديقي. وكان يوجد عدد أكبر من التقاطعات لا أتذكره بالضبط، ولكن الذي لن أنساه ما حييت هو دهشتي وصدمتي عندما أرى السيارات وإن كان عددها تقريبا معدوم إلا أنه كل سيارة تمر في الطريق كانت تلتزم بالوقوف في الإشارات الحمراء رغم أن في ذلك الوقت احتمال مرور سيارتين في اتجاهين متقاطعين يكاد يكون صفر. كان هذا الذي أراه صدمة حضارية بكل ما تعني الكلمة، خاصة لشاب أتى من مصر في منتصف التسعينات من القرن العشرين، وكنت أعتقد أن الأمر به لغزا وأنه ربما كان الأمر مجرد صدفة تكررت أمامي بشكل عفوي وهي ليست العادة المنتشرة في كل اليابان.

كان هذا ظني حتى مرت السنوات وعرفت أن الأمر ليس صدفة وأنه الأمر المتبع في كل اليابان طولا وعرضا. وإن عجزت عن معرفة كيفية جعل الناس تلتزم بمثل هذه الدرجة التي لا يكاد يشذ عنها أحد. إلى أن قررت بعد سبع سنوات في اليابان اقتناء سيارة، وكنت لا أحمل رخصة في بلدي مصر ولم أقم بقيادة سيارة من قبل، فكان لزاما أن اتعلم القيادة وأحصل على رخصة قيادة يابانية، فذهبت لتعليم القيادة في مدرسة متخصصة لذلك وداومت الذهاب إليها على مدى حوالي ثلاثة أشهر حتى استطعت الحصول على رخصة قيادة. وخلال هذه الفترة عرفت سبب التزام الجميع بقواعد المرور، فأي شخص ياباني من أجل أن يحصل على رخصة قيادة لا بد له من التعلم في مدرسة تعليم محترفة كالتي تعلمتُ فيها. وفي هذه المدرسة يتم تعليم قواعد المرور والقيادة بشكل علمي بحث عملي ونظري على مدى طويل من الوقت بحيث يصبح الالتزام بالقانون وقواعد المرور شيء بديهي تلقائي في السائق، فأنا حتى الآن لا أستطيع قيادة السيارة بدون ربط حزام الآمان، وحتى داخل مرأب السيارات في منزلي، ارتبط جلوسي على مقعد القيادة بربط الحزام، لو لم أربطه أحس كأن بإحساس غريب وأني غير قادر على السير، ربما كان الأمر له علاقة بتأثير نظرية بافلوف لا أدري ولكني حتى الآن وعلى مدار ما يقرب من 13 سنة قيادة لا أستطيع أن أتخيل نفسي أخترق إشارة وهي حمراء مهما كنت في تعجل، مهما كان المكان الذي يجب أن أذهب إليه سريعا وحتى وأنا أتوجه في منتصف الليل بأحد أبنائي للمستشفى وهو يتلوى من الألم. الإشارة حمراء معناها الوقوف. الجلوس في مقعد القيادة معناه ربط حزام الآمان.

كنت في بداية معيشتي في اليابان أدرس في معهد لتعليم اللغة اليابانية في الصباح وأعمل في محل بقالة من محلات البقالة المنتشرة في طول اليابان وعرضها وهي تسمى باليابانية "كون بيني" اختصارا لكلمة (convenience store) بالإنجليزية. كنت أعمل حتى وقت متأخر من الليل أحيانا حتى الساعة الثانية عشرة وأحيانا أخرى حتى الواحدة من صباح اليوم التالي، وكنت أستخدم دراجة للذهاب والإياب من العمل. وكان رئيسي الياباني في المحل وهو مدير المحل يشدد عليّ أن أحترس وأنا أقود الدراجة خاصة في الليل. في البداية كنت أترجم نصائحه لي بألا أخرق القانون وأن أحافظ على قواعد المرور وألا أكسر الإشارة عندما تكون حمراء. ظل ذلك فِهمي لقوله وقتا طويلا من الزمن. ولكن بعد مرور سنوات بدأت أفهم أن المدير لم يكن يعني ذلك، فلن تجد أحدا يقول ذلك حتى لطفل في السادسة من عمره يذهب للمدرسة الابتدائية لأول مرة. فهذا الطفل قد تشرّب بالفعل من خلال ما رآه منذ ميلاده من جميع المحيطين به، هذا الذي فهمتُ أنا أن مديري يوصي به رجلا قد تخطى الربع قرن من العمر، به محذرا من قيادة دراجة في وقت متأخر من الليل. يتشرّب الأطفال هذا السلوك من خلال القدوة أي الكبار.

إذن ما الذي كان المدير يريد قوله؟

المدير كان يريد نصحي بالانتباه، حتى لو إشارتي أنا خضراء فيجب ألا أعبر مغمض العينين ويجب أن أحترس فلعل سائق السيارة لا يرى دراجتي بسبب الظلام، أو لعله يسوق تحت تأثير الخمر، أو لعله مصاب بضعف نظر ليلي أو لعله ... أو لعله إلى آخر مسببات حوادث الطرق التي تحدث في اليابان، والذي لا بد أن القارئ قد تساءل في نفسه هل إذن لا توجد حوادث مرور بسبب هذا الالتزام الياباني الصارم بالقانون وقواعد المرور؟ ولكن الإجابة هي العكس وهي أن حوادث المرور كثيرة في اليابان وتسببت على سبيل المثال في وفاة ما يزيد على الأربعة آلاف شخص في عام 2014 فقط، وإصابة أضعاف هذا الرقم. والسبب في كثرة حوادث المرور في رأيي هو نفس السبب الذي شرحته فأنا ذكرت أن السائق عندما يرى الإشارة حمراء فهذه الإشارة تتحول لا إراديا في عقله إلى مكبح صارم يمنعه من الضغط على مكبس السرعة وتخطي الإشارة، ولكن العكس أيضا صحيح، أي أن الإشارة الخضراء تتحول في عقله إلى علامة ضغط على السرعة وتخطي التقاطع، ولا يمكن للياباني أن يفهم سببا يجعله يقف أمام إشارة خضراء، فهي لا تعني كما يجب أن تكون يمكنك المرور ولكنها ربما تعني له يجب أن تمر أو احذر من الوقوف أو شيء من هذا القبيل، ولن يفهم أيضا أن هناك من يفكر في السير في الاتجاه العكسي رغم أنه إشارته تمنعه من ذلك، وبالتالي فأي خطأ ولو بسيط، أي سهو، أي إهمال، معناه حادثة تصادم بين السيارتين.

 

 

 

 

الأحد، 17 مايو 2015

المرأة اليابانية

المرأة اليابانية
تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا
ترجمة: ميسرة عفيفي

 (هذه المقالة لها قصة: منذ عدة سنوات كنت في حوار مع صديقي وأستاذي، الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض أستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس، عبر المحيطات من خلال البريد الإلكتروني، وتطرق الحديث إلى المرأة اليابانية والصورة الوردية الحالمة التي يحملها العالم بشكل عام والعرب بشكل خاص عن المرأة اليابانية، فقلت له: إن الواقع يختلف كثيرا عن ذلك. فأشار عليّ وقتها بكتابة مقال عن الموضوع، وتوضيح الصورة الحقيقية للمرأة اليابانية تكون أقرب للواقع مما هي عليه الآن حيث لا زال الكثيرون متأثرون بصورة "أوشين" في المسلسل الدرامي الشهير وما ترمز له من تفاني المرأة اليابانية في مثاليّة لأسرتها. وأضاف الدكتور إبراهيم أنه من الأفضل الاستعانة بالإحصائيات والحقائق التي لا يختلف عليها أحد. فوعدته بذلك، وأنني سأحاول كتابة شيء ما بهذا الخصوص. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. فقد مرت السنوات والسنوات ولم يكن باستطاعتي تحقيق هذا الوعد حتى الآن. وعندما وجدت هذه المقالة التي عنوانها هو بالضبط نفس العنوان الذي فكرت فيه لمقالتي المزعومة، قررت ترجمتها ونشرها برا بالوعد وإن كانت لا تفي بالمطلوب ولكن مؤقتا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. تبقى إشارة وهي أن كل الهوامش هي من إعداد المترجم وتم الاعتماد بشكل أساسي على كتاب "اليابان" لمؤلفه تشارلز ماكفارلين وهو موجود على موقع أرشيف دوت أورغ، وكذلك الاعتماد على مواقع من الإنترنت وخاصة موقع ويكيبيديا باللغة اليابانية. / المترجم)

هذا كتاب مشوّق للغاية. عنوان الكتاب "Japan"[1] (اليابان)، وصدر عام 1852. مؤلفه يدعى تشارلز ماكفارلين[2]، ولم يسبق للمؤلف زيارة اليابان أبدا، ولكنه شخص لديه اهتمام شديد للغاية باليابان. أو على الأقل هو يدعي ذلك. وفي كتاب "Japan" قام المؤلف بتجميع المقالات والأجزاء التي تتعلق باليابان في الكتب باللغات اللاتينية والبرتغالية والإسبانية والإيطالية والفرنسية والهولندية والألمانية والإنجليزية إلخ، وألف منها هذا الكتاب الضخم. وقد جمع تلك الكتب التي صدرت في الفترة ما بين عام 1560 وعام 1850[3]، ويذكر المؤلف أن ذلك الاهتمام الشديد بهذا الموضوع، أي بالشأن الياباني انتابه بفضل الجنرال جيمس دروموند[4] كما يقول. وذكر أن دروموند هذا كان يعمل في شبابه بالتجارة والمشروعات، ورغم أن دروموند إنجليزي الأصل، إلا أنه عاش في اليابان لعدد من السنين متخفيا تحت اسم شخص هولندي. وقد قابل المؤلف ماكفارلين الجنرال دروموند في مدينة برايتون وأطلعه دروموند على مقتنياته من الكتب والمؤلفات النادرة التي تتعلق باليابان. ولم يقتصر دروموند على إعارة تلك الكتب للمؤلف بل زاده بأحاديث عديدة ومتنوعة عن أحوال اليابان. قام المؤلف بجعل تلك الأحاديث أحد مراجعه في الانتهاء من تأليف كتابه "Japan". وأضاف المؤلف أن دروموند هذا متزوج من حفيدة الروائي المشهور سموليت[5]، وكانت زوجته تلك من كبار العاشقين للأدب والكتب.
وبسبب ظروف تأليف هذا الكتاب السالفة الذكر، فهو ليس دقيقا في محتواه كالدقة التي توجد في كتب الرحالة الذين زاروا اليابان وعرفوها بالفعل. وفي الواقع عدم الدقة يصل لدرجة أنه عند وضع الرسومات التوضيحية التي تتخلل الكتاب، كان يضع الرسومات الخاصة بكوريا على أنها من اليابان. ولكن على الرغم من ذلك فهذا الأمر لا يجعلنا نحن المعاصرون الآن، لا نملك نوعا من الاهتمام بهذا الكتاب. وعلى سبيل المثال، لابد من القول إن نشره في هذا الكتاب بشكل جدي أن إمبراطور اليابان يملك أعدادا كبيرة من غليون التبغ وأنه يستخدم واحدة مختلفة منها كل يوم لتدخين التبغ، لهو أمر في غاية الفكاهة والظرف.
يوجد في هذا الكتاب فصل يقوم بالتعريف بالمرأة اليابانية ويقدم دراسة عنها.
وأريد هنا أن أقوم بالتعريف السريع بهذا الفصل.
يقول المؤلف ماكفارلين:
"المكانة التي تشغلها المرأة في المجتمع، هي المقياس الحقيقي لارتفاع أو انخفاض حضارة ذلك المجتمع، ومكانة المرأة اليابانية في المجتمع أعلى بدرجات عدة منها في أية دولة شرقية أخرى. فلا تعاني المرأة اليابانية ما تعانيه المرأة في الدول الشرقية الأخرى من متاعب وحظ سيئ كالحبس في المنزل. ليس فقط تمتع بمعاملة راقية بدرجة كبيرة من المجتمع، ولكن أيضا تستطيع الاشتراك في اللهو والترفيه مع أبيها وزوجها.
بالطبع يضع اليابانيون عفة الزوجة وعذريتها كمقياس للشرف، ولكن يمكن القول بإنه لا توجد على الأغلب امرأة واحدة تصبح زوجة خائنة. وذلك بسبب حقيقة أنها إذا وقعت في الخطيئة لمرة تكون الأخيرة ويكون الموت مصيرها، وحقيقة أن ذلك مطبّق بدرجة عالية من الحزم والصرامة.
في اليابان يتعلم كل أفراد المجتمع من أعلى الطبقات الاجتماعية إلى أدناها. ومن خلال المعلومات المتاحة لنا، فعدد المدارس في اليابان يفوق عدد المدارس في أية دولة أخرى من دول العالم. بل ويستطيع حتى الفقراء والفلاحون القراءة والكتابة على أقل تقدير. وبالتالي فالمرأة متاح لها التعليم مثل الرجل تماما. وبالتالي أيضا ففرصة التعليم مهيأة تماما للمرأة مثل الرجل. وعلى أرض الواقع يوجد عدد كبير من النساء في اليابان من بين أشهر الشعراء والمؤرخين وغيرهم من الكُتّاب والمؤلفين.
بين الأغنياء والنبلاء، الرجل عامة لا يحافظ على العفة بدرجة المرأة. ولكن عندما تكون المرأة، أُمّا أو زوجة فهذا أضمن لها في توفير حياة شريفة وعفيفة على مدى حياتها. ويجب القول إن ذلك الأمر لا يوجد به أدنى شك أو ريب عند استعراض الحكايات المتنوعة التي وصلت إلينا من اليابان أو من الحقائق التي أبلغها لنا عدد كبير من الرحالة الذين زاروا اليابان.
تعتبر المرأة اليابانية العار من أكثر الأمور التي تستوجب الخجل. لدرجة أنه يصعب علينا ذكر كل الأمثلة على انتحار المرأة بسبب احتقارها أو إذلالها، ولكن تكفي الحكاية التالية لكي تبرهن على هذه الحقيقة.
سافر رجل من الوجهاء في رحلة، وأثناء غيابه وقع رجل من طبقة النبلاء في حب محظور لزوجته (أي زوجة ذلك الوجيه الغائب)، ولكن تلك الزوجة لم تقع فريسة لإغواء ذلك النبيل، ليس هذا فقط بل أنها أيضا وجهت له العديد من الإهانات لفعله ذلك. ولكن يبدو أن ذلك النبيل استخدم العنف أو ربما استخدم الحيلة والمكر في التعدي على عفة تلك المرأة. وعندما عاد زوجها استقبلته الزوجة كما هي عادتها دائما بكل حب. ولكن كان في سلوكها ذلك تمنعا لا يمكن خرقه. فاستعجب زوجها من سلوكها، وحاول استنطاقها عدة مرات عما حدث، ولكن كانت إجابتها كالتالي:
"أرجوك لا تسألني عن شيء أكثر من ذلك حتى الغد. وفي الغد أرجو منك دعوة أهلي وكل وجهاء ونبلاء المدينة، وأمامهم جميعا سأحكي كل ما حدث."
في اليوم التالي تجمع الزوار جماعات وافرادا في منزل الزوج. وكان من ضمنهم ذلك النبيل الذي ألحق العار بالزوجة. وتم تقديم الطعام والشراب للزوار في الشرفة المفتوحة التي توجد فوق سطح المنزل. بعد أن انتهت المأدبة، وقفت زوجته، وأعلنت على الملأ ما لاقته من عار. ليس هذا فقط، بل قالت لزوجها في بحماس وعزيمة:
"لم أعد استحق أن أكون زوجتك. أرجوك ... أتوسل إليك أن تقتلني حالا."
حاول جميع الحضور بما فيهم زوجها تهدئتها بالقول إنه ليس عليها أي ذنب وإنها كانت مجرد ضحية لذلك النبيل الآثم. فأظهرت الزوجة شكرها وامتنانها العميق لهم جميعا. ثم بعد ذلك تشبثت بكتف زوجها وبدأت في النواح والبكاء لدرجة ينخلع لها القلب. ولكن بعد أن قبّلت زوجها بغتة، وفي اللحظة التالية دفعت يد زوجها بعيدا وفي لمح البصر كانت قد هرعت إلى حافة الشرفة، وألقت بنفسها من ذلك المكان العالي إلى سطح الأرض.
ولكن رغم أن الزوجة أعلنت على الملأ ما تعرضت لها من مهانة وعار، إلا أنها لم تعلن عن اسم النبيل الذي قام بذلك. ولذلك هبط النبيل الذي ألحق بها الخزي والعار درجات السلم، أثناء الهرج والمرج الذي حدث بين الحاضرين، ثم قام ببقر بطنه كمحارب عظيم بجوار جثة الزوجة المنتحرة. وطريقة بقر البطن هي الطريقة القومية للانتحار في اليابان، يقوم فيها المنتحر بقطع بطنه طولا عرضا على شكل علامة زائد."
طبقا لماكفارلين مؤلف كتاب "Japan" فهذه القصة مذكورة في كتاب ذكريات راندال[6]. وأنا شخصيا (أكوتاغاوا) لا أدري هل توجد قصة شبيهة بهذه الحكاية في اليابان أم لا. ولكن عند البحث والتفكير قليلا، لا أجد أي أثر في روايات أو مسرحيات عصر توكوغاوا لشيء يشبه هذه القصة. ولكن ربما تكون حدثت في أحد أقاليم اليابان الريفية مثل كيوشو أو غيرها. ولكن إقامة مأدبة طعام في شرفة فوق سطح المنزل، وتقبيل زوجة ساموراي لزوجها على الملأ، هي أمور مضحكة ذات طابع غربي لا تمت لليابان بصلة. ولكن من السهل أن نضحك ونمرر الأمر على أنه حكاية فكاهية مسلية. ولكن لو فكرنا أن ما وصلنا في اليابان عن العالم الغربي منذ القدم به كذلك نفس الكمية من الأخطاء والأغلاط، يجعلنا ذلك نشعر بالأسى والحزن، والحقيقة أننا لا نستطيع السخرية من الغربيين فقط. لا ليس الغرب فقط، بل وحتى الصين جارتنا، مثل هذه الأخطاء موجودة بكثرة لا حد لها. أقرب مثال هو عندما نقرأ رواية "كوكوسنيا" للمؤلف مونزائمون تشيكاماتسو، أوصاف الشخصيات والأماكن نجد أنها شديدة الغرابة ولن تفرق هل هو يكتب عن الصين أم اليابان.
يعطي ماكفارلين مثالا آخر ليوضح إلى أي درجة المرأة اليابانية عظيمة.
"كان يوجد أحد أكابر قادة الساموراي اسمه تشويا، وكان يدبر مع صديق له اسمه جوشيتسو مؤامرة ضد الإمبراطور. كانت زوجة تشويا هذا امرأة في غاية الجمال والذكاء معا. وبعد أن تم التخطيط للمؤامرة سرا على مدى خمسين عاما، افتضحت على الملأ بسبب أخطاء وقع فيها تشويا. وعندها أصدرت الحكومة أمرا بالقبض على تشويا وجوشيتسو معا وطبقا لظروف ذلك الوقت كانت توجد ضرورة قصوى لدى الحكومة توجب القبض على تشويا على الأقل حيّا بأي شكل. ولذلك كان يجب أن يتم خداعه وأخذه على حين غرة. عندئذ جاء الجنود المكلفون بالقبض على تشويا إلى منزله وصاحوا بصوت عالي أمام البوابة "حريق، حريق". فهرع تشويا خارجا من البوابة ليرى أين الحريق. وهنا هجم عليه الجنود، ولكن تشويا قاتلهم بشجاعة وذبح منهم اثنين، ولكن في النهاية بسبب كثرة الجنود وقلة أعوانه تم إلقاء القبض عليه. وفي تلك الأثناء كانت زوجته التي سمعت أصوات القتال، وأدركت أن زوجها مصيره القبض عليه، تقوم بالتخلص من كل أوراق زوجها الهامة برميها في النار. وكانت تلك الأوراق بها أسماء النبلاء والساموراي المتورطين في المؤامرة. تصرف زوجة تشويا العاقل هذا لا يزال موضع دهشة وإعجاب اليابانيين جميعا حتى اليوم. لدرجة أنه عند مدح شخص لحسن تقديره الموقف وحسن اتخاذ القرار، تستخدم كلمة: مثل زوجة تشويا."
بالطبع تشويا هذا هو تشويا ماروباشي، وجوشيتسو هو شوسيتسو يوي. وأيضا لو اتبعنا ما يقوله ماكفارلين، فهذه القصة أيضا هي كما المتوقع مذكورة في كتاب راندال "ذكريات إمبراطورية اليابان" سابق الذكر. صورة المرأة اليابانية التي يبلغها ماكفارلين مؤلف كتاب "Japan" هي في الأغلب الأعم امرأة من "المدينة الفاضلة" أو يوتوبيا وحتى في عقد ستينات القرن التاسع عشر، من المؤكد أننا لا نستطيع الوثوق أن المرأة اليابانية كانت بهذه العظمة التي تحافظ بها على عذريتها أو الزوجة كانت تحافظ على عفتها بهذه المثالية. لو سخرنا من سذاجة ماكفارلين وضحكنا فالأمر ينتهي عند هذا الحد، ولكن الحقيقة أنه عندما يتم نقل عادات وتقاليد الدول الأجنبية من السهل وقوع تلك المآسي الكوميدية. من فترة بسيطة، قامت كاتبة ما في إحدى الصحف بالحديث عن حياة المرأة في أمريكا، ومثلتها وكأنها حياة ملائكة تمشي على الأرض، ولكن ربما لو قرأ أحد الأمريكان تلك المقالة، بعد نصف قرن من الآن، من المؤكد أنه سيضحك ساخرا منها، مثلما نفعل الآن مع كتاب "اليابان" ومؤلفه ماكفارلين.

2

عند مقارنة كتاب السير راذرفورد ألكوك[7] "ثلاث سنوات في اليابان" بكتاب ماكفارلين، سنجد أن كتابه استطاع إيصال حقيقة اليابان نوعا ما.
الكتاب عبارة عن جزئين وصدر عن دار هارفارد للنشر في نيويورك عام 1863. ويوجد به العديد من الرسوم التوضيحية وبه كذلك إعادة نشر للعديد من لوحات كيساي[8].
أولا مؤلف الكتاب السير راذرفورد ألكوك، لم يقم بتخيّل اليابان وهو جالس على مكتبه مثل ماكفارلين. ولكنه وكما يوضح عنوان الكتاب عاش ثلاث سنوات في اليابان.
وثانيا لم يكن السير ألكوك غير متعلم مثل ماكفارلين، بل كان له نصيب كبير جدا من التعليم وكان بصفة خاصة على علم واسع بفلسفة جون ستيوارت ميل التي كانت منتشرة جدا في أيامه. من أجل ذلك، كان يقوم بإبداء رأيه الشخصي حتى في الأحداث والوقائع التي رأها أو سمعها في اليابان. ومن ضمن تلك الآراء ما يثير ضحكنا وسخريتنا اليوم، ولكن لا تخلو أيضا من آراء يجب علينا الاستماع لها بجدية. وهذا أمر لا نجد له أي أثر في كتاب ماكفارلين.
كان السير ألكوك هو قنصل إنجلترا العام المقيم باليابان في نهاية عصر أسرة توكوغاوا. وفي أثناء إقامته في اليابان، تم اغتيال إيي[9] كبير موظفي الحكومة العسكرية أمام بوابة ساكورادا خارج قلعة إيدو. وقتل عدد من الأجانب الغربيين.
إذا ذكرنا ذلك بهذه الطريقة فسيبدو الأمر لا يخصه، ولكن في منطقة شيناغاوا التي كان يسكن فيها السير ألكوك، حدثت عدة حوادث اعتداء على أجانب وقُتل وجُرح عدد منهم في معبد شوزنجي البوذي. علاوة على ذلك فقد قام السير ألكوك بالعديد من الرحلات مثل تسلق جبل فوجي، ودخل العيون الساخنة في منطقة أتامي... إلخ، وبهذا الشكل فقد عاش في اليابان فترة انتهاء حكومة العسكريين الساموراي ذات الأحداث الوقائع الكثيرة داخليا وخارجيا، بل إنه لم يلتزم بالبقاء في مدينة إيدو فقط، بل دار ولف العديد من الأنحاء والمدن في اليابان، ولذلك ليس من سبيل الصدفة أن ينتابنا اهتمام كبير بتسجيل السير ألكوك هذا لرحلته في اليابان.
لا يحتوي كتاب رحلة اليابان للسير ألكوك على تنوع وإمتاع فني وأدبي مثل كتابات لوتي[10] أو كبلينغ[11]. فهو مثلا عندما يصف صورة لأساكوسا، فالحقيقة أنه لا يشبه أبدا ما كتبه لوتي في وصف أساكوسا الموجود في كتابه "الخريف في اليابان"، حيث تكاد أوراق شجر الجنكو الصفراء وحوائط المعبد الحمراء تظهر أمام عين القارئ. ولكن وكما ذكرت من قبل، فآرائه وتحليله للحوادث التي شاهدها أو سمعها هي في الواقع في منتهى المتعة والتشويق.
مثلا: شهد السير ألكوك في منزل بأحد الأرياف امرأة يابانية عجوز تضع لطفل إبر صينية بها بخور، فيقول بتألم: "نهوى نحن البشر، قديما وحديثا، شرقا وغربا، إيلام أجسادنا بأنفسنا من أجل الحصول على سعادة خيالية." وأيضا أثناء عبوره لأحد الجبال، سمع فجأة صياح طائر الوقواق، نجده يقول ساخرا: "إن صوت طائر الوقواق يشبه صوت الكروان، طبقا للأساطير اليابانية فإن اليابانيين هم الذين علّموا الوقواق الموسيقى والغناء، ولكن لو كانت تلك الأسطورة حقيقة لكانت أمر يثير الدهشة والعجب. وذلك لأن اليابانيين أنفسهم لا يفقهون شيئا في الموسيقى والغناء!".
وهذه آراء لا يمكن قراءتها دون ضحك وابتسام. ولكن أثناء كتابته أحداث الفوضى التي حدثت خارج بوابة "ساكورادا"[12]، أخذ السير ألكوك ينظّر عن عبادة اليابانيين للثأر، وعن الآثار التي تركتها مسرحية "تشوشينغورا" في عقلية الجماهير، وكان هذا الجزء في غاية المتعة والإثارة، ولكن عندما أنحرفُ عن الحديث الأساسي سيصعب عليّ العودة إلى الموضوع فلذا أود أن أترك التعريف بأمثلة على ذلك إلى فرصة أخرى.
 لكن قبل ذلك ومن أجل التعريف بالمضمون الرئيس لكتاب "ثلاثة أعوام في اليابان"، إذا عرضنا بشكل سريع انطباع السير ألكوك عند دخول السفينة التي استقلها إلى ميناء ناغاساكي للمرة الأولى، فهي كالتالي:
"كان دخول السفينة إلى ميناء ناغاساكي وسط هطول الأمطار في الرابع من يونية (عام 1859). هذا الميناء تم بالفعل وصفه مرات عديدة من خلال أقلام الرحالة الذين زاروا اليابان في الماضي. ولكن، حتى ولو كان النظر وسط سماء ملبدة بالغيوم، فلم يكن المشهد يخلو من الجمال مطلقا. مع دخولنا الميناء تدريجيا تظهر الجزر جميلة أيضا مثل اللوحات المرسومة."
"عند دخول السفينة مباشرة إلى الميناء تظهر لنا مدينة ناغاساكي مترامية الأطراف على الجانب الآخر من الميناء. تقع مدينة ناغاساكي تحت سفح سلسلة جبال صغيرة. وتمتد المدينة عاليا لمسافة كبيرة داخل تلك الجبال كثيفة الأشجار. على يسار الداخل تُرى جزيرة "ديجيما"، وهي عبارة عن أرض منخفضة تأخذ شكل مروحة يدوية. ويد المروحة تتجه ناحية اليابسة، أما الجزيرة نفسها فتتجه بارزة داخل البحر. تمتد طريق وحيدة طويلة وواسعة في ديجيما، ويصطف على جانبيها بيوت من طابقين على الطراز الأوروبي. وعلى ما تبدو فهي مدينة شديدة الصغر. (جزء محذوف بواسطة أكوتاغاوا) الانطباع الأول للميناء نفسه، أنه يشبه بدرجة كبيرة جدا موانئ خليج النرويج، وبصفة خاصة منطقة دخول ميناء كريستيانا[13] عاصمة النرويج. رغم أن المضيق هناك أجمل بكثير من خليج ناغاساكي. تقع الجبال الصغيرة عند ميناء ناغاساكي هذا أيضا على حافة البحر مباشرة عالية في شموخ، وتنبت في تلك الجبال أشجار الصنوبر في كثافة شديدة، ولكن عند النزول من الميناء نجد أن أنواع النباتات الاستوائية أكثر بكثير من النرويج. مثل الرمان والكاكا والنخيل والخيزران إلخ. ولكن أيضا تنبت نباتات مثل الغاردينيا والكاميليا. ويوجد نبات السرخس المنتشر في كل مكان. وكذلك نباتات اللبلاب تتضافر على الجدران. ويوجد الكثير من أشجار الحسك على حواف الطريق."
الباقي على هذا المنوال. حسنا، عند النظر إلى آرائه عن المرأة اليابانية يقول السير ألكوك:
"الوضع الاجتماعي للمرأة في اليابان، وعلاقاتها مع الرجل، يتم امتداحها دائما منذ القدم. ولكن على أرض الواقع هل هي تستحق هذا المديح أم لا، الواقع أن ذلك أمر مشكوك فيه. وأنا (سير ألكوك)، ليس لدي أي نية إطلاقا الدخول في قضية هل الياباني كمواطن منحط أخلاقيا أكثر من باقي موطني الدول الأخرى أم لا. ولكن القانون في اليابان لا يعاقب الأب الذي يبيع ابنته أو يوظفها لكي تعمل في الدعارة. ليس هذا فقط، بل أنه يتم منحه ترخيصا بذلك. بل وعلاوة على ذلك، حتى جيرانهم لا ينتقدوهم على ذلك مطلقا. وأنا لا أؤمن بتاتا أن دولة مثل هذه يوجد بها شعور أخلاقي طبيعي أو صحي.
بالطبع أفهم أن اليابان لا يوجد بها نظام عبودية ورق. لا يوجد عبيد أو أقنان يتم بيعهم وشراءهم مثل المواشي والبهائم. (في الأصل عدم وجودهم بتاتا هو نصف الحقيقة، والسبب أن الفتاة اليابانية وكما يسمح بذلك القانون، يمكن بيعها وشرائها في نطاق عدد محدد من السنوات. وإذا نظرنا لذلك فعلى الأرجح أيضا أنه يتم بيع وشراء الفتيان والرجال كذلك.) ولكن ما دام يوجد نظام الاحتفاظ بالمحظيات، فمن الواضح لكل ذي عينين أن الحفاظ على قدسية النظام الأسري، هو أمر مستحيل.
وحتى هذه اللحظة لا يمكن لنا اكتشاف الأمر الذي يخفف من مخاطر وأضرار تلك الجرائم الشنيعة للشعب الياباني عامة. ولكن يمكن اعتبار أن جزءا من مادة التخفيف، وهو كما المتوقع نفس الحال في الصين أيضا، يبدو أنه في وجود سلطة قوية للغاية للأم تجاه أبنائها.
المرأة اليابانية يتم التعامل معها مثل السلعة، فتباع لرجل يتزوجها، دون النظر مطلقا إلى إرادتها، ولا إلى حقوقها كامرأة. وكذلك يعاملها الزوج أثناء حياته مثل البهائم أو العبيد.
ولكن سلطة المرأة مطلقة تجاه أبنائها كأم، ما داموا لا زالوا أطفالا. وربما يتم تخفيف تلك الأضرار والمخاطر من خلال احتلال الأم في اليابان منزلة أعلى من الأب. وعلى الأرجح أن إمكانية المرأة اعتلاء العرش الإمبراطوري نفسه هو أحد الأمثلة على ذلك.
فقد وصلت المرأة لعرش الإمبراطورية اليابانية فعلا مرات عديدة في الماضي القريب والبعيد. وعلى الرغم من أن وضع المرأة اليابانية هي أنها تُباع وتُشترى مثل البهائم والعبيد بشكل مؤكد، إلا أن الأمر على ما يبدو لا يخلو من نقاط تعينها على التحمل بعكس المتوقع. ولكن فيما يتعلق بهذه النقطة، لا يمكننا إصدار حكم واضح ومؤكد إذا لم يتم بحث الأمر من نواحي عدة. ويبدو كذلك أن علاقة المحبة والود بين الوالدين والأبناء قوية للغاية. على أي حال عاطفة حب الأبناء لدى اليابانيين عظيمة جدا بلا أي شك."
لقد أصاب السير ألكوك كبد الحقيقة عند حديثه عن المرأة اليابانية أكثر بكثير من ماكفارلين. ويبدو أن وضع المرأة في اليابان لم يتقدم ولا خطوة واحدة للأمام منذ عصر إقامة السير ألكوك في اليابان أي منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن.
إنه لأمر مشكوك فيه جدا أن يكون امتداح الغربيين قبل السير ألكوك للمرأة اليابانية جاء بسبب دراستهم ومعرفتهم لوضع المرأة الاجتماعي في اليابان بشكل موضوعي ومحايد. ولكن على العكس من ذلك المؤكد أن حكمهم هذا نتيجة لتعاملهم مع المرأة اليابانية كـ "راشامِن"[14]، فكنّ صادقات ومخلصات، وربما سبب ذلك عندهم نوعا من أنواع الشكر والعرفان الكبيرين.
في أول سنين حكم أسرة توكوغاوا، عندما تم ترحيل الإنجليز من ناغاساكي، كانوا يظهرون حبا عظيما لزوجاتهم اليابانيات ويرفضون بشكل كبير الرحيل عنهن. وإذا كان الأمر كذلك فلو كان السير ألكوك له راشامن واحدة، ربما لم يكن بالضرورة وصل احتقاره للمرأة اليابانية عند هذا الحد الذي رأيناه. ولكن ربما بسبب ذلك استطاع الوصول إلى فهم قريب جدا من الحقيقة تجاه المرأة اليابانية، وعلى الأقل يجب القول إن في ذلك "سعادة كبرى" لمحبي القراءة من الأجيال التي تلت السير ألكوك.
عندما ذهبتُ (أكوتاغاوا) لزيارة ترفيهية في الصين منذ عدة أعوام، وفي مركب يبحر في أعالي نهر اليانغتسي، كان معي أحد النرويجيين. كان ذلك النرويجي في قمة الغضب من انخفاض الوضع الاجتماعي للمرأة في الصين.
فعلى حد قوله، في وقت المجاعة الكبرى التي حدثت في منطقة هينان كان الصينيون يجيئون إليهم لبيع زوجاتهم قبل أن يفكروا في بيع أبقارهم. ولكن رغم ذلك فهذا الرجل النرويجي، قد جعل المرأة الصينية وكذلك اليابانية في أعلى عليين من المديح كزوجة. لدرجة أنه في الواقع حدث بينه وبين سيدة أمريكية كانت معنا على نفس المركب معارك كلامية عنيفة بسبب ذلك. نستخلص من ذلك أن الرجل أي رجل في داخله، وعلى الرغم من كل الحجج والأسباب التي يسوقها، عندما يتعامل مع المرأة كزوجة، لو استعارنا كلام السير ألكوك: يبدو أنه لا يستطيع منع شعور المديح تجاه المرأة التي يكون وضعها مماثل لوضع البهائم والعبيد. والخلاصة أن الحركة النسائية لا يمكن لها النجاح بغير الاعتماد على النساء أنفسهن.
شهر مايو من العام الرابع عشر من عصر تايشو (1932).



[1] اسم الكتاب بالكامل هو "JAPAN An Account Geographical and Historical from the Earliest Period at Which The Islands Composing This Empire were Known to Europeans, Down to The Present Time and The Expedition Fitted Out in the United States, etc." ويقال إن كتاب "اليابان" هذا كان أحد الوثائق التي اعتمد عليها الأسطول الأمريكي بقيادة ماثيو بيري عند اقتحامهم اليابان في عام 1853 لإجبارها على كسر عزلة الدولة عن العالم وفتح موانيها وأسواقها للدول الغربية وتوقيع عدة اتفاقيات ثنائية كانت الشرارة الأولى التي انطلقت منها ثورة ميجي وبدأت اليابان الدخول بقوة للعصر الحديث.
[2] Charles Macfarlane (1799 ~ 1858) كاتب أسكتلندي له عدة كتب عن الرحلات وتاريخ الدول عاش فترة طويلة من حياته في إيطاليا وتركيا.
[3] يذكر المؤلف في الكتاب الأصلي أن الكتب هي بين عامي 1560 و1838 وهذا الأوقع لأن الكتاب نفسه يفترض أنه كُتب قبل عام 1850.
[4] اسمه في الكتاب الأصلي James Drummond ووظيفته هي commissary general.
[5] Tobias George Smollett (1721 ~ 1771) شاعر ومؤلف أسكتلندي شهير، برع في أدب "الصعلكة" وتأثر به العديد من مشاهير الروائيين مثل تشارلز ديكينز وجورج أورويل.
[6] اسم الكتاب Memorials of the Empire of Japon لمؤلفه توماس راندال Thomas Rundall.
[7] هو السير راذرفورد ألكوك Sir Rutherford Alcock (1809 ~ 1897) طبيب ودبلوماسي بريطاني شغل منصب أول قنصل عام لبريطانيا في اليابان من عام 1859 وحتى عام 1865. ألف ثلاثة كتب عن اليابان.
[8] هو الرسام كيساي كواغاتا (1764 ~ 1824) يعرف أيضا باسم ماسايوشي كيتاو من أشهر رسامي عصر إيدو في اليابان.
[9] هو ناوسكيه إيي (1814 ~ 1865) كان يشغل منصب كبير موظفي قلعة إيدو وهو منصب رفيع في عصر حكومة إيدو ويتم مقارنته برئيس الوزراء حاليا حيث كان هو الذي يضع سياسة الدولة في ذلك العصر وهو الذي وقع اتفاقية التعاون والتبادل التجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية التي كان سببا في ثورة وغضب عدد كبير من الساموراي وتتابعت الأحداث إلى أن تم اغتياله عام 1860 وهو في الرابع الأربعين من العمر ضمن أحداث الفوضى التي قادت إلى قيام ثورة ميجي في عام 1867 وانهيار حكم الساموراي وتسليم مقاليد الحكم للإمبراطور الشاب ميجي.
[10] بيير لوتي (1850 ~ 1923) كاتب فرنسي اسمه الأصلي لويس ماري جوليان فياو كان يعمل ضابط في الأسطول الفرنسي وزار اليابان عدة مرات وكتب عنها كثيرة في رواياته ويومياته.
[11] جوزيف روديارد كبلينغ (1865 ~ 1936) روائي وشاعر إنجليزي ولد وتربى في الهند حصل على جائزة نوبل عام 1907 ليكون أصغر من حصل عليها في التاريخ، زار اليابان أكثر من مرة وترك عدد من الدراسات عن اليابان.
[12] انظر هامش رقم 9.
[13] كانت عاصمة النرويج هي مدينة كريستيانا التي أسسها الملك كريستيان الرابع عام 1624م وسميت باسمه حتى عام 1925 عندما استقلت النرويج عن الاتحاد السويدي فتغير اسم العاصمة إلى الاسم الحالي أوسلو.
[14] كلمة تحقير تشير إلى المرأة اللعوب التي تعمل في تلبية رغبات الأجانب الجنسية.

الاثنين، 6 أبريل 2015

اليابان والسعي إلى دور عسكري


اليابان والسعي إلى دور عسكري 

تأليف: ميسرة عفيفي

 (هذه المقالة كتبتها منذ فترة طويلة وأرسلتها إلى عدة جرائد ومواقع إلكترونية لكنها لم تنُشر في أي مكان وعندما أعدت قرأتها وجدت أن الفكرة التي كانت متبلورة في ذهني لم تتضح بما فيه الكافية عندما تحولت إلى كلمات ولكن مع هذا أنشرها هنا كما هي لعل يكون بها ما يُفيد الناس)

لماذا تتجه اليابان نحو السعي إلى دور عسكري؟ ولماذا يتم - في هذا التوقيت - تغيير تفسير المادة التاسعة من الدستور، لتتيح لليابان المشاركة في عمليات عسكرية بحجة وجود أخطار عليها من دول أخرى؟ وهل فعلا هناك أخطار عسكرية تهدد اليابان بعد مرور ما يقرب من 70 عاما على تخليها عن استخدام القوة المسلحة وتخليها عن حقها في إنتاج السلاح وبيعه للغير؟ هل بعد نجاحها في العيش في سلام على مدى 70 عاما بدون التورط في أية صراعات عسكرية وحفاظها على مواطنيها من التحارب مع الغير، وعدم إطلاقها ولو رصاصة واحدة في مواجهة عسكرية، هل بعد ذلك تخاف اليابان من غزو عسكري خارجي، يلزمها بتعديل دستورها السلمي الذي ينص صراحة في مادته التاسعة بعدم امتلاك أية قوات عسكرية وبالسعي لحل أي صراع مع دولة أخرى من خلال الوسائل السلمية والتفاوض؟

هل نزاعات اليابان مع كل جيرانها المحيطين بها حول ترسيم الحدود وحق امتلاك جزر، هو سبب تغير اليابان واتجاهها نحو التخلي عن دستور نبذ العنف ووضع تفسير له يسمح لها بالمشاركة في عمليات عسكرية جماعية مع حلفاءها إذا تعرض حليف لها لعدوان عسكري؟

أرى أنه يوجد تفسير آخر ربما غاب عن البعض وربما كان غريبا للكثيرين، ولكن يستحسن إلقاء نظرة سريعة على تاريخ اليابان مع السياسة الدولية منذ بداية العصر الحديث.

تكاد اليابان تكون الدولة الأسيوية الوحيدة التي نجت من محاولات احتلالها أو استعمارها من القوى الأوروبية رغم أنها كانت من الدول التي وضعت أوروبا عليها عيونها وجاءتها حملات تبشيرية مسيحية بداية من عام 1548 كمقدمة للحملات العسكرية، كما كانت العادة وقتها، حيث جاء الراهب اليسوعي فرانشيسكو دي خافيير إلى اليابان ومكث فيها حوالي عامين استعدادا لخلق جالية مسيحية ثم التدخل بحجة حمايتها والسيطرة على البلاد والعباد وكادت تلك المحاولات أن تنجح لولا فطنة حكام اليابان في ذلك الوقت وهم طبقة الساموراي الذين تنبهوا للغرض الحقيقي من ذلك، فقام الحاكم تويوتومي هيديوشي بالتصدي لحملات التبشير للمسيحية في عام 1587 وبدأت اليابان في اضطهاد وقتل المسيحيين إلى أن تم في عام 1612 إصدار قرار من حكومة توكوغاوا بمنع المسيحية والقضاء التام عليها. وقضت بذلك اليابان على "الفتنة" واتجهت إلى سياسة غلق منابع الفتنة فقامت حكومة اليابان أو قيادة الساموراي بإصدار مرسوم في عام 1639 بالانغلاق التام والانعزال عن العالم بمنع دخول أو خروج أحد من وإلى اليابان إلا في حدود الضرورة القصوى وهي التبادل التجاري فقط لشراء المواد التي لا يمكن الحصول عليها أو الاكتفاء منها إلا من الخارج ويكون ذلك تحت الرقابة الشديدة من حكومة توكوغاوا العسكرية وقامت بتخصيص ميناء ديجيما في ناغاساكي فقط وحددت هولاندا فقط للقيام بمهمة إمداد اليابان باحتياجاتها من البضائع الخارجية وبيع البضائع اليابانية. ظلت سياسة الانغلاق هذه ما يزيد على القرنين حتى منتصف القرن التاسع عشر وبالتحديد حتى عام 1853.


في منتصف القرن التاسع عشر كانت قوة استعمارية جديدة وهي الولايات المتحدة الأمريكية قد ظهرت على الساحة العالمية باستحياء وكانت تحاول البحث لها عن نصيب في كعكة المستعمرات. ولكنها لم تجد إلا أقل القليل من الدول التي يمكنها الاستيلاء عليها واحتلالها. فاحتلت الفلبين ومجموعة جزر في المحيط الهادي. وكانت السفن التجارية في حماية الأسطول الأمريكي تقطع المحيط الهادي ذهابا وإيابا من وإلى مستعمراتها. وكانت تجد مشكلة في نفاد الوقود والماء والغذاء، فحاولت أن تتفاوض مع حكومة اليابان على فتح موانئ اليابان لسفنها من أجل التزود بما ينقصها في رحلاتها ذهابا وإيابا إلا أنها قوبلت بالرفض القاطع، فلجأت إلى استخدام القوة. في عام 1853 توجهت سفن الأسطول الأمريكي بقيادة ماثيو بيري وصوبت مدافعها على مقر حكومة إدْو معلنة عزمها على إنهاء العزلة الاختيارية لليابان وإجبارها على توقيع اتفاقية تجارية بين البلدين تسمح بدخول السفن الأمريكية لموانئ اليابان. ولأن الاتفاقية وقعت تحت تهديد السلاح وتحت إجبار فارق القوة العسكرية الهائل بين البلدين فقد كانت شروطها في غاية الإجحاف لليابان، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن أصبحت تلك الاتفاقية مثلا يحتذى به فسارعت أغلب القوى الأوروبية باستغلال الفرصة وأرغمت حكومة اليابان التي بدا ضعفها واضحا للعيان على توقيع اتفاقيات مماثلة. وكان هذا الوضع المذل سببا في غضب مجموعات من شباب الساموراي الذين تربوا على العزة والكبرياء وعدم تحمل الذل وتفضيل الموت عن الحياة في مهانة. فقاموا بالثورة على حكومة توكوغاوا المترهلة التي تسبب طول حكمها وانغلاقها عن العالم في تدهور وضع اليابان وعدم مواكبتها للعصر، فأنهى هؤلاء الشباب فترة الحكم العسكري وقاموا بثورة إصلاحية وإعادة مقاليد الحكم إلى الإمبراطور الشاب الذي تولى العرش في عام 1868 باسم ميجي وهو في السادسة عشرة من العمر، واتخذوا قرارا بضرورة نقل العلم الحديث والتقنيات المتطورة من الغرب حتى لا تظل اليابان ضعيفة يتخطفها اللئام على موائدهم وحتى تستطيع تعديل نصوص الاتفاقيات المجحفة التي وقعتها اليابان تحت تهديد السلاح وتحت ميزان القوة الشاسع بينها وبين الدول الأوروبية. فقاموا بإرسال البعثات إلى الغرب لدراسة أسباب تقدم الغرب، ووضعوا سياسة واقعية محتواها بناء دولية عصرية حديثة وشعارها "جيش قوي ودولة غنية"، وللأسف وجدوا أنه لا سبيل إلى تعديل الاتفاقيات المجحفة إلا بالدخول في زمرة الدول القوية، وكان معنى ذلك في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين هو التحول لدولة استعمارية بدأت اليابان التوسع في الدول المحيطة بها لتطرد القوى الاستعمارية التي أفل نجمها وتستولي على أراضٍ شاسعة من سواحل أستراليا جنوبا وحتى حدود ألاسكا وسيبيريا شمالا ومن حدود الهند غربا حتى خط التاريخ الدولي شرقا مقتسمة الصين بينها وبين بريطانيا. وبالطبع أدى ذلك إلى دخولها حروب عديدة بداية من حربها مع الصين عام 1894 ثم حربها مع الإمبراطورية الروسية عام 1904 مرورا بالحرب العالمية الأولى وانتهاءً بالحرب العالمية الثانية التي قضت على أحلام اليابان الاستعمارية تماما وصفّت كل مستعمراتها خارج اليابان بل وتم احتلالها احتلالا مباشرا لمدة سبعة سنوات (واحتلال جزر أوكيناوا لمدة ربع قرن) على يد قوات الحلفاء بقيادة الجيش الأمريكي، وتحطيم البنية التحتية والصناعية وتدمير كل مقومات الدولة وأخيرا محو مدينتين محوا تاما باستخدام قنبلتين ذريتين لأول وآخر مرة في التاريخ الإنساني حتى الآن. وخلال سنوات الاحتلال السبع تم وضع سياسات واستراتيجيات اليابان التي استمرت عليها حتى الآن ومن ضمنها الدستور السلمي الذي تنص المادة التاسعة منه على عدم امتلاك جيش وعلى التخلي عن مبدأ الحرب. ونأت اليابان بعيدا عن مسرح السياسة الدولية تماما، ورضت بموقف التابع للعم سام الذي يوفر لها الحماية تحت مظلته النووية، لتجتهد هي في بناء الدولة التي تحطمت. وتركز جهودها تلك في الناحية الاقتصادية ولتحقق اليابان نجاحا بمثابة معجزة أوصلتها لتكون ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة. وهو ما لم تستطع تحقيقه أية دولة في التاريخ البشري حتى الآن، أي تحقيق تقدم علمي وصناعي ورفاهية اقتصادية هي الثانية عالميا دون وجود قوة عسكرية. أي نعم كانت مظلة الحماية الأمريكية موجودة ولكنها بالطبع لا تقوم مقام جيش سيادي للدولة بل على العكس تحجم تلك الحماية من حرية عمل الدولة اليابانية وجعلها لا تستطيع الاقتراب من المصالح الأمريكية، حتى لو كانت المصالح الأمريكية تضرها فعليا. وأيضا وجود قوات أمريكية في أراض اليابان هي فقط تحقق عامل الردع لأية قوة تحاول احتلال اليابان، ولكن كما نرى في عالم اليوم القوة العسكرية ليست الغرض منها حماية حدود الدول فقط، يمكن القول إن القوة العسكرية أحد أهم مصادر الدخل للقوى الكبرى. فجزء كبير من دخل الدول الاقتصادية الكبرى يعتمد على إنتاج السلاح وبيعه، وحتى لو لم يتم بيعه فمجرد استخدام نسبة كبيرة من إجمالي الدخل القومي في الإنفاق العسكري لتلك الدول يجعل هناك حلول لأية أزمة اقتصادية. واليابان بعيدة تماما عن هذا المجال فميزانيتها العسكرية لا تزيد عن 1% من إجمالي الناتج القومي لها. وكذلك عدم وجود جيش رادع قوي يفقد الدولة أي قوة ناعمة لها سواء في محيطها الإقليمي أو على مستوى السياسة الدولية، وأعتقد أن هذا أحد أسباب محاولة حكومة اليابان تغيير تفسيرات الدستور وجعله يسمح بالاشتراك في أعمال عسكرية لو تعرض أحد حلفائها لعدوان. والسبب هو وصول اليابان إلى يقين أن تنمية الاقتصاد بشكل سلمي وصلت إلى أقصى حد لها، وبدأت تلك التنمية تتراجع منذ منتصف تسعينات القرن العشرين، وبدأت اليابان تعتقد بقوة أن عدم وجود قوة عسكرية تحمي مصالحها الاقتصادية وتعطي لها ثقل كبير على مستوى السياسة الدولية هو سبب تراجعها اقتصاديا أمام الصين واحتمال استمرار التراجع أمام دول أخرى مستقبلا. فالحكومة ترى أن عدم وجود قوة عسكرية تساند وتدعم القوة الاقتصادية يجعل القوة الاقتصادية تضعف تدريجيا. وعلى أرض الواقع المعاصر اليابان تعاني كسادا اقتصاديا بشكل مزمن منذ النصف الأول من تسعينات القرن العشرين ولم تستطيع أن تتخلص منه، في حين أن دولا أقل منها في الإمكانيات تنجح في تحسين الوضع الاقتصادي لو حدث له أزمة بسبب قوتها العسكرية. بل أن هناك دولا ليس لديها إلا قوتها العسكرية فقط هي التي تعتمد عليها اقتصاديا (من خلال تصنيع السلاح وبيعه). اليابان ترى أنها بإمكانيتها العلمية والتكنولوجية والصناعية لا تأخذ نصيبها المستحق من كعكة الاقتصاد العالمي بسبب ضعفها العسكري وبسبب تحجيم الدستور الحالي لإمكانية تطوير الأسلحة والمشاركة في السوق العالمية للسلاح. ولذا بعد تعديل تفسير الدستور وتخفيف القيود الصارمة التي كانت اليابان تلزم بها نفسها إزاء تصنيع وتصدير السلاح، تداولت وسائل الإعلام قيام اليابان بالتعاقد مع تركيا لتوريد شحنة أسلحة لها (يبدو أن هناك مشاكل تحول دون إتمام الصفقة).

في الحرب العالمية الأولى كانت اليابان حليفة بريطانيا وانتصرت معها في الحرب لتصبح قوى عظمى وعضو دائم في عصبة الأمم، ولكن الحكومة العسكرية التي واصلت نهجها في تقليد الغرب وتوسيع رقعة مستعمراتها اصطدمت بأمريكا وبريطانيا واضطرت للتحالف مع هتلر، ليكون مصيرها هو الدمار الكامل وفقدان كل ما بنته في عقود.

ويبدو أن حكومة اليابانية الحالية تحت قيادة شينزو آبيه أكثر أعضاء الحزب الليبرالي الديمقراطي ميلا إلى اليمين، تسير على نهج حكومات اليابان العسكرية في بداية القرن العشرين، حيث التحول إلى القوة العسكرية والاعتماد عليها لدعم الاقتصاد والتخلص من الأزمة الاقتصادية التي تحاصر اليابان. ونأمل ألا يكون مصير ذلك التوجه هو نفس مصير سابقه.