بحث في هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 24 يوليو 2021

أول قصة نشرها أوسامو دازاي في حياته: رومانسية

رُوْمَانْسِيَّة

تأليف: أوسامو دازاي

ترجمة: ميسرة عفيفي


تارو الساحر

 

في الماضي وفي قرية كاناغي بإقليم تسوغارو ثمة عمدة يُدعى سوسكيه كُواغاتا. وأنجب سوسكيه أول طفل له في التاسعة والأربعين من عمره. وكان ذكرًا فسمّاه تارو[1]. وبعد ولادته مباشرة تثاءب تارو تثاؤبًا كبيرًا. فشعر سوسكيه بالقلق تجاه ذلك التثاؤب الكبير وأحس بالحرج من أقاربه الذين أتوا لتهنئته بمولوده. ثم بدأ قلق سوسكيه يتحقق أخيرًا. فلم يلتصق تارو بأمه من نفسه ليرضع ثديها، وإذا وُضع في حضنها فتح فمه في ضجر ولا مبالاة منتظرًا أن يأتي الثدي إلى فمه. وإذا أُعطي دمية النمر الورقي، لا يحاول لمسها بل يظل يتأمل بملل رأس النمر التي تهتز ببطء. يفتح عينيه في الصباح فلا يحاول أن يسرع بالحبو بعيدًا عن الفراش، بل يظل مغمض العينين لمدة ساعتين متظاهرًا بالنوم. كان يكره حركات جسمه الخفيف. ووقع حادث بسيط في الثالثة من عمره، وبفضله ذاع اسم تارو كُواغاتا بين أهالي القرية. وهذا الحادث حقيقي لأنه لم يُنشر في الصحف. لقد مشي تارو إلى ما لا نهاية.

كان ذلك في بداية فصل الخريف. حبا تارو ليلًا من حضن أمه دون أن يُحدث صوتًا. زحف بجسده حتى وصل إلى مدخل البيت، ثم خرج متدحرجًا من باب البيت. وبعد أن خرج من البيت نهض واقفًا. ووالده سوسكيه وأمه نائمان لا يعلمان ما حدث.

ظهر البدر فوق جبين تارو مباشرة. ونُقشت تضاريس البدر على وجهه. ومشي تارو في اتجاه الشرق كما هو بقدميه العارتين على طريق القرية الرملي المليء ببراز الجياد مرتديًا معطف صدري من القطن عليه تصميم رؤوس أسهم فوق ملابس داخلية عليها تصميم أسماك الميداكا اليابانية. وكان يمشي مغمض عينيه نصف تغميض وهو نعسان، ويزفر أنفاسًا متلاحقة ومتسارعة.

في اليوم التالي، حدثت ضجة في القرية. لأنهم وجدوا تارو ذا الثلاثة أعوام نائمًا بلا مبالاة في منتصف بستان التفاح في جبل يوناغاري الذي يبعد فرسخًا عن القرية. لقد تكوّن منحدر يميل قليلًا إلى الطرف الغربي من جبل يوناغاري الذي يملك ثلاثة تعاريج في قمته وكأن ثلوجه قد ذابت. كان ارتفاع الجبل مئة مترًا تقريبًا. ولم يتضح كيف استطاع تارو الوصول إلى منتصف مثل هذا الجبل. كلا، ما من شك أن تارو قد تسلق الجبل بمفرده دون مساعدة من أحد. ولكن لا أحد يدري سبب تسلقه للجبل.

وعاد تارو إلى القرية وهو يهتز يمينًا ويسارًا بعد أن وُضع في سلة فتاة قطف نبات السرخس التي عثرت عليه هناك. قضب أهل القرية الذين اختلسوا النظر على ما في داخل السلة حواجبهم الممتلئة بالعرق الأسود وتبادلوا معًا الإيماء قائلين: «تنغو، تنغو!» أمّا سوسكيه فلقد تنفس الصعداء ثم عبّر عن ارتياحه لرؤيته ابنه في صحة جيّدة. ولكنه لم يبدِ فرحًا أو ضيقًا. ووالدته كذلك لم تكن في حالة مضطربة بدرجة كبيرة. حضنته ثم وضعت في سلة الفتاة دستة من قماش المناشف بديلًا عنه، ثم أخرجت طستًا كبيرًا إلى مدخل البيت وملأته عن آخره بماء ساخن جُلب من ينابيع ساخنة، وغسلت جسمه في هدوء. ولم يكن جسد تارو متسخًا مطلقًا. كان جسمه أبيضَ سمينًا مدوّرًا. وكان سوسكيه يدور ويلف حول الطست بعنف، وفي النهاية اصطدمت قدمه بالطست فانسكب الماء ليملأ مدخل البيت فعنّفته زوجته. ومع ذلك لم يبتعد سوسكيه عن الطست وظل يختلس النظر على جسد تارو من خلف كتف الأم، واستمر يسأله: ماذا رأيت يا تارو؟ ماذا رأيت يا تارو؟ تثاءب تارو عدة مرات متوالية ثم صرخ بلغة طفولية مبهمة: «الفرن سخن في بيت كله»

وفي الليل بعد أن خلد إلى النوم فهم سوسكيه معنى تلك الكلمات أخيرًا. ستنتعش أفران كل البيوت. اكتشاف عظيم! حاول سوسكيه أن يضرب بيده على ركبته وهو نائم، ولكن حجزه اللحاف الثقيل، فجاءت الضربة على سرته فأوجعته. فكّر سوسكيه. ابن عمدة هو والد عمدة! إنه يهتم بالفعل بأفران الشعب وهو ما زال في الثالثة من عمره. يا له من مستقبل مشرق يستحق الامتنان. لا شك أن هذا الطفل قد اطلع من أعلى قمة جبل يوناغاري على منظر قرية كاناغي في الصباح. ولا شك أن وقتها كانت الأدخنة تتصاعد من أفران بيوت القرية عاليًا في حيوية ونشاط! تلك أمنية حقيقية رائعة ومحمودة. يا لهذا الطفل من بركة وهبة عظيمة. يجب الحفاظ عليه. نهض سوسكيه بهدوء شديد من الفراش، ومد ذراعيه وعدّل بعناية شديدة غطاء تارو الذي ينام على الفراش المجاور له. ثم مد ذراعه أكثر ليعدل بعنف خفيف غطاء الأم التي تنام على الفراش الذي بعد فراش الابن. فقد كانت الأم تنام عادة بوضعية نوم سيئة. حرص سوسكيه على ألا يرى وضعية نوم الأم السيئة، وتعمّد أن ينحي بوجهه بعيدًا عنها في تجهم وهو يهمس:

«يجب العناية بها هي الأخرى فهي أم تارو التي ولدته»

تحققت نبوءة تارو. فقد تفتحت في ربيع ذلك العام زهور كبيرة رائعة بلون وردي فاتح في جميع حقول التفاح في القرية، ووصلت عبيرها إلى مدينة القلعة التي تبعد عشرة فراسخ عن القرية. وحدث ما هو أفضل من ذلك في الخريف. كبرت ثمار التفاح لتضحى في حجم الكرة وبات لونها في حمرة المرجان، وكانت ترن رنين كثمار الكستناء. وعند قطف تلك الثمار ووضعها بين الأسنان وقضمها، يكاد ينفجر السائل من داخل الثمرة وبمجرد وضع الأسنان عليها تنفجر مصدرة صوت عال وتطلق سائلًا مثلجًا لدرجة أن تبلل الوجه من الأنف حتى الجبهة. وفي اليوم الأول من العام التالي، وقع حادث بعث على التفاؤل أكثر. فلقد عبرت سماء القرية الكثير من طيور الكركي قادمة من الشرق، وهاج أهالي القرية وهما يشيرون عليها ويقولون «ما هذا؟ ما هذا؟» وأثناء ذلك ظلت طيور الكركي العديدة طوال أول أيام العام تدور سماء القرية الزرقاء ببطء وكأنها تسبح في الماء إلى أن رحلت في النهاية في اتجاه الغرب. وفي خريف ذلك العام أيضًا أثمرت سنابل الأرز، وتراكم ثمر التفاح على الأغصان لدرجة اهتزازها على أفرعها. وبدأت القرية تزدهر. آمن سوسكيه بقدرات تارو كعرّاف إيمانًا مؤكدًا. ولكنه لم يعلن ذلك لأهالي القرية. تُرى هل السبب هو رغبته في تجنّب سخرية الناس منه لمبالغته في قدرات ابنه؟ ربما كانت لديه رغبة دفينة في التكسب قليلًا من ذلك الأمر.

سقط الطفل، الذي كان طفلًا إلهيًّا وهو رضيع، في طريق الضلال بعد مرور سنتين أو ثلاث سنوات. ففي غفلة من الزمن بات أهالي القرية يطلقون على تارو اسم الكسول. وبدأ سوسكيه أيضًا يقتنع أنه لا مفر من هذا الوصف. فلم يكن تارو يخرج للعب في المراعي والحقول أو على ضفاف النهر مثل بقية الأطفال حتى بعد بلوغه سن السادسة أو السابعة. فهو يجلس في الصيف أمام النافذة واضعًا يديه على خديه يتأمل المناظر خارجها. ويجلس في الشتاء بجوار المدفأة يتأمل نيران الحطب. وكان يحب الألغاز. في ليلة من ليالي الشتاء كان تارو ينام بجوار المدفأة في سلوك غير مؤدب، ثم رفع وجهه لينظر إلى والده سوسكيه بعينيه الضيقتين وقال بنبرة بطيئة أحد الألغاز: «ما الشيء الذي يدخل الماء ولا يتبلل؟» فكّر سوسكيه وهو يهز رأسه ثلاث مرات، ثم أجاب: «لا أعرف» أغمض تارو عينيه في كآبة وأعلمه بالحل قائلًا: «إنه الظل» وهنا بدأ سوسكيه أخيرًا يتألم من وضع تارو. تُرى أهو غبي! لا شك أنه أبله! إنه ليس مجرد كسول فقط كما يقول أهالي القرية!

وفي خريف العام الذي بلغ فيه تارو العاشرة من عمره، هجم طوفان هائل على القرية. فقد غضب نهر كاناغي الذي ينساب على مهل عند الطرف الشمالي للقرية بعرض ستة أمتار تقريبًا، لتواصل هطول الأمطار لمدة شهر كامل. تضخّم الماء المعكر عند المنبع ، ثم تدفق ملتويًا في دوامات كبيرة وصغيرة، وأخيرًا جعل فروعه الستة كلها تتضخم على الفور، وهبط الماء الجبالَ بسرعة البرق وهو يرقص بجسمه الهائل، الذي امتلأ تمامًا بمئات الأشجار من بلوط وشوح وصفصاف أبيض، التي اقتُلِعت من جذورها ودُفعت على جانبي التيار فتجمعت راكدة عن حافة سفح الجبل، ثم اندفعت مصطدمة بجسر القرية دفعة واحدة لتحطمه بلا مشقة وتكسر الحاجز الترابي عند ضفة النهر فينتشر الماء كأنه بحر محيط، ليجعل أساسات المنازل الحجرية تميل، والخنازير تنجرف، وعشرات الآلاف من أكوام محصول الأرز التي حُصدت لتوها تطفو فوق الماء صانعة موجات لا نهائية. ثم توقفت الأمطار في اليوم الخامس من الفيضان، وفي اليوم العاشر انسحبت المياه أخيرًا، وفي اليوم العشرين، عاد نهر كاناغي لكي ينساب على مهل عند الطرف الشمالي للقرية بعرض ستة أمتار.

تشاور أهالي معًا كل ليلة كل ليلة متجمعين كتلًا كتل في البيوت هنا وهناك. وكانت خلاصة المشاورات دائمًا واحدة. لا أحد أريد أن يموت جوعًا. كانت تلك الخلاصة دائمًا هي نقطة انطلاق النقاش. وكان على أهالي القرية أن يبدأوا النقاش مرة أخرى في الليلة التالية. والنتيجة هي نفسها. ولم يصل نقاشهم إلى نهاية. اضطربت القرية وهاج الأهالي. وفي أحد الأيام قال تارو ذو السنوات العشر، وجهة نظره لوالده سوسكيه الذي ظل يتنهّد وضعًا رأسه بين ذراعيه. قال له معتقدًا أن ذلك حل المشكلة: «أليس من الأفضل الذهاب إلى القلعة وطلب النجدة من السيد الحاكم مباشرة؟ سأذهب أنا!» رفع سوسكيه عقيرته بالصياح المجنون فرحًا. ثم بعد ذلك مباشرة يبدو أنه انتبه إلى أن هذا الفعل طائش فعبس بوجهه وقد عقد مرة أخرى يديه خلف رأسه بعد أن كان قد فككهما. «أنت تفكر بتلك البساطة لأنك طفل، ولكن الكبار لا يفكرون هكذا. يمكن أن يتسبب خطأ بسيط بطلب مساعدة مباشر في فقدان الحياة. إنه أمر محال. توقف، كف عن ذلك» ولكن في تلك الليلة خرج تارو فجأة من البيت دون أن يخبر أحدًا وأسرع بالمشي كما هو تجاه المدينة المحيطة بالقلعة. ولم يعرف أحد الأمر.

وقُبل طلبه. لأن حظ تارو كان حسنًا. ليس فقط لم يفقد حياته، بل لقد أُعطى مكافأة. على الأرجح أن الحاكم الإقطاعي وقتها نسي تمامًا كل القوانين. وبفضل ذلك نجت القرية من الإبادة وبدأ الازدهار في العام التالي مرة أخرى.

ومع ذلك ظل أهالي القرية يمدحون تارو على فعله ذلك لبضع سنوات. وبعد مرور تلك السنوات نسوا الأمر تمامًا. وكان لقب تارو بينهم العمدة الأحمق. وكان تارو يدخل كل يوم إلى المخزن ويقرأ كل ما تقع عليه يده من كتب سوسكيه. وأحيانًا ما يكتشف كتابًا مصورًا لا يليق. ومع ذلك كان يقرأه بلا مبالاة.

وأثناء ذلك عثر على كتاب أسرار السحر. فقرأ ذلك الكتاب بشغف وانهماك أكثر من أي كتاب آخر. غرق في قراءته بالطول والعرض. درسه في المخزن لمدة سنة تقريبًا، ثم أخيرًا حفظ طريقة التحوّل إلى فأر ونسر وأفعى. تحول إلى فأر وظل يجرى داخل المخزن، ثم يتوقف أحيانًا ويجرب أن يصرخ بأنفه كالفئران. ثم تحول إلى نسر، وفرد جناحيه وطار من النافذة، وتجول في السماء حتى اكتفى. ثم تحول إلى أفعى وتسلل إلى أسفل الأرضية الخشبية للمخزن وهو يتفادى بيوت العنكبوت، وجرب أن يزحف ببطنه فوق حشائش الظل الباردة مفرّقًا إياها عن بعضها. وبعد فترة استطاع معرفة طريقة التحول إلى حشرة السرعوف، ولكنه تحول إلى هيئة السرعوف فقط بدون إثارة أو تشويق.

ثم فقد سوسكيه أمله تمامًا في ابنه. ولكنه مع ذلك قال ما يلي وكأنه لا يريد الشعور بالهزيمة: «لا شك أنه جيد أكثر من اللازم». ثم في السادسة عشرة من عمره وقع تارو في حب ابنة جارهم بائع الزيوت وكانت ماهرة في العزف على الناي. كان تارو يحب سماع عزفها على الناي أثناء تحوله إلى فأر أو أفعى. «أريد أن تقع تلك الفتاة في حبي! أريد أن أكون أوسم رجل في إقليم تسوغارو» ظل تارو يدعو الآلهة أن يغدو رجلًا وسيمًا من خلال السحر الذي تعلمه. وفي اليوم العاشر لدعائه تحققت تلك الأمنية.

نظر تارو بخوف إلى المرآة، فأصابته الدهشة. كان أبيض الوجه شاحب اللون، وجبهته طرية منتفخة كأن بها ورمًا. وعينيه ضيقتين ونبتت له لحية طويلة. هذا وجه تمثال بوذا من عصر تنپيو (829 - 749م)، بل وكان عضوه الذي بين فخذيه مرخيًّا بإهمال كالقدماء. فأصابه الإحباط لأن كتاب أسرار السحر مفرط القدم. كتاب من عصر تنپيو. ما باليد حيلة. لأكرر السحر مرة أخرى. حاول مرة أخرى أن يُصحح من الطريقة، ولكن ذلك لم يفلح. في حالة إجراء السحر بأنانية حسب ما رغباته الشخصية، ستلتصق لسوء الحظ أو لحسنه تلك الهيئة به ولن يستطيع فعل شيء إزاءها. ظل تارو يبذل جهدًا بلا طائل لثلاثة أيام وأربعة أيام، ثم يئس في اليوم الخامس. إن مثل هذا الوجه العتيق لا يجعله محبوبًا من النساء، ولكن لا يعدم هذا العالم من وجود من تحب الغرائب. خرج تارو من المخزن بعد أن فقد قوة السحر وهو يطيل شاربه في وجهه المنتفخ الوجنتين.

شرح لوالديه الذين فغرا فاههما من الدهشة السبب وأقنعهما فصمتا. في النهاية، كتب في رسالة: لن أقدر على البقاء في القرية بتلك الحالة المخجلة. سأذهب في رحلة. ثم غادر البيت في تلك الليلة بلا هدف. كان البدر ينير في السماء. وكانت حواف البدر ضبابية قليلًا. ولم يكن ذلك بسبب سوء حالة الطقس. بل كان بسبب عيني تارو. فكّر تارو وهو يسير هنا وهناك بلا هدف في غرابة أمر وسامة الرجال. لِمَ بات الرجل الوسيم الماضي السحيق أبلهًا؟ ألا يُفترض ألا يكون الحال هكذا؟  أليست الوسامة لا تتغير؟ ولكن كان ذلك اللغز صعبًا بحيث أنه لم يستطع الوصول إلى الحل حتى بعد أن اخترق غابة القرية المجاورة ووصل إلى مدينة القلعة، وكذلك بعد أن تخطى حدود إقليم تسوغارو.

وبالمناسبة كان جوهر سحر تارو، ترديد وتكرار كلمة التعويذة: ممل، ممل، ممل، ممل، ممل، عشرات المرات، ومئات المرات بصوت خافت وهو يقف شاردًا يستند على سور أو عمود واضعاً يديه في عِبه حتى يدخل في النهاية في حالة من الإيثار وبذل الذات.

 

جيروبيه المارق

 

في الماضي وفي بلدة ميشيما التي تقع في طريق طوكاي، ثمة رجل يُدعى إپّيه شيكامايا يعمل في صناعة الخمور منذ عصر جد أبيه. يُقال إن الخمر تعكس صفات صانعها الشخصية. وخمور شيكامايا رائقة بل ولاذعة المذاق جدًا. وسُميت تلك الخمور باسم ميزوكوروما أي الساقية. وكان له من الأطفال أربعة عشرة طفلًا، ستة ذكور وثماني إناث. وكان الابن الأكبر بليدًا في أمور الدنيا، وبالتالي عاش كما خطط إپّيه والعمل أول أولوياته. ولم يكن يملك ثقة في أفكاره إلا أنه أحيانًا يقول رأيه لوالده تجاه أمر ما، ولكنه يفقد ثقته في نفسه تمامًا أثناء الكلام ويتأرجح تفكيره بين أن ما يقوله صحيح وأنه مليء بالأخطاء، ثم يتيقن أنه خاطئ تمامًا، ثم يفكر تُرى ما رأي أبي في ذلك؟ وفي النهاية يقول بنبرة مترددة إن ما قاله خاطئ ويمحو رأيه كأنه لم يكن. فيجيب إپّيه ببساطة: «رأيك خاطئ

ولكن اختلفت حالة الابن الثاني جيروبيه[2] قليلًا. فقد كان من صفاته الميل إلى إظهار موقف أن الحق حق والخطأ خطأ بمعناه الحقيقي وليس بمعنى الاستجداء الذي يستخدمه السياسيون. ولهذا السبب أطلق عليه سكان بلدة ميشيما لقب المارق وعاملوه على أنه شيء قذر. كان جيروبيه يكره التجار. فهذه الحياة ليست آلة حاسبة. وظل يشرب الخمر كل يوم وهو متقين أن ما ليس له قيمة هو الشيء الثمين حقًا. وكان مع شربه للخمر إلا أنه امتنع عن وضع الخمر الذي رآه حتى الآن بأم عينيه في بيته يلتهم أرباحًا ظالمة، على لسانه. وإذا أخطأ فشرب منها يضع على الفور أصابعه في حلقه ويتقيؤها عنوة. كان جيروبيه يطوف ببلدة ميشيما يشرب الخمر بمفرده ولم يحاول والده إپّيه أن يوقفه عن ذلك. لأنه رجل صافي الذهن ورأى أن من الأفضل وجود ابن أحمق بين الأبناء الكثيرين لأنه يزيد من حيوية العائلة. وعلاوة على ذلك كان إپّيه يتولى مهمة رئيس فرقة إطفاء الحرائق في ميشيما، فكان لديه خطة أن يتنازل فيما بعد عن هذا المنصب الشرفي لجيروبيه، ولذا كان يرى انفلات جيروبيه ويتظاهر بعدم العلم لأنه يتوقع توقعًا بعيدًا أن كلما أمعن أكثر وأكثر في الهياج مثل الفرس سيمتلك في المستقبل المؤهل الذي يمكّنه من أن يكون رئيس فرقة إطفاء جيد.

قرر جيروبيه في صيف السنة الثانية والعشرين من عمره أن يكون بارعًا في العراك بأي وسيلة، وكان سبب ذلك ما يلي.

يقام في يوم الخامس عشر من أغسطس من كل عام مهرجان في معبد ميشيما الكبير، فيتجمع حوله بكثرة سكان البلدة بالطبع، ويسرع الناس من بلدة نومازو وأومورا وجميع أنحاء جبال إيزو متجهين نحو المعبد الكبير وهم يضعون المروحة الورقية في خصرهم. ومن المقرر من قديم الزمان أن المطر تمطر بالتأكيد في يوم ذلك المهرجان. ويحب أهل بلدة ميشيما المهرجانات، ولذا حتى في وقت المطر يستخدمون المروحة ويحتملون البرودة تحملًا كبيرًا وهم غارقون في البلل من الأمطار، ليشاهدوا مرور العربات الراقصة ومواكب المعابد وارتفاع الألعاب النارية وغير ذلك من فعاليات المهرجان.

وكان يوم المهرجان في السنة التي وصل جيروبيه فيها لسن الثانية والعشرين مشمسًا على غير العادة. وتتراقص في السماء الزرقاء حدأة وهي تصيح، فيتوجه المصلون بصلاتهم إلى المعبد الكبير ثم إلى السماء الزرقاء والحدأة على التوالي. تخطى الوقت الظهر بقليل، فظهرت فجأة غيوم سوداء تتراكم بكثافة لتغطي ركن السماء الشمالي شرقي، وفي طرفة عين وانتباهها أعتمت سريعًا سماء بلدة ميشيما عتمة خافتة، وزحفت رياح ثقيلة محملة بالبخار تدور حول الأرض، وكأن تلك إشارة لها تساقطت من السماء قطرات كبيرة من الماء متتابعة وفي نهاية المطاف باتت أمطارًا غزيرة. تأمل جيروبيه وهو يشرب الخمر في الحانة التي أمام بوابة المعبد الكبيرة الأمطار في الخارج والنساء من كل شكل ولون يجرين بخطوات سريعة. وأثناء ذلك بادر بالنهوض فجأة. لأنه عثر على من يعرفه. ابنة معلم الخط الذي يسكن في البيت المقابل لبيتهم. ترتدي كيمونو يبدو ثقيلا بتصميم ورود حمراء، وتجرى خمس أو ست خطوات ثم تمشي ثم تجري مرة أخرى خمس أو ست خطوات. تخطى جيروبيه فجأة الستارة المعلقة على باب الحانة وخرج ثم قال لها: «خذي هذه المظلة. لا يجب أن يبتل الكيمونو» توقفت الفتاة عن المشي ولوت عنقها الرفيع ببطء شديد، وبمجرد أن رأت جيروبيه احمرت خدودها البيضاء الرقيقة. «انتظري» قال جيروبيه ذلك ثم عاد مرة أخرى للحانة، وصرخ في المالك بصوت صاخب طالبًا منه استعارة مظلة الحانة البديلة. «يا ابنة المعلم المبجل، لا شك أن والدك ووالدتك بل حتى أنت أيضًا تعتقدون أنني شخص شرير ومارق سكّير. ولكن ما رأيك؟ إنني كما ترين أساعدك بالمظلة وبأي شيء آخر إن وجدت أنك في مأزق وتحتاجين المساعدة» ثم وقع في شر أعماله! عندما تخطى الستارة وخرج مرة أخرى لم تكن الفتاة هناك ولم يجد إلا تيار المارة الذين يجرون في تدافع وتناحر تحت الأمطار التي زادت حدتها أكثر. «هاهاهاها» هكذا سمع ضحكات السخرية الصاخبة من داخل الحانة. ضحكات ستة أو سبعة مارقين. قال جيروبيه وهو يمسك مظلة الحانة البديلة في سرّه: «آه! أريد أن أكون بارعًا في العراك! ما من منطق ولا عقل في أن يلاقي الإنسان هذه العيون التي تستخف به. من الأفضل أن أقتل من يلمسني بالسيف! أن أقتل حتى الحصان إذا لمسني!» بعد ذلك اليوم ولمدة ثلاث سنوات تدرب جيروبيه سرًا على العراك.

العراك شجاعة. صنع جيروبيه لنفسه شجاعة بالخمر. وأخيرًا زادت كميات ما يشربه من الخمر، وباتت عيناه باردة غائمة مثل عيون سمكة ميتة، وتولّدت على جبينه ثلاثة خطوط من التجاعيد، وبدت ملامح وجه في قمة الوقاحة. وعندما يضع الغليون في فمه يدور بذراعه دورة كبيرة من الخلف ثم يأتي به إلى فمه ثم أخيرًا يأخذ منه نفسًا. فيبدو كأنه شجاع رابط الجأش.

ثم بعد ذلك طريقة التحدث. فكر أن يتحدث بصوت خافت لا يُعرف له أصل من فصل. ومن المعروف أنه قبل العراك يجب على المرء التفكير في قول مميز له مغزى، ولكن لاقى جيروبيه متاعب جمة في الاختيار. فقول جمل معلبة في إطار محدد يجعلها لا تتضمن مشاعر حقيقية. ثم اختار أخيرًا الجمل التالية التي لا تلتزم بإطار معلب. «عزيزي، ألا ترى أنك مخطئ؟ هل تمزح؟ لو تورّم أنفك هذا وصُبغ بلون أرجوني ستبدو مضحكًا! وسيستغرق الأمر مئة يوم حتى يعود لطبيعته. أنا أعتقد أنك مخطئ في هذا!» ثم ظل يردد تلك الجمل كل ليلة بعد أن يرقد في فراشه ثلاثين مرة لكل منها حتى يستطيع أن ينطق بها دائمًا في سلاسة وانسيابية. وكان يريد أيضًا ألا يلوي فمه أثناء النطق بها أو يطلق شرارًا من عينيه أكثر من اللازم بل يبتسم تقريبًا، ولذا لم يكسل أو يتوانى عن التدرب على ذلك.

وبهذا أتم الاستعدادات. ثم جاء أخيرًا وقت التدرب على العراك. يكره جيروبيه حمل الأسلحة فمن ينتصر بقوة السلاح ليس رجلًا. لم يكن قلبه ليرتاح إذا لم ينتصر بقوة يديه فقط. بحث أولًا كيفية جعل يده في شكل قبضة. ثمة خوف من أن يلتوي إصبع الإبهام إن هو جعله خارج قبضة يده. في نهاية دراسة جيروبيه وبحثه لأشكال عديدة، قرر أن يُخفي إصبع الإبهام داخل قبضة يده وأن يرص ظهر العقلة الأولى من باقي الأصابع الأربعة بصرامة دون ثغرات. فنشأت قبضة تبدو في منتهى الصلابة. وعندما ضرب على رضفته بتلك القبضة، لم يحس بأي ألم ولو قليل في قبضة يده وفي المقابل أحس بألم في رضفة الركبة لدرجة الرغبة في الانقضاض والقفز من على الأرض. وكان ذلك اكتشافًا جديدًا بالنسبة له. ثم بعد ذلك خطط جيروبيه لكي يجعل جلد أصابع تلك القبضة صلدًا وسميكًا. فيستيقظ في الصباح ثم يضرب على الفور بقبضة يده هذه منفضة السجائر التي بجوار وسادته. وأثناء سيره في الطرقات، يضرب كل حائط طيني أو سور خشبي يقابله. ويضرب منضدة الحانة. استغرق في ذلك التدريب عامًا كاملًا. فوثق جيروبيه أخيراً في صلابة قبضته عندما تكسرت منفضة السجائر إلى قطع متناثرة، ونشأت ثقوب كبيرة وصغيرة بلا عدد في الحيطان الطينية والأسوار الخشبية وتولدت شروخ في منضدة الحانة وباتت حواف مدفئة البيت تحتوي على منحنيات لدرجة بدت متوافقة مع الموضة. وأثناء ذلك التدريب، اكتشف جيروبيه أن طريقة الضرب بالقبضة لها فنون وأسرار. بمعنى أن الضرب المفاجئ المباشر من تحت الإبط كالمسدس تزيد الفاعلية ثلاثة أضعاف الضرب من خلال لف الذراع في دورة كبيرة مبالغ فيها. وعرف كذلك أنه أثناء الضرب المباشر المفاجئ لو لوي الذراع بنصف دورة للداخل، ستزيد الفاعلية أربعة أضعاف أكثر. بمعنى أن الذراع ينحر جسم الخصم وكأنه حلزون.

وفي العام التالي، تدرب داخل غابة صنوبر في أطلال معبد كوكوبونجي الواقع خلف بيته. كان يتدرب على لكم وضرب جذلًا جافًا على شكل إنسان بارتفاع مترًا ونصف المتر تقريبًا. جرب جيروبيه أن يضرب جسده من أقصاه إلى أقصاه، فعرف حقيقة أن المقطب‏ وفم المعدة هما أكثر الأماكن وجعًا. وبالطبع فكر في المكان الذي يُعد من قديم الزمن مكمن الخطر للرجل، ولكنه رأى ذلك بذيئًا وأن الرجل المتعالي لا يستهدفه. وعرف كذلك أن قصبة الساق أيضًا موجعة للغاية، ولكنها تناسب الركل بالقدم، واستخدم القدم في العراك نذالة بالنسبة لجيروبيه، ويسبب له تأنيب الضمير، فقرر بالأساس أن يركز هدفه على المقطب وفم المعدة فقط. حفر علامة مثلث بخنجر على ارتفاع الأماكن التي تطابق المقطب وفم المعدة على الجذل، وكل يوم كل يوم يضرب ويلكم فيها حتى الرمق الأخير. «عزيزي، ألا ترى أنك مخطئ؟ هل تمزح؟ لو تورّم أنفك هذا وصُبغ بلون أرجوني ستبدو مضحكًا! وسيستغرق الأمر مئة يوم حتى يعود لطبيعته. أنا أعتقد أنك مخطئ في هذا!» وفي تلك اللحظة يضرب المقطب فجأة. ويلكم باليد اليسرى فم المعدة.

بعد مرور سنة على التدريب، تحدب الجذل عند علامة المثلث بتجويف دائري بقدر وعاء خشبي. ثم فكر جيروبيه. الآن الإصابة بنسبة مئة بالمئة ولكنني لا أستطيع الاطمئنان. فالخصم لم يقف مثل هذا الجذل صامتًا على الدوام لا يفعل شيئًا. سوف يتحرك. وضع جيروبيه عينيه على السواقي التي توجد في كل ركن من أركان بلدة ميشيما تقريبًا. كانت الثلوج التي على سفح جبل فوجي تذوب لتصنع أكثر من عشرة جداول مائية كثيفة المياه وتمر بقواعد بيوت ميشيما وحواف حدائقها، وبساتينها، تدور السواقي التي نبتت عليها الطحالب ببطء شديد في الأماكن الضرورية لها في هذه الجداول الكثيرة. كان جيروبيه عند عودته ليلًا بعد أن يسكر، يسحق بالضرورة إحدى تلك السواقي. يضرب ألسنة الساقية الستة عشرة التي تدور حول نفسها ضربًا شديدًا بالترتيب. في البداية كان التخمين صعبًا فلم تسر الأمور على ما يرام نوعًا ما، ولكن تدريجيًّا كثر في بلدة ميشيما رؤية سواقي متوقفة وألسنتها المحطمة تتدلى منها. كان جيروبيه يستحم بماء الجداول من حين لآخر. وكان أحيانًا يغوص في الأعماق ويظل في ثبات هناك لبعض الوقت. آخذًا في حسبانه أنه ربما تزل قدمه أثناء العراك فيسقط في جدول. وهي حالة محتملة الحدوث لأن الجداول تجري في أنحاء البلدة جميعها. ثم لف خصره ببطانة من القطن بقوة أكثر وأكثر. وكان ذلك حرصًا منه على ألا يُدخل خمرًا كثيرًا إلى جوفه. لأنه من المحتمل أن يحدث ما لا في الحسبان إذا سكر واختلت قدماه. مرت ثلاث سنوات. جاء مهرجان المعبد الكبير ثلاث مرات، ورحل ثلاث مرات. انتهت التدريبات. وأضحى مظهر جيروبيه أخيرًا متينًا وثقيلًا. حتى أنه يستغرق دقيقة كاملة في لوي عنقه ناحية الشمال أو اليمين.

الأقارب حساسون بسبب صلة الدم. فلقد أدرك والده إپّيه تدريباته. لم يعرف بالضبط ما هي التدريبات التي فعلها، ولكنه انتبه فقط إلى أنه بات عظيمًا على نحو ما. نفذ إپّيه خطته التي وضعها من قبل. فجعل جيروبيه يتولى المنصب الشرفي في قيادة فريق مكافحة الحرائق بعده. فنال جيروبيه ثقة الكثيرين من فريق الإطفاء من خلال متانة حركته وثقله الذي لا يُعرف سببه. وظلوا يحترمونه ويدعونه: «الرئيس، الرئيس» فلم تتح له فرصة للعراك تقريبًا. وفكر الرئيس الشاب بملل أنه ربما يقضي حياته كلها حتى الممات دون عراك. يشعر في الليل بحكة في ذراعيه اللذين دربهما بعناية، فيحكهما بمشاعر وحدة كئيبة. وفي نهاية المطاف ونتيجة لتلوي جسده اشتياقًا لفرصة إظهار قوته، رسم وشمًا على ظهره بالكامل. كان الوسم بتصميم لخمس سمكات رفيعة وطويلة تشبه سمك الإسقمري تنقر بمقارها المسنون من الجهات الأربع، وردة حمراء حمرة فاقعة قطرها 15 سنتيمترًا تقريبًا. وتتحرك أمواج زرقاء صغيرة بطول المساحة من ظهره وحتى صدره. وبسبب ذلك الوشم أضحى جيروبيه أشهر رجل في إقليم طوكاي وبالطبع إضافة لتبجيل رجال الإطفاء له احترمه كذلك المارقون في البلدة وبالتالي تلاشت تمامًا آمال العراك. فكر جيروبيه أنه لن يطيق ذلك. ولكن أتت الفرصة من حيث لا يتوقع. كان في ذلك الوقت في بلدة ميشيما، أحد الأغنياء يُسمى جوروكو جينشويا يتنافس مع شيكامايا في صناعة الخمور وعلى نفس المكانة. كان خمرهم غامق اللون ولاذع المذاق. وكان جوروكو يشبه خمره كثيرًا، فرغم أنه يملك أربع محظيات، إلا أنه لا يكتفي بهن، ويفعل الأفاعيل في محاولة امتلاك الخامسة. فوقع اختياره على ابنة معلم الخط الذي يعيش في هدوء بجوار بيت جيروبيه الذي تخطى سقفه سهم ريش الصقر الأبيض ورشق مفرقًا بين نباتات كيس الراعي فوق سقف بيت معلم الخط[3]. لم يجيب المعلم طلبه باستخفاف. بل حاول الانتحار بالهاراكيري مرتين وفشل بعد أن عثر عليه أهل بيته. سمع جيروبيه تلك الشائعة، فشعر أن ذراعيه تطلقان صراخًا لإثبات قوتهما. فانتهز تلك الفرصة.

جاء الفرصة بعد ثلاثة أشهر. وقد هطلت على ميشيما ثلوج كثيفة نادرًا ما تهطل في بداية شهر ديسمبر. وعند بداية الغروب هطلت هطولًا خفيفًا ثم في الوقت الذي تحولت الثلوج إلى قطع ثلجية كبيرة في حجم زهرة الفاوانيا وتراكمت الثلوج بارتفاع عشرة سنتيمترًا تقريبًا، انطلقت أجراس البلدة الستة في وقت واحد بنصف دقة. علامة الحريق. خرج جيروبيه من بيته ببطء شديد. ارتفعت النيران من محل حصير التاتامي المسكين المجاور لبيت جينشويا. تتراقص الآلاف من ألسنة اللهب بجنون فوق سطح محل التاتامي، وتتقاذف حمم النيران مثل طلع الصنوبر وتمتد بأقصى امتداد وتناثرت بعيدًا في الجهات الأربع للسماء. وأحيانًا كان الدخان الأسود يظهر بتثاقل مثل قراصنة البحار، ليغطي كامل السطح فيخفيه عن الأنظار. صبغ اللهبُ قطعَ الثلوج التي تواصل الهطول بلا توقف بألوان متنوعة، فبدت أكثر ثقيلًا وأكثر هدرًا. بدأ رجال الإطفاء الجدال مع جينشويا. ورفض جينشويا بإصرار وصول المياه لبيته وأمر فقط بالإسراع في هدم مبنى بائع التاتامي المجاور لإطفاء النيران. فاعترض رجال الإطفاء قائلين إن ذلك يخالف قانون الإطفاء. وفي هذه اللحظة ظهر جيروبيه. «يا سيد جينشويا!» بدأ جيروبيه الحديث محاولًا بقدر الإمكان أن يكون صوته خافتًا بل ولم ينس أن يرسم على وجهه ابتسامة. «ألا ترى أنك مخطئ؟ أليس هذا مزاح؟» قاطع جينشويا حديثه فجأة: «أجل يا سيد شيكامايا، أجل! كنتُ أمزح. كنتُ أهذي من السُكْر. تفضل! استخدم المياه في الإطفاء كما يحلو لك» فلم يتطور الأمر إلى عراك. ولم يكن بيد جيروبيه حيلة إلا أن يتأمل الحريق. لم يتطور الموقف إلى عراك ولكنه رفع أكثر وأكثر من مهابة جيروبيه. وظل خوف جينشويا وضوء النيران ينيره كأنه يخاف إلهًا وهو يتأمل قطع الثلج التي وقفت على خدي جيروبيه بدون ذوبان، مادة لأسمار رجال الإطفاء، لفترة طويلة بعد ذلك.

وفي يوم مشمس من شهر فبراير للعام التالي، امتلك جيروبيه بيتًا جديدًا على أطراف البلدة. يتكون من ثلاث غرف، غرفة بمساحة ست حصيرات وأخرى بمساحة أربع حصيرات ونسف والثالثة بمساحة ثلاث حصيرات بالإضافة إلى الطابق الثاني الخلفي بمساحة ثماني حصيرات الذي يمكن رؤية جبل فوجي منه إلى الأمام مباشرة. وفي يوم مشمس آخر من شهر مارس، استقبل ابنة معلم الخط زوجة له في ذلك البيت الجديد. وفي تلك الليلة تجمع رجال الإطفاء بازدحام في بيت جيروبيه الجديد يشربون نخب الزواج، وكل منهم يستعرض مهارة خفية بالترتيب حتى وقت متأخر من الليل، حتى كان آخرهم بعد أن طلع صباح اليوم التالي، يقوم بحيلة باستخدام طبقين من الخزف محاولًا أن يخدع عيون الآخرين وهم سكارى فكوفئ بالتصفيق والصياح من الأركان وانتهت الحفل.

ثم عاش جيروبيه حياته يومًا بيوم في لا مبالاة وكأنه وصل لنبع الحكمة، مفكرًا أن تلك الحياة رائعة بلا شك. وأبوه إپّيه أيضًا همس أنه بذلك ارتاح، وهو يلقي بما في غليونه من رماد في المنفضة المصنوعة من الخيزران. ولكن وقع حادث محزن لم يكن ليطرأ على ذهن إپّيه الصافي. في الشهر الثاني تقريبًا من الزواج، كان جيروبيه يشرب الخمر مع عروسه، «إنني قوي في العراك، في العراك أضرب المقطب باليد اليمنى هكذا، وألكم فم المعدة باليد اليسرى هكذا» وضربها ضربًا خفيفًا بنية المزاح، إلا أن العروس سقطت ميتة على الفور. على الأرجح أن ضرباته جاءتها في مقتل. وُجهت تهمة ثقيلة إلى جيروبيه، وألقي به في السجن. هذا عقاب الإفراط في براعة اليدين. وبعد دخول جيروبيه السجن لم يكن السجان ليستخف به بسبب مظهره الرزين المهيب، وكذلك كان زملاؤه المساجين في نفس الغرفة يبجلونه على أنه زعيم السجن. يجلس جيروبيه في مكان مرتفع درجة عن باقي المساجين ويدندن بأغنية بلحن حزين من تأليفه لا يُعرف هل هي أغنية شعبية من أغاني دودويتسو أم ترنيمة صلاة لبوذا.

        همستُ إلى صخرة

        وخدي متورّد:

        «إنني قوي!»

        الصخرة لم ترد

 

سابورو الكاذب

 

في الماضي وفي حي فوكاكاوا بمدينة إيدو كان يعيش عالم أرمل يُسمى كوسون هاراميا. وكان عليمًا بالديانات الصينية. وكان له ابن وحيد ومع ذلك أطلق عليه اسم سابورو[4]. وقال الجيران إن تسمية ابنه سابورو مع أنه وحيد يدل على شخصية ملتوية بما يليق بالعلماء. ولا أحد يعلم كيف يكون هذا شخصية ملتوية تليق بالعلماء. ولكن تلك صفة العلماء. ولم تكن سمعة كوسون جيدة وسط جيرانه. فكانت شهرته أنه بخيل جدًا. بل لدرجة وجود شائعة أنه كان يتقيأ نصف ما يأكل من أرز ليصنع منه غراءً. وقد نشأ كذب سابورو من بخل كوسون هذا. فلم يكن يعطيه مصروفاً ولو سِنتًا واحدًا حتى بلغ الثامنة من عمره، وأجبره على حفظ أقوال حكماء الصين عن ظهر قلب. كان سابورو يدور على حوائط وأعمدة غرف البيت غرفة بعد غرفة ليقتلع المسامير منها وهو يهمس بأقوال حكماء الصين هؤلاء وهو يمسح المخاط من أنفه. وعندما يتجمع عشرة مسامير، يذهب بها إلى محل جامع النفايات القريب ويبيعها له بسِنت أو سِنتين. ثم يشتري حلوى الكارينتو. ثم بعد ذلك تعلم من جامع النفايات أن مكتبة أبيه تُباع بأضعاف أضعاف ذلك المبلغ، فأخذ منها كتابًا بعد آخر، واكتشف والده ذلك في المرة السادسة. عاقب الوالد ذلك الابن السارق وهو يغالب دموعه. ضرب رأس سابورو بقبضة يده ثلاث مرات متتالية ثم قال له: «إن العقاب أكثر من ذلك لن يؤدي إلا أن يصاب كلانا بالجوع. ولهذا فسوف أكف عن عقابك عند هذا الحد. اجلس!» ثم أُجبر سابورو أن يُقسم على التوبة وهو يبكي بكاءً مرًّا. كانت تلك هي بداية كذب سابورو.

وفي صيف ذلك العام، قتل سابورو كلب الجيران. اسم الكلب تشين. كان تشين ينبح في الليل نباحًا مزعجًا. ويُصدر صخبًا خالطًا أصوات نباح متنوعة، نباح طويل يُسمع من بعيد، وصراخ محموم لا يتوقف وكأنه سعال، ثم أنين مبالغ فيه وكأنه لا يتحمل الآلام. وفي الوقت الذي استمر ينبح فيه لمدة ساعة كاملة، وجه الأب كوسون الحديث إلى الابن سابورو النائم بجواره: «اذهب وانظر ما الأمر!» وكان سابورو وقتها يلوي عنقه ويصيخ بأذنيه وهو يطرف بعينيه مرة بعد مرة. ثم نهض قائمًا وفتح الباب الواقي من الأمطار، وعندما نظر، رأى تشين المربوط في سور بيت الجيران المصنوع من الخيزران يحك جسده في التراب ويلتوى جسمه من التألم. عنّفه سابورو بقوله: «كف عن الإزعاج!» بمجرد أن رأى تشين سابورو مرغ جسده في التراب وعض الخيزران لكي يلفت أنظاره، وتظاهر بالجنون لبعض الوقت ثم صرخ صراخًا محمومًا أعلى من السابق. فشعر سابورو بالغضب والكراهية تجاه تشين المدلل. وبعد أن قال له بصوت حاد «لا تصرخ، لا تصرخ» قفز إلى الحديقة والتقط حجرًا صغيرًا وضربه به. فأصب الحجر رأس تشين إصابة مباشرة. فأطلق صراخًا حادًا مرة واحدة، وبدأ جسد تشين الأبيض الصغير يلتف حول نفسه ثم سقط دون حركة. لقد مات. أغلق سابورو الباب ودخل فراشه، فسأله والده بصوت ناعس: «ماذا حدث؟» أجابه سابورو وقد غطى رأسه بالغطاء: «لقد توقف عن النباح. يبدو أنه مريض. ربما يموت في الصباح» في خريف ذلك العام، قتل سابورو إنسانًا. فقد أغرق صديقًا له يلعب معه في نهر سوميدا بإلقائه من فوق جسر كوتوتوي بلا سبب مباشر. بل اجتاحته مشاعر فجائية تشبه الرغبة في تفريغ رصاص مسدس في أذنه شخصيًّا. قُذف الابن الأصغر لبائع الطوفو من فوق الجسر فحرّك أثناء سقوطه ذراعيه النحيلين الطولين في الهواء ثلاث مرات ببطء وكأنه إوزة، ثم سقط في الماء مصدرًا صوت طرطشة. وانتقل مع تيار الموج إلى أسفل النهر بمسافة مترين تقريبًا، ثم ارتفعت ذراع واحدة في منتصف دوامة المياه التي تولدت نتيجة السقوط. وكانت كف يده تقبض قبضة حاسمة. ثم اختفى على الفور. وابتعدت دوامة المياه وهي تضعف تدريجيًّا. وبعد أن شاهد سابورو ذلك للنهاية، صرخ باكيًا بصوتٍ عالٍ. تجمع المارة ينظرون إلى المكان الذي يشير إليه سابورو باكيًا وفهموا ما حدث. وقال له أحدهم من ذوي الفهم السريع وهو يربت على كتف سابورو: «جيد أنك أعلمتني، لقد وقع زميلك في الماء أليس كذلك؟ لا تبك! سوف أنقذه على الفور. جيد أنك أخبرتني»

ثم تسابق ثلاثة رجال ممن يثقون في براعة سباحتهم إلى القفز في النهر العملاق، وبدأوا يبحثون عن الابن الأصغر لبائع الطوفو وهم يتباهون بطريقتهم في السباحة. لقد بالغ الثلاثة معًا في الاهتمام بمنظرهم وهم يسبحون، ولذا أهملوا البحث عن الطفل وفي النهاية عثروا عليه جثة هامدة.

ولم يشعر سابورو بأي حرج في المشاركة هو ووالده كوسون في الجنازة التي أقامها بائع الطوفو. ومع بلوغه سن العاشرة ثم الحادية عشرة، بدأت ذكرى تلك الجريمة التي لا يعرفها أحد تؤلم صدر سابورو. مثل هذه الجرائم جعلت زهرة كذب سابورو تتفتح بجمال وروعة أخيرًا. يكذب على الناس ويكذب على نفسه، ويواظب على محو جرائمه من هذا العالم، ويجتهد في محوها كذلك من قلبه ومع مرور الوقت الطويل بات هو نفسه كتلة من الكذب.

وفي العشرين من عمره غدا سابورو شابًا منطويًا على نفسه انطواءً مريبًا. فكان يحكي ذكرياته عن أمه الراحلة وهو يتنهد عندما يأتي موسم الأوبون، ليُجمع التعاطف من الجيران والمحيطين. لم يكن سابورو يعرف أمه. ففي اللحظة التي نزل فيها سابورو من بطنها، ماتت أمه وكأن تبادلًا تم بينهما. وحتى الآن لم يسبق له التفكير في أمه. ثم أمسى أكثر مهارة في الكذب. كان يكتب رسائل بديلًا عن عدد من الطلاب الذين يأتون للتعلم على يد كوسون. كان يبرع في كتابة رسائل للأهل لطلب المال منهم. على سبيل المثال ما يلي: يبدأ بكتابة التحية، ثم الحديث عن الطقس إلخ، ويسأل بتجرد ونزاهة عن صحة الوالد وتمني أن يكون بخير، ثم يكتب طلبه بعد ذلك مباشرة. في البداية يكتب ببراعة كلمات المجاملة المعتادة ثم إذا بدأ في طلب المال تغدو كتابته رديئة. كلمة الطلب الأخيرة تلك تجعل كلمات المجاملة الرائعة في البداية تنهار، فتبدو الرسالة في منتهى القذارة والانحطاط. ولذا، الأفضل أن يستجمع شجاعته ويبدأ في طلبه أسرع قليلًا بكلمة واحدة. والأفضل الوضوح التام بقدر الإمكان. يكتب مثلًا: «لقد بدأنا ندرس محاضرات في مادة الشعر القديم، والكتب الدراسية لتلك المادة تتكلف 22 يناً عند طلبها من مكتبات بيع الكتب في المدينة. ولكن المعلم كوسون مراعاة لحالة الطلاب الاقتصادية سوف يطلبها خصيصًا لنا من الصين مباشرة. والتكلفة الفعلية 15 ينًا و80 سنتًا. لو أفلتت هذه الفرصة، ستكون خسارة نوعًا ما لذا أفكر في طلب الكتاب بأسرع وقت. ولذا أطلب منكم إرسال 15 ينًا و80 سنتًا بأقصى سرعة ممكنة» ثم يُقدم تقريرًا عن أحواله المعيشية مؤخّرًا بالتفصيل. «عندما تأملتُ من النافذة أمس رأيت عددًا من الغربان تصارع حدأة بمنتهى الشجاعة، أول أمس عندما كنتُ أتنزه على ضفة نهر سوميدا وجدتُ زهور أعشاب غريبة جدًا، البتلات تشبه نجمة الصباح، الصغيرة تشبه البازلاء، والكبيرة تشبه العشب الأحمر ولأنها بيضاء نادرة، فقد قلعتها من جذورها وعدتُ بها إلى بيتي ونقلتها إلى أصيص لأزرعها» يكتب هكذا ببطء وكأنه نسي أمر طلب إرسال الأموال وكل شيء آخر. ويقرأ الأب تلك الرسالة فيشعر بمشاعر ابنه الهادئة ويخجل من انشغاله عنه بالتفاهات ثم يبتسم ويرسل له ما يريد من مال. والحقيقة أن رسائل سابورو كانت تأتي بثمارها على هذا النحو. وتكالب الطلاب عليه لكي يكتب لهم رسائلهم، أو لكي يملي عليهم ما يكتبون. وعندما يأتي المال، يدعوه الطلاب فيخرجون للهو واللعب، ويستهلكون المال كله دون الإبقاء على شيء منه. وبدأت مدرسة كوسون أخيرًا في الازدهار. سمع طلاب إيدو عنها، فجاءوا إلى مدرسة كوسون لتعلم طريقة كتابة الرسائل خلسة من المعلم الشاب.

أمعن سابورو فكره. فهو لن يطيق الاستمرار في كتابة الرسائل بديلًا عن بضعة عشرة طالبًا والإملاء عليهم. فمن الأحرى نشر ذلك في كتاب. فكر أن يكتب كتاباً موضوعه «أفضل وسيلة لجعل الأهل يرسلون لك أموالاً كثيرة؟» ثم يطبعه. ولكنه انتبه إلى وجود عائق واحد أمام نشر هذا الكتاب. بمعنى ماذا سيحدث لو اشترى الآباء هذا الكتاب وقرأوه؟ كان يستطيع التنبؤ بنتيجة سيئة جدًا. ولذا تحتم على سابورو أن يمتنع عن فكرة نشر الكتاب. وكان اعتراض الطلاب المستميت لذلك سببًا من أسباب قراره. إلا أن ذلك لم ينثنِ عزم سابورو عن التأليف. فقرر أن ينشر كتابًا فكاهيًّا من تلك الكتب ذائعة الصيت وقتها في مدينة إيدو. كتاب يبدأ بكلمة: «اسمحوا لي أن أتحدث إليكم بعظيم الاحترام» ثم يكتب أشياء تثير الحفيظة وبها مشاغبات وخدع شريرة بقدر الإمكان، كان ذلك يليق تمامًا بشخصيته. على غير المتوقع وبيْع كتابان أو ثلاثة كتب فكاهية نشرها في عمر الثانية والعشرين باسم مستعار هو «الأستاذ سكران طينة جداً جداً». وفي أحد الأيام رأى سابورو في مكتبة والده مجلدًا بعنوان «كل أكاذيب البشر حقائق» يُعد تحفة رائعة من سلسلة كتبه الفكاهية فسأل متظاهراً باللامبالاة: «هل كتب الأستاذ سكران طينة جيدة يا أبي؟» فأجاب كوسون بتقزز شديد: «رديئة!» فأخبره سابورو وهو يضحك: «إنه اسم مستعار لي» حرص كوسون على عدم إظهار ارتباكه فسعل مرتين أو ثلاث مرات، ثم سأله محرجًا بصوت خافت: «كم ربحت؟»

يحكي محتوى التحفة الرائعة «كل أكاذيب البشر حقائق» بطريقة مضحكة ومشوقة قصة أستاذ شاب اسمه «كراهية» يسخر من المجتمع في مواقف عديدة لحياته. على سبيل المثال، يذهب الأستاذ كراهية إلى حي الدعارة متنكرًا في إهاب الممثلين أو مدعيًا أنه من كبار الأغنياء أو يتظاهر بأنه نبيل مستخدمًا اسم مستعار. كانت مثل هذه الخدع غنية بالتخطيط والصنعة الجيدة لدرجة لا يمكن الشك فيها من بنات الغيشا والطبقات الدنيا من المجتمع، ثم في ليلة وضحاها يغدو من كبار الأغنياء حقًا وليس حلمًا، وكذلك يستيقظ في الصباح ليجد نفسه ممثلًا شهيرًا لا يُخفى في المجتمع، ثم يُنهي حياته هكذا في تشويق وغرابة. وفي اللحظة التي يموت فيها يعود الأستاذ كراهية الذي لا يملك من حطام الدنيا شيئًا. أي أنها رواية سيرة ذاتية لسابورو شخصيًّا وعندما وصل سابورو إلى سن الثانية والعشرين كان كذبه قد وصل إلى قوة خارقة، ففي الوقت الذي يكذب فيه هكذا يستطيع تحويل كل شيء إلى ذهب خالص من الحقيقة. أمام كوسون يكون الابن البار المنطوي على نفسه، وأمام الطلاب المترددين على مدرسة أبيه الخاصة يكون أبو المعارف الكبرى، وفي حي الدعارة يكون ممثل الكابوكي دانجورو، أو الأمير الفلاني، أو زعيم المافيا العلاني، ثم في كل حالة من تلك الحالات لم يكن ثمة أي قدر من الكذب أو التصنّع.

في العام التالي مات والده كوسون. وكتب طوسون في وصيته ما يلي: «إنني كاذب ومنافق. كلما يبتعد قلبي عن ديانات الصين، كنتُ أتبعه بفرح. ورغم ذلك ما جعلني أستطيع العيش هو حبي تجاه ابني الذي حُرم من أمه. لقد فشلتُ أنا، فكنتُ أريد لهذا الابن النجاح، ولكن يبدو أن الابن أيضًا مصيره الفشل. أوصي لابني هذا بكل الأموال التي استغرقتُ ستين عامًا في جمعها شيئًا فشيئًا وقدرها خمسمئة قطعة كاملة دون أن أترك منها قطعة واحدة» قرأ سابورو الوصية فامتقع وجهه وبرزت على محياه ابتسامة خافتة وشق الوصية إلى نصفين. ثم شق النصفين إلى أربع، ثم شق الأربع إلى ثماني. كوسون الذي كان يحجم عن عقاب ابنه بدنيًّا مخافة أن يحس بالجوع، كوسون الذي انصب اهتمامه على ربح ابنه أكثر من إحرازه الشهرة والمجد، كوسون الذي كان الجيران يتهامسون أنه يخفي جرارًا ممتلئة بالذهب، مات في طمأنينة تاركًا ثروة تقدر بخمسمئة قطعة من النقود! المصير النهائي للكذب. شعر سابورو أنه يشم رائحة خبيثة لا تُطاق لريح الكذبة الأخيرة.

أقام سابورو طقوس جنازة أبيه في معبد طائفة نيتشيرن القريب. وإذ سمع قليلًا صوت الطبلة التي يدقها بعنف الراهب أحس بإيقاع وحشي، وسمع لفترة ذلك الإيقاع الذي حاول خداع مشاعر النقمة والتململ لديه بالهزل واليأس. يفكر سابورو وهو يتأمل حواف حصير التاتامي على بعد مترًا أمامه جالسًا مكوّر الظهر مرتديًّا ملابس الحداد السوداء، وممسكًا بالسبحة وسط عشرة طلاب تقريبًا. الكذب ريح بلا صوت تُحرر المرء من الإثم. وقد انطلق كذبه شخصيًّا من جريمة قتل في طفولته. وخرج كذب والده من الإثم الكبير بدفع الناس على الإيمان بديانات لا يستطيع هو نفسه الإيمان بها. يكذب المرء في محاولة إنعاش روحه قليلًا وسط معاناة الواقع التي لا تُطاق، ولكن الكذب مثل الخمر تزداد جرعته المطلوبة أكثر وأكثر مع الوقت. مرة بعد مرة يكذب كذبًا أكثر عمقًا وبعد المثابرة وبذل الجهد، في النهاية يبدأ الكذب في بث شعاع الحقيقة. ويبدو أن هذا لا يقتصر عليَّ أنا وحدي فقط. أكاذيب البشر كلها حقائق. تذكر هذه الكلمة وكأنه يسمعها لأول مرة فابتسم ابتسامة مريرة. آه، هذه هي قمة الكوميديا! دفن سابورو عظام كوسون بعناية بالغة ثم قرر أن يعيش منذ اليوم بلا كذب. الناس جميعًا يرتكبون جرائم خفية. فالأمر لا يستدعي الخوف ولا الترقب. ولا يستدعي كذلك الشعور بالنقص أو الخجل.

حياة بلا كذب! بمجرد النظر إلى تلك الكلمة نعلم أنها نفسها كذب! وصف الجميل بأنه جميل! والرديء بأنه رديء! هذا أيضًا كذب! فأولًا ثمة كذب في القلب الذي يحاول أن يصف الجميل بأنه جميل. ظل سابورو يعاني كل ليلة من الأرق وهو يصرخ هذا قذر وذلك قذر! وأخيرًا اكتشف سابورو السلوك الواجب عليه. إنه سلوك الخَرَف الذي بلا إرادة ولا تأثر بالمشاعر. أن يعيش مثل الرياح. ترك سابورو حركات يومه كلها للتقويم. تركها لما يتنبأ به التقويم عن حظه ذلك اليوم. وكانت متعته فيما يرى كل ليلة من أحلام. يرى أحيانًا مشهد حشائش خضراء، وأحيانًا فتاة يخفق لها قلبه.

في صباح أحد الأيام، كان سابورو يفكر وهو يهز عنقه فجأة أثناء تناوله وجبة الإفطار، ثم وضع عصاتي الأكل فوق آنية الطعام وتوقف عن الأكل. نهض واقفًا ثم أخذ يذرع الغرفة مشيًا طولًا وعرضًا، ثم وضع يديه في جيبه وخرج من بيته. لم يكن ثمة شك في أن سلوكه بلا إرادة ولا تأثر بالمشاعر. إن هذا بحق الجبال العميق لجحيم الكذب. تُرى لم لا يكون الخرف الذي بذل جهدًا في الوعي به كذبًا؟ إنني كلما بذلت الجهد يتجدد الكذب أكثر! افعل ما بدا لك! عالم اللاوعي! توجه سابورو إلى الحانة من الصباح.

تخطى الستارة القماش المعلقة على باب الحانة ودخل، فوجد اثنين من الزبائن دخلا الحانة قبله في هذا الصباح الباكر. يا للدهشة! إنهما تارو الساحر، وجيروبيه المارق. كان تارو يجلس في ركن جنوب شرقي المنضدة، ووجنته البيضاء المنتفخة قد احمرت من السُكْر، ويشرب الخمر وهو يبرم شاربه المتساقط على جانبي فمه. أما جيروبيه فكان على الطرف النقيض منه، يحتل الركن شمال غربي المنضدة ينزح العرق المزيت على وجهه الضخم المتورم، ويدور بيده اليسرى الممسكة بالكأس من الخلف دورة كبيرة ثم يعيدها ببطء ليضع الكأس على فمه ويشرب شربة واحدة ثم يرفع الكأس إلى مستوى ناظريه ويظل في شرود هكذا لبعض الوقت. جلس سابورو في المنتصف بينهما ثم بدأ يشرب الخمر. ومن الأصل لم يكن الثلاثة على معرفة سابقة. يختلس كل منهم النظر إلى الآخرين، تارو وهو يغمض عينيه الضيقتين إلى نصفهما، وجيروبيه وهو يلوي عنقه ببطء شديد مستغرقًا في ذلك دقيقة كاملة، وسابورو وهو يستخدم نظرات ثعلبية حائرة لا تهدأ ولا تستكين. بدأ الثلاثة تدريجيًّا الاقتراب من بعضهم البعض مع تزايد السُكْر بينهم. وعندما وصل السكر الذي تحمله كل منهم فوق طاقته إلى مرحلة الانفجار، بدأ سابورو التحدث أولًا. «أعتقد أن شربنا الخمر معًا هكذا من الصباح إشارة قدرية. بل يصل الأمر لدرجة الدهشة من اجتماعنا في نفس اليوم ونفس التوقيت في هذه الحانة الضيقة رغم ازدحام مدينة إيدو لدرجة أن يُقال إن المرء إذا مشي مسافة خمسين مترًا سيجد بلدًا مختلفة عن بلدته» تثاءب تارو ثم أجاب بتكاسل. «إنني أشرب لأني أحب الخمر. لا تحملق هكذا في وجوه الناس» قال ذلك ثم غطى وجنته بمنشفة اليد. ثم أجاب جيروبيه بعد أن طرق المنضدة عدة مرات صانعًا تجويفًا بطول وعرض ثلاثة أصابع وعمق إصبع. «أجل. لو قلنا قدرًا فهو قدر حقًا. لقد خرجتُ من السجن لتوي» فسأله سابورو. «ولماذا دخلته؟» السبب هو ما يلي. ثم حكى جيروبيه قصة حياته بصوت خافت لا يدرك كنهه. وبعد أن أنهى حكيه سقطت منه دمعة فوقعت في الكأس فألقى بكل ما في الكأس من خمر ودمع في جوفه. سمع سابورو قصته تلك فظل فترة يفكر ثم قال إنه يشعر نوعًا ما وكأنه أخوه الأكبر، وبدأ يحكي مراحل حياته مرحلة بعد أخرى وهو يحرص حرصًا بالغًا ألا يكذب. وبعد أن سمع منه جيروبيه لفترة قال «ثمة أمر لا يمكن أن أفهمه» وبدأ يأخذ غفوة من النعاس. ولكن تارو الذي كان حتى ذلك الوقت يتثاءب في ملل أخيرًا فتح عينيه الضيقتين على وسعهما بوضوح وبدأ يصيغ أذنيه ليسمع جيدًا. وعندما انتهت الحكاية نزع المنشفة عن وجنته بخمول ثم قال: «أنا أتفهم مشاعرك تمامًا يا أستاذ سابورو أو أي ما كان اسمك. إن اسمي تارو من إقليم تسوغارو. أتيت منذ عامين إلى إيدو وأتسكع هكذا كما ترى. هل لك أن تسمعني؟» ثم كما هو متوقع حكى عليه سيرته الذاتية حتى الآن بالتفصيل بنبرة صوت ناعسة. صرخ سابورو فجأة. «فهمت، فهمت» فاستيقظ جيروبيه من نعاسه بسبب تلك الصرخة المفاجئة. وفتح عينيه الغائمتين في شرود وسأل سابورو: «ماذا حدث؟» انتبه سابورو إلى أنه منتشي فشعر بالخجل. إن النشوة هي حقًا بَلْوَرة للكذب، لقد بذل جهده من أجل اتقاء الكذب عنوة ولكن السكر جعله يفشل. فقد ارتد عليه كبح جماح قلبه بتردد، فبات يائسًا سريعًا فترك العنان للسانه أن يكذب كذبة كبيرة لا يلق بالًا إلى تبعاتها. «إننا فنانون» وبعد أن كذب تلك الكذبة، ازداد حماس كذبه أخيرًا. «نحن ثلاثة أشقاء. ولقاؤنا اليوم هكذا لا يجعلنا نفترق حتى بعد الموت. ومن المؤكد أن فرصتنا ستأتي لنسود العالم. إنني فنان. دعونا نكتب قصة حياة تارو الساحر، وبعد ذلك قصة حياة جيروبيه المارق، ثم بعد ذلك قصة حياتي المتعجرفة، ونرسلها لهذا العالم نماذج مثالية ثلاثة لطريقة عيش هذه الحياة. هل هناك مانع؟» ومن هذه النقطة وصل توهج كذب سابورو الكاذب إلى أقصى نقطة له. «نحن فنانون! لا نخاف حتى الملوك والأمراء. والمال بالنسبة لنا كأوراق الشجر لا قيمة له!»


 



[1] يُسمى أول ابن ذكر للأسرة تارو بمعنى الابن الأكبر أو إيتشيرو بمعنى الابن الأول، والابن الثاني يُسمى جيرو والثالث سابورو والرابع شيرو والخامس غورو وهكذا حتى جورو الابن العاشر وما بعده /المترجم

[2] جيروبيه أحد التنويعات على اسم جيرو الذي يعني الابن الثاني، انظر أول هامش في هذه القصة /المترجم

[3] كناية عن أسطورة يابانية تقول إن الإله يلقى بسهم ريش أبيض فيرشق السهم في بيت الفتاة التي اختارها لكي تُقدم قربانًا حيًّا له / المترجم

[4] سابورو باللغة اليابانية تعني الابن الثالث وغالبًا ما يكون سابورو اسمًا لثالث الأطفال الذكور، انظر أول هامش في هذه القصة / المترجم

الثلاثاء، 22 يونيو 2021

ملخص الحقول الذابلة تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة: ميسرة عفيفي

 

ملخص الحقول الذابلة

 

تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا

ترجمة: ميسرة عفيفي

 

«دعا باشو، جوسو وكيوراي، وتحدّث إليهما عن الأرق الذي أصابه ليلة أمس بسبب فكرة طارئة، فنادى على دونشو وأملاها عليه، وطلب من الجميع أن يقرأها:

مريض في ترحالي، فأسرعت أحلامي، تجول في الحقول الذابلة»

يوميات محل بيع الزهور

 

عصر اليوم الثاني عشر من الشهر العاشر في العام السابع من عصر غِنروكو. أغرت السماء التي احترقت لوقت قليل بوهج الصباح، عيني تاجر أوساكا بالنظر إلى الجهة الأخرى من سطح القرميد البعيد مظنة أن المطر سيهطل كما هطل أمس هطولاً متقطعاً، ولكن لحسن الحظ ما من أمطار لدرجة انبعاث دخان من أغصان شجر الصفصاف التي تهتز أوراقها. ومع الغيوم أضحت السماء أخيراً منيرة إنارة خافتة فغدا الظهر شتائيّاً هادئاً. حتى مياه النهر الذي ينساب انسياباً عادياً بين بيوت المدينة المتراصة جنباً إلى جنب، أطفأت لمعانها اليوم بغموض، مما يجعلك تظن أن لونَ نفايات البصل الأخضر الطافية في تلك المياه بارد. ناهيك عن شرود ذهن المارين على الضفة وهم يضعون غطاءً على رؤوسهم، ويلبسون حذاءً جلديّاً، وكأنهم جميعا في غمرة نسيان هبوب رياح الشتاء الباردة. ألوان ستائر المحلات، وحركة مرور العربات، وصوت آلة الشاميسن الآتية من مسرح العرائس البعيد، كل ذلك يحمي في سكون ظهيرة يوم شتائي هادئ وخافت الإضاءة لدرجة لا تحرك تراب المدينة المتراكم فوق زينة الجسر. ...

في ذلك الوقت، في الغرفة الخلفية لمحل بيع الزهور نيزائمون في حي كيوتارو الجنوبي لبلدة ميدوماى، كان باشو ماتسوو الذي يُبجل بصفته المعلم الأكبر لشعر الهايكو، يحتضر في هدوء «كنارٍ تبرد تحت الرماد» بعد حياة بلغت أحداً وخمسين عاماً، محاطاً برعاية تلاميذه الذين تجمعوا من كل أنحاء البلاد. يقترب الوقت من الساعة الرابعة عصراً. أُزيلت الحواجز والأبواب التي بين الغرف فاتسعت الغرفة اتساعاً بالغاً ليرتفع بخور عطري حُرق لتوه عند الوسادة في خيط رفيع. وتحجز الأبواب الورقية الجديدة الشتاء عند حافة الحديقة، ولكن ظلال لونها تخلق ظلاماً يجعل البرودة تخترق العظام. رقد باشو في وحدة تامة ووسادته في اتجاه ذلك الباب الورقي، ويحيط به: أولاً الطبيب موكوستسو، الذي وضع يده تحت الغطاء ليجس نبضه المضطرب بجبين مقضّب. ولا شك أن من يجلس خلفه منكمشاً وما ينفك يسبّح باسم بوذا في صوت خافت، هو الخادم العجوز جيروبيه الذي جاء معه خصيصاً من مدينة إيغا. وهنا أيضاً لا تخطئ العين كيكاكو الذي يجلس بجوار موكوستسو بجسده البدين المتين وقد انتفخ جيب الكيمونو الحريري بسخاء يراقب وضع المعلم الصحي مع كيوراي مهيب الطلعة الذي يرتدي كيمونو أسود اللون. وخلف كيكاكو، يجلس جوسو جلسة الراهب المتمرس واضعاً في رسخه سبحة من خشب الجميز، وبجواره أوتوكوني الذي بات لا يحتمل حزنه الجياش فلا ينقطع النشيج الصادر من أنفه. ويتأمله بنظرات اشمئزاز الراهب إينن قصير القامة الذي يرتدي رداء رهبان أسود عتيق مرقع الأكمام وقد أشاح ذقنه في غلظة، وهو يشترك في الجلوس بجوار موكوستسو مع شيقو ذي الطباع الشرسة والبشرة السمراء. ويحيط بفراش المعلم عدد آخر من التلاميذ يجلسون يميناً ويساراً في هدوء تام لا يند عنهم جميعاً نفس واحد، تملؤهم حسرة لا حدود لها على فراقه. والشخص الوحيد الذي يتسرب منه صوت النحيب هو سيشو القابع في ركن الغرفة يكاد يكون جاثياً تماماً فوق حصير التاتامي. ولكن صمت الغرفة الباردة قليلاً لجم ذلك النحيب، فلم يصدر صوت يشوش على رائحة البخور الخافتة عند الوسادة.

ألقى باشو وصية مضطربة منذ قليل بصوت مبحوح بسبب البلغم، ثم دخل في غيبوبة بعينين شاخصتين. نحفت عظام وجنتي الوجه المليء بالبقع الخفيفة فظهرت بارزة، وشحب لون شفتيه المحيطتين بالتجاعيد تماماً. وما يثير الألم أكثر هو لون تنيك العينين إذ انبعث منهما شعاع شارد ينظر بلا طائل إلى مكان بعيد وكأنه يتأمل السماء الباردة برودة لا حد لها على الجانب الآخر من السقف. «مريض في ترحالي، فأسرعت أحلامي، تجول في الحقول الذابلة» هكذا بالضبط كما رثى نفسه بنفسه بذلك الهايكو قبل ثلاثة أو أربعة أيام، وسط تلك النظرات التي بلا ضابط ولا رابط، ربما كان الشفق وقتها يطفو كالحلم في الحقول الذابلة ذات الاتساع اللانهائي وقد انعدم أي ضوء للقمر.

التفت موكوستسو أخيراً إلى جيروبيه الجالس خلفه ثم قال له في هدوء:

-        أحضر الماء.

وكان ذلك الخادم العجوز قد أعد من قبل كوباً من الماء مع عود ينتهي بريشة. رصهما الخادم بوجل على مقربة من وسادة سيده، ثم وكأنه تذكر فجأة عاد للتسبيح بتركيز باسم بوذا المقدس. وربما السبب في ذلك أن قلب جيروبيه البسيط الذي نشأ في بيت جبلي، قد رسخ في جذوره إيمان لا يتزعزع بوجوب تضرع الجميع - سواء باشو أو غيره - إلى بوذا بمساواة عند الانتقال إلى حالة النيرڤانا بمساواة.

على الجانب الآخر، في لحظة نطق الطبيب موكوستسو بكلمة «أحضر الماء»، وقع في براثن شكه الدائم الذي يجعله يتساءل: هل استنفد حقاً كل الوسائل والطرق المتاحة له؟ ولكنه على الفور شعر بالرغبة في تشجيع نفسه فنظر إلى كيكاكو الجالس بجواره، وأعطاه إشارة صامتة. انبعث في تلك اللحظة التوتر سريعاً في قلوب جميع المتحلقين حول فراش باشو لإحساسهم باقتراب الأجل. ولا خلاف أنهم شعروا – قبل وبعد لحظة الشعور بذلك التوتر – بما يشبه الاطمئنان، أي أنهم شعروا بنوع من الاسترخاء لأن ما يجب أن يأتي قد أتى أخيراً. ولكن بسبب طبيعته المريبة لم يحاول أي منهم الاعتراف بذلك الوعي داخله. حتى أن كيكاكو وهو أكثر الحاضرين واقعية، والذي كان يتبادل النظرات من حين لآخر مع موكوستسو، عندما قرأ بريبة نفس المشاعر في عينه، لم يحتمل الإحساس بالفزع. فأشاح عينيه جانباً وأخذ منه الريشة، وحيّا كيوراي المجاور له بقوله:

-        حسناً، اسمح لي بالسبق.

ثم غمس تلك الريشة في كوب الماء ولوي ركبته السميكة وألقى نظرة عميقة على وجه معلمه في لحظة احتضاره. وإن تحدثنا بصدق فلا يعني ذلك عدم تفكيره بما يشبه التوقّع أن لحظة فراقه مع أستاذه في هذه الدنيا ستكون مؤلمة حقاً قبل حدوثها. بيْد أنه لمّا أخذ في يده ماء الاحتضار أخيراً، خانت مشاعره الفعلية ذلك التوقع المسرحي تماماً فكانت صافية صفاءً بارداً. ليس هذا فقط، بل ما لم يتوقعه هو أن منظر معلمه المُريع في لحظة احتضاره وقد أمسى نحيلاً ذابلاً، جلداً على عظم حرفياً، أيقظ داخله مشاعر كراهية عنيفة لدرجة أنه لم يطق النظر إليه وأشاح وجهه بعيداً عنه. كلا، مجرد وصفها بالعنف فقط لا يكفي. إنها الكراهية الأصعب احتمالاً على الإطلاق، إذ يصل تأثيرها إلى الضرر بوظائف أعضاء الجسم كأنها سُمّ لا يُرى. تُرى هل سقطتْ كراهيته لكل أنواع القبح، على جسد معلمه المريض لسببٍ عارض وقتها؟ أم تُراه وهو المُلتذ «بالحياة» رأى في حقيقة «الموت» التي رُمِز لها هنا تهديداً طبيعيّاً يجب لعنه بشدة؟ في أي حال، شعر كيكاكو بنفور يصعب وصفه من وجه باشو وهو على شفا الموت، ولم يشعر بأي قدر من الحزن تقريباً، فانتهى من تبليل تلك الشفاه القرمزية الذابلة بالماء من خلال لمسة سريعة من الريشة ثم قضّب وجهه وتقهقر للخلف. ولاح على مشاعره لحظياً إحساس يشبه تأنيب الضمير بالضبط في الوقت الذي تقهقر فيه، ولكن يبدو أن الكراهية التي شعر بها آنفاً كانت أقوى من يضع اعتباراً لهذا الحس الأخلاقي.

بعد كيكاكو، أخذ الريشة كيوراي الذي بدا أنه فقد اتزان مشاعره بالفعل منذ أن أعطى موكوستسو إشارة البدء قبل قليل. انحنى كيوراي المتواضع عادةً، للحاضرين انحناءة خفيفة، ثم زحف مقترباً من وسادة باشو، ولكنه عندما تأمل وجه شاعر الهايكو العجوز الراقد هناك وقد ذبل جراء المرض، اضطر على كرهٍ منه أن يتذوق مشاعر عجيبة يختلط فيها الرضا بالندم. رضا وندم ينوءان بحمل الذرائع والأسباب التي لا تنفصل عن بعضها البعض كالضوء والظلال، والواقع أنه لم يتوقف، وهو الجبان صاحب القلب الضعيف، عن الاضطراب والقلق منذ أربعة أو خمسة أيام. فهو لم يكسل عن تمريض معلمه يوماً واحداً منذ أن وصله نبأ مرضه بمرض الموت فركب على الفور مركباً من مدينة فوشيمي ثم طرق باب محل بيع الزهور هذا غير مبالٍ بتأخر الوقت ليلاً. فبعد أن طلب من شيدو توفير الخدم، قام هو وحده تقريباً بكل أمور الرعاية الواجبة، كأن يرسل إلى معبد سوميوشي من يُدعو له للشفاء من مرضه، وكأن يستشير نيزائمون بائع الزهور لشراء ما يلزم من أدوات وتجهيزات. وكل ذلك بالطبع بمبادرة شخصية من كيوراي نفسه، فالحقيقة أنه ليس لديه أي نية البتة في تحميل ذلك الجميل لأحد. ولكن وعيه الذاتي بانغماسه الكامل وحده في رعاية وتمريض أستاذه، نثر بذور كبيرة للرضا في أعماق قلبه. ولم يكن يعي بهذا الرضا وسط المشاعر الدافئة التي امتدت في خلفية نشاطه، ويبدو أنه من الأصل لم يشعر بأي حاجة له في حياته اليومية. وإن لم يكن الأمر كذلك، لم يكن ليقضي وقتاً طويلاً ساهراً تحت ضوء المصباح غارقاً مع شيقو في أحاديث متفرقة يبوح فيها عمّا في داخله من أفكار، متعمداً شرح فضيلة البر، وأنه يخدم معلمه كما لو أنه يبر بوالده. ولكنه لحظة أن لمح ابتسامة ساخرة تلمع على وجه شيقو سيئ الطباع، أدرك خللاً مفاجئاً في التوافق الذي وجد حتى تلك اللحظة. ثم اكتشف أن سبب الخلل هو وجود ذلك الرضا عن النفس الذي لاحظه لأول مرة وتقييمه الذاتي له. إنه يمرّض معلمه في مرضٍ قد يؤدي بحياته ربما غداً، فينظر إليه بعين راضية عمّا بذله من جهد في تمريضه وليس بعين جزعة على حالته الصحية. وبالتأكيد هذا يؤنب ضمير إنسان صادق مثله ولا شك. وبسبب التناقض بين الرضا والندم بدأ كيوراي منذ ذلك الحين يشعر تلقائياً بقيد في كل ما يفعله. وفي اللحظة التي يرى فيها صدفة داخل عيني شيقو وجههاً مبتسماً، وعيه الذاتي بذلك الرضا يزداد وضوحاً فتكون النتيجة في النهاية هي إحساسه بالخزي تجاه وضاعته. استمر ذلك لعدة أيام متواصلة، واليوم أمام مثل هذا التناقض النفسي كان اضطرابه، وهو الموسوس أخلاقيّاً وذو الأعصاب الحساسة على غير المتوقع، عند تقديم ماء الاحتضار لمعلمه، أمر يؤسف له ولكن لا حيلة فيه. ولذلك لحظة إمساك كيوراي بالريشة تصلّب جسمه كله صلابة مريبة، واجتاحه هياج غير طبيعي لدرجة أن طرف الريشة الأبيض المحتوي على الماء، اهتز عدة مرات وهو يلمس شفتي باشو. ولكن لحسن الحظ رافق ذلك أن تجمعت قطرات دموع في رموش عينيه، فعلى الأرجح أن جميع التلاميذ الناظرين إليه، حتى شيقو شديد القسوة ذاته، فسروا ذلك الهياج بأنه نتيجة حتمية لحزنه الشديد.

وأخيراً رفع كيوراي كتفي ردائه مرة أخرى، وعاد إلى مكانه متوجساً، ثم سلّم الريشة إلى جوسو الجالس خلفه. ولا ريب أن هيئة هذا التلميذ المخلص في المعتاد وقد نكّس رأسه متمتماً داخل فمه بصلاة هامسة، وهو يبلل في هدوء شفتي معلمه قد انعكست هيبة وجلالاً في عيون الجميع. ولكن في لحظة الهيبة تلك سُمع فجأة صوت ضحكة مريبة من أحد أركان الغرفة. كلا، على الأقل يُعتقد أنه سُمعت في ذلك الوقت. كان صوتاً يشبه قهقهة صاخبة ترتفع من قاع البطن ومع احتجاز الحنجرة والشفاه لها، إلا أنها لم تقدر على تحمل الفكاهة، فانفجرت خارجة من فتحي الأنف خروجاً متقطعاً. ولكن، لا داعي بالتأكيد للقول إن لا أحد في هذه الحالة قد أفلتت من فمه الضحكات. إن الصوت في الواقع هو نحيب مكتوم بأقصى درجات الكتمان لسيشو الذي حيرته دموعه منذ برهة، فشقّت صدره وانفجر نحيبه. وبالطبع لا خلاف على أن ذلك النحيب وصل لأقصى درجات الحزن. وربما أغلب تلاميذ باشو تذكروا شعر أستاذهم الشهير: «حرّك الجثوة، صوت بكائي، قبض الريح». ولكن إزاء ذلك النحيب الرهيب، لم يستطع أوتوكوني وهو على وشك أن تختنق عبراته أيضاً، إلا أن يشعر بالاستياء قليلاً، بسبب المبالغة فيه، وإن لم يكن ذلك وصفاً لطيفاً، فبسبب نقص قوة الإرادة التي يجب أن تسيطر عليه. إلا أن طبيعة ذلك الاستياء، على الأرجح ليس إلا مجرد شيئاً فكريّاً محضاً. وفي نهاية المطاف امتلأت عيناه بالدموع، إذ تأثر قلبه على الفور بصوت نحيب سيشو الحزين على الرغم من رفض عقله له. ومع ذلك لم يتغير إحساسه بالاستياء من نحيب سيشو، ناهيك عن عدم شجاعة دموعه شخصيّاً. بل سالت دموع أوتوكوني أكثر، وفي النهاية بكى بنشيج عفويّ ويديه فوق ركبتيه. ولم يكن أوتوكوني هو الوحيد وقتها الذي تسربت منه بوادر النشيج والنحيب. بل سُمع في نفس الوقت تقريباً نشيجاً متقطعاً للأنوف يهز هواء الغرفة المغلف بالحزن، من عدد من التلاميذ المتحلقين حول فراش باشو.

وأثناء الأصوات الحزينة المؤلمة تلك، عاد جوسو الذي وضع في رسخه مسبحة خشب الجميز إلى مكانه الأصلي بهدوء، ثم تقدم شيقو الجالس في مواجهة كيكاكو وكيوراي مقترباً من الوسادة. ولكن يبدو أن شيقو المعروف بسخريته لم تغره مشاعر المحيطين لكي يكون عصبيّاً وحساساً بحيث يذرف دموعه بلا طائل. فعلت وجهه الأسمر كالمعتاد ملامح استغباء الآخرين كالمعتاد، وأظهر وهو يبلل شفتي المعلم بعشوائية غطرسة مريبة كالمعتاد أيضاً. ولكن لا خلاف على أنه في موقفٍ مثل هذا حتى هو تأثر إلى حد ما بالطبع.

جمجمة في العراء، قلب في الرياح، تُرى هل الجسم ارتاح!

كان معلمه يكرر منذ بضعة أيام شكرهم بقوله: «منذ زمن، وأنا أفكرُ أنني سأموت مفترشاً الحشائش ووسادتي التراب، ولكن ما يسعدني أكثر من أي شيء آخر هو قدرتي على تحقيق أمنية الرحيل للأرض الطاهرة فوق هذا الفراش الجميل» ولكن من المؤكد أن الأمر لا يختلف كثيراً سواء كان في هذه الغرفة الخلفية لمحل بيع الزهور، أو في منتصف الحقول الذابلة. وواقعياً ها هو الذي يُبلل فمه الآن، ظل قلقاً قبل ثلاثة أو أربعة أيام لعدم تأليفه هايكو لشكر المعلم. ثم وضع أمس خطة لجمع أشعار المعلم بعد رحيله. وها هو اليوم في النهاية، يتأمل معلمه الذي يقترب مع كل لحظة من الموت، بعيون فاحصة وكأنه يحمل عناية خاصة بتلك المراحل. لو تقدمنا للأمام خطوة وفكرنا بسخرية نستطيع أن نقول إنه ربما توقّع خلف هذا التأمل حتى الجملة التي سيكتبها بنفسه فيما بعد في «تسجيل وقائع الموت». في هذه الحالة فإن ما سيطر على عقله تماماً أثناء رعايته للمعلم في أواخر حياته، أمور ليس لها أي علاقة مباشرة بموته مثل سمعته بين مدارس الشعر الأخرى، ومصالح التلاميذ المتضاربة، أو اهتماماته هو شخصياً. ولذلك يمكن القول إن المعلم يموت مهملاً في الحقول الذابلة كما توقع بشجاعة في الكثير من أشعاره. فتلاميذه لا ينعون معلمهم في نهاية حياته بل ينعون أنفسهم لفقدهم المعلم. لا يأسون على القائد الذي يعاني من عذاب الموت في الحقول الذابلة، بل يأسون على أنفسهم لأنهم فقدوا القائد في حلكة الظلام. ولكن مهما انتقدنا ذلك من الناحية الأخلاقية، فما العمل في البشر الذين خُلقوا من الأصل بلا مشاعر؟ ومع غرقه في مثل هذه المشاعر المتشائمة، وهو البارع حقاً في الغرق فيها، انتهى شيقو من تبليل شفتي أستاذه، وأعاد الريشة إلى مكانها الأصلي في الكوب، ثم دار ببصره على التلاميذ الذين ينتحبون بالدموع في نظرات حادة وكأنه يسخر منهم، فوقف وعاد إلى مقعده ببطء شديد. تعرُّض رجل طيب السريرة مثل كيوراي لهذا التعامل البارد منذ البداية جدد لديه قلقه السابق مرة أخرى. ويبدو أن إحساس كيكاكو بانزعاج قليل من طبيعة تصرفات شيقو تلك إذ يحاول إنجاز كل شيء بوقاحة هو سبب ظهور ملامح دغدغة على وجهه بمفرده.

بعد شيقو، زحف الراهب إينن مسافة قصيرة ساحباً أطراف رداء الرهبنة الأسود فوق حصير التاتامي، وأجل باشو يقترب حثيثاً. شحب وجهه أكثر من ذي قبل، وكأنه قد نسى التنفس، تتسرب أنفاس من حين لآخر من بين الشفتين اللتين بللهما الماء. تتحرك حنجرته حركة كبيرة وكأنها تذكرت عملها، فيمر خلالها هواء بلا حول ولا قوة. وفي عمق تلك الحنجرة، يتردد صدى خافت للبلغم مرتين أو ثلاث مرات. ويبدو أن التنفس بات هادئاً تدريجيّاً. أوشك الراهب إينن لمس الشفتين بطرف الريشة الأبيض، فبدأ يجتاحه فجأة رعب لا علاقة بالحزن على فراق الموت. إنه رعب بلا سبب تقريباً جعله يسأل: أليس هو التالي بعد المعلم؟ حتى وإن كان بلا سبب، ولكنه إذ بدأ ذلك الرعب يجتاحه مرة، فما من حيلة تجعله يصبر أو يقاوم. إنه في الأصل إنسان يرتعد قلبه رعباً عند ذكر الموت. ومنذ زمن بعيد يشعر برعب هائل يجعل العرق ينز من جسده كله عندما يفكر في لحظة موته، وحدث له ذلك حتى وقت ترحاله لصقل حِسّه الشعري. ولذا عندما يسمع بموت أحد، يطمئن أن الموت لم يختاره. وفي نفس الوقت، يشعر بالقلق من جهة أخرى، وهو يتساءل ماذا سيحدث عندما يموت؟ ولم تكن حالة باشو استثناء، أثناء ما كان الاحتضار بعيداً، حيث تنصب أشعة شمس الشتاء المشرقة على الباب الورقي، وتفوح رائحة النرجس النقية التي ترسلها سونوميه تلميذة باشو، ويتجمعون حول فراش معلمهم لتأليف هايكو يواسون به المعلم في مرضه، كان وقتها يتسكع تدريجيّاً بلا هدف بين فراغ هذين النوعين من المشاعر كالنور والظلام. ولكن، عند اقتراب النهاية شيئاً فشيئاً – في يوم لا يُنسى بدأ فيه مطر الشتاء – عندما رأى معلمه غير قادر على أكل حتى ثمار الكمثرى التي يحبها كثيراً، وأمال موكوستسو عنقه في قلق، منذ ذلك الوقت وقعت الطمأنينة في فخ القلق، وفي النهاية نشر ذلك القلق ببرودة خفيفة ظل الرعب الخطير فوق قلبه، رعبه من احتمالية موته هو في المرة القادمة. ولذلك جلس عند الوسادة، تطارده لعنة ذلك الرعب وهو يبلل شفتي أستاذه باجتهاد، فلم يستطع تقريباً النظر مباشرة إلى وجه باشو في لحظات الاحتضار. كلا، بل نظر مباشرة مرة واحدة فقط، وفي تلك اللحظة بالضبط سمع صوتاً خافتاً لانسداد حنجرة باشو من البلغم، فأدى ذلك إلى رِدّته عن الشجاعة التي واتته موّقتاً. «ربما أنا مَن يموت بعد المعلم» انكمش الراهب إينن بجسده الصغير خوفاً وهو يسمع ذلك الصوت النبوءة في أعماق أذنيه بلا انقطاع حتى بعد أن عاد إلى مكانه، فجعل وجهه العابس أكثر عبوساً، ونظر فقط لأعلى لكيلا يشاهد بقدر المستطاع وجه أي من الحاضرين.

ثم بلل تلاميذ المعلم المحيطون بفراش المرض شفتي معلمهم بالترتيب، أوتوكوني، سيشو، شيدو، وأخيراً موكوستسو. وأثناء ذلك كانت أنفاس باشو تذبل مع كل نفس وعددها ينخفض تدريجيّاً. والآن لم تعد الحنجرة تتحرك. تجمّدت ملامحه كلها في برودة إنسانية، وجه صغير يشبه الشمع مليء بالبقع الخفيفة، ومقلتان زائغتان شحب بريقهما تشخصان إلى مكان بعيد، ثم لحية بيضاء كالفضة امتدت حتى الفك السفلي، ويُعتقد أنه يرى أحلام الأرض الطاهرة المحتم عليه الذهاب إليها. في ذلك الوقت، بدا جوسو الذي حل محل كيوراي في مقعده، منكّس الرأس في صمت تام، جوسو راهب الزن المتمرس، بدأت تنساب داخل صدره ببطء مشاعر السكينة مع حزن لا حدود له وهو يتتبّع أنفاس باشو شديدة الخفوت. ولا داعي أصلاً لإضاعة الوقت في شرح مدى حزنه. كانت مشاعر السكينة تلك مشرقة لدرجة عجيبة، وكأنها ضوء فجر بارد يتمدد تدريجيّاً ليشق ظلام الليل. يُبعد في كل لحظة جميع أنواع الأفكار الدنيوية، بل حتى دموعه نفسها تتحول إلى حزن صافي بلا أدنى ألم يطعن القلب. تُرى هل فرح أن روح أستاذه تخطت مرحلة الموت والحياة ذات الأحلام العدمية، وعاد إلى أرض الجواهر في نيرڤانا أبدية؟ كلا، فهو نفسه لا يستطيع إثبات هذا السبب. لو كان الأمر كذلك ... آه، يا له من شخص متذبذب مشاكس، يحاول متعمداً أن يخدع نفسه بغباء. إن مشاعر السكينة تلك التي أحس بها جوسو، هي فرحة روحه الحرة التي خضعت عبثاً على مدى طويل لأغلال شخصية باشو القوية، التحرر الذي سيجعله قادراً على أن يمد أطرافه أخيراً من خلال قوته الحقيقية. ووسط تلك الفرحة الحزينة المشبعة بالنشوة، علت شفتيه ابتسامة خافتة وكأنه يزيل بها رفاقه المحيطين به الذين ينتحبون من مقلتيه، وصلى في مهابة وتبجيل وهو يسبّح بالمسبحة المصنوعة من خشب الجميز من أجل باشو المحتضر.

وهكذا لفظ باشو ماتسوو أعظم شعراء الهايكو على مر العصور، أنفاسه الأخيرة فجأة محاطاً «بحزن وأسى» لانهائيين من تلاميذه.

(سبتمبر 1918)

 

هامش 1: تغريدات للأستاذ عدي الحربش عن هذه القصة وعن الشاعر باشو ماتسوو هنا

هامش 2: مقالة للمؤلف ريونوسكيه أكوتاغاوا عن مراحل تأليفه للقصة هنا

 

الجمعة، 9 أبريل 2021

مراحل تطور الكتابة حتى يكتمل العمل تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا

 مراحل تطور الكتابة حتى يكتمل العمل

مثال: "قصة الحقول الذابلة"، "موت مسيحي"

 

 

تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا

ترجمة: ميسرة عفيفي

 

عندما أفكر في كتابة عمل، هناك عمل يسير في عدة منحنيات حتى يتكمل، وعمل يسير مباشرة نحو الاكتمال طبقا للخطة التي وضعتُها. على سبيل المثال أريد أن أكتب قنينة من الخزف، ولكن في غفلة من الزمن ينتج عن الكتابة قنينة من الحديد، وفي بعض الأحيان أفكر من البداية في كتابة قنينة من الخزف فينتج في النهاية قنينة من الخزف كما هي الخطة. ولكن حتى قنينة الخزف تلك، أفكر في أن تكون تعليقتها من الروطان، فتصبح التعليقة في النهاية من الخيزران. وإذا أعطيت أمثلة من أعمالي التي كتبتها، فقصة "راشومون" من النوع الأول، وقصتي "قصة الحقول الذابلة"، و"موت مسيحي" من النوع الأخير.

تصف قصة "قصة الحقول الذابلة" مشاعر تلاميذ الشيخ باشو؛ كيكاكو، وكيوراي وجوسو تجاه احتضار معلمهم الأكبر. وجعلتُ مراجعي عند كتابة تلك القصة كتاب "يوميات بائع الزهور" الذي كتبه باشو عند احتضاره، ويوميات الاحتضار التي كتبها تلاميذه مثل شيكاي وكيكاكو، كانت فكرتي أن أكتب عن الفترة من قبل موت باشو بأسبوعين وحتى موته. بالطبع عند كتابة هذه القصة كنتُ شخصيا أشعر إلى حد الألم بمشاعر التلميذ الذي يعيش فترة احتضار أستاذه. وفكرتُ أن أعبر عن مشاعري تلك على لسان تلاميذ باشو. ولكن أثناء كتابة صفحة أو صفحتين على هذا المنوال، ولكنني في ذلك الوقت بالضبط عرفت أن السيد "يكون نونامي" يكتب رواية (؟) مشابهة، ففقدتُ تماما حماسي لكتابة ما خططتُ له حتى الآن.

وهذه المرة، فكرتُ أن آخذُ لقطة نقل جثمان باشو على إحدى المراكب والصعود به إلى مقبرة فوشيمي، وأكتب عن مشاعر تلاميذ أثناء تلك الرحلة. وكان يفترض أن تُنشر تلك القصة في عدد مجلة "الرواية الجديدة" وقتها (سبتمبر 1918م)، ولكن لأنني غيرتُ الخطة الأصلية، لم أستطع الكتابة مهما فعلت حتى مع اقتراب آخر موعد حُدد لي. فشعرتُ بالاكتئاب بعد أن جاء الموعد المحدد وأنا لم أفعل خلال تلك الفترة إلا إضاعة أوراق الكتابة بلا طائل. كان محرر مجلة "الرواية الجديدة" هو السيد جيسوكيه نومورا محرر مجلة "الإنسان" الحالي، فلما رآني على هذه الحال لا أستطيع الكتابة، تعاطف معي تعاطفا شديدا، ومع أنه سيقع في مأزق حقيقي بسبب عدم تسليمي مسودة القصة، إلا أنه مدد لي الموعد بأريحية للنشر في عدد الشهر التالي من المجلة. بدأت الكتابة من أجل النشر في العدد التالي مباشرة، ولكن في ذلك الحين، اقتنى أحد معارفي "رسم باشو في النيرڤانا" وهي اللوحة التي كتبها بوسون. وكانت تلك اللوحة أكبر من "رسم باشو في النيرڤانا" التي رأيتها من قبل في معبد كيتاين في مدينة كاواغوي، علاوة على أن جودتها كانت أكثر متعة. وعند النظر إلى ذلك فلقد تغيرت خطتي مرة ثانية. وهنا، هذه المرة أخذت تلميحا من "رسم باشو في النيرڤانا"، وكتابة مشهد إحاطة تلاميذ باشو به حول فراش المرض، وأخيرا حققت الهدف الأول الذي وضعته.

ومن النادر جدا أن تدور القصة هكذا لتعود إلى أصلها، ففي الأغلب كانت عادتي التفكير قبل أن أمسك قلم الكتابة، وأكتب سائرا في طريقي كما فكرت فيه تماما.

وكلمة كانت عادتي تلك في حالة كتابة أعمال قصيرة على الأغلب، ولكن من بين الأعمال الطويلة التي أكتبها، يحدث كثيرا أثناء الكتابة أن تتطور أحداث العمل أو شخصياته فتختلف عن الخطة الموضوعة.

الكثير من البشر يسألون: لو كان الله هو الذي خلق العالم، فلماذا وُجد الشر ولماذا وُجد الحزن؟ ولكن ربما كان الأمر مثل رواياتي، أثناء خلق الله للعالم، تطور العالم من نفسه ولم يُخلق كما خُطط له.

بالطبع هذا مزاح، ولكن في حالة تطور الأحداث أو الشخصيات هكذا خلافا لما كنتُ أتوقع، لا أستطيع أن أقول بدون قيد أو شرط إن ذلك الاختلاف جعل العمل أفضل أو جعله أسوء. ولكن حتى لو كان هناك اختلاف، فهو اختلاف تقريبي، فلا يمكن أن أنوي كتابة فرس فيصبح فرس النبي. ولكن الاختلاف بدرجة أن يصبح بقرة أو خروف. ولكن عندما يكون الابتعاد عن المسار الأصلي كبيرا، أصل أثناء الكتابة إلى أفكار متنوعة، لذا يكون الاختلاف كبيرا. على سبيل المثال القصة التي بعنوان "موت مسيحي"، تدور الحبكة عن امرأة مسيحية في الماضي أصبحت رجلا، وتلاقي مشاق عديدة. وبعد أن تحملت وصبرت على تلك المشاق، تموت، وعندما ماتت يُعرف أنها امرأة للمرة الأولى. يحدث حريق في نهاية تلك القصة. في البداية لم يكن في نيتي كتابة مشهد هذا الحريق بتاتا، بل كانت خطتي أن يمرض البطل بمرض ما ويموت في هدوء. ولكن أثناء الكتابة طرأ على ذهني مشهد الحريق ذلك فكتبته. ومع ذلك ثمة شك؛ هل كان مشهد الحريق جيد أم سيئ؟

 

(مارس 1920م)

الاثنين، 1 مارس 2021

معضلات الترجمة

فيه حرف في اللغة اليابانية اسمه "نو" ينطق بدون مد نو

no

هو حرف الملكية والانتساب في اللغة اليابانية.

يعني لو وضعناه بين اسمين يدل على ملكية أو انتساب أحدهما للآخر.

مثال: نضعه بين أنا وقلم يصبح قلمي

واتاشي نو بِن

私のペン

watashi no pen

أي القلم الذي أملكه القلم بتاعي أو متاعي أو ديالي أو حقي إلخ

ولو وضعناه بين أنا ووطن يصبح وطني

واتاشي نو كوني

أي الوطن الذي أنتمي إليه أو أنتسب إليه

私の国

watashi no kuni

حلو الكلام دا.

المشكلة لو عكسنا الاسمين.

سيحدث أمر غريب وعجيب

بِن نو واتاشي

ペンの私

pen no watashi

أو

كوني نو واتاشي

国の私

kuni no watashi

هنا صعب يكون المعنى القلم الذي يملكني أو الوطن الذي ينتسب إليّ أو ينتمي إليّ (طبعا في الفانتازيا كل شيء ممكن ولكن أنا أتحدث عن المنطلق الطبيعي للغة)

المعنى المراد هو الانتماء العكسي بمعنى أنا الذي أنتمي للقلم أو أنا ناتج القلم أو أنا وليد هذا القلم بالبلدي لو ما كانش القلم ما كنتش أنا.

وهذا كان مراد الأديب الياباني ياسوناري كاواباتا أول أديب ياباني يفوز بجائزة نوبل من عنوان المحاضرة التي ألقاها في الأكاديمية السويدية بمناسبة تسلمه الجائزة.

كانت المحاضرة بعنوان أوتسوكوشيي نيهون نو واتاشي

美しい日本の私

utsukushii nihon no watashi

أوتسوكوشيي يعني جميل ونيهون يعني اليابان ونو الحرف بتاعنا وواتاشي يعني أنا.

هنا المثال تعقد قليلا لأنه أضاف صفة جميل أو بمعنى أصح جميلة إلى الاسم الأول اليابان فأصبح المعني المراد أنا الذي أنتمي لليابان الجميلة أو أنا ناتج اليابان الجميلة: لو ما كانتش اليابان الجميلة ماكنتش أنا. وهنا كاواباتا يريد أن يعرف العالم الذي اشتهر فيه أنه أديب الجمال والأسلوب الجميل الشاعري أن اليابان الجميلة هي التي أنتجته وأنه ينتمي إليها في أدبه وفي أسلوبه.

لو نظرنا إلى موقع جائزة نوبل سنجد ترجمة لمحاضرة كاواباتا باللغة الإنجليزية. ولكنهم ترجموا العنوان

Japan, the Beautiful and Myself

وهو ما تُرجم إلى اللغة العربية: اليابان الجميلة وأنا

طبعا حرف العطف موجود في اللغة اليابان وهو حرف تو ينطق بدون مد وكما هو معروف حرف العطف لا فرق إن جاءت اليابان الجميلة أولا أو أنا أولا فقط مجرد الأهمية للمتقدم ولو كان كاواباتا الأديب الحاصل على نوبل يريد العطف لاستخدم حرف العطف الياباني تو، ثم قدم اليابان أو قدم نفسه حسب ما يريد إعطائه الأهمية ولكنه كان يريد ما سبق شرحه وما يجعل المترجم حائر في اختيار ترجمة لحرف جر مجرد أن قلبت الاسمين الأول والأخير يتغير المعني بهذا الشكل.

ما حثني على كتابة هذا الكلام هو أنني انتهيت من ترجمة قصة قصيرة للأديب كِنزابرو أويه كتبها عام 1958 أي قبل عشر سنوات من محاضرة كاواباتا واستخدم في عنوانها نفس الأسلوب بأن كتب معركة ثم حرف نو ثم اليوم.

تاتاكاي نو كيو

戦いの今日

tatakai no kyo

وهو هنا لا يريد معني معركة اليوم أي معركة النهاردة ولا يوم المعركة ولا اليوم والمعركة ولا المعركة واليوم.

ولكنه يريد المعنى الذي شرحته وهو أن اليوم أي النهاردة ناتج عن المعركة أو وليد المعركة بمعنى لو لم تكن المعركة لما كان اليوم. كل ده في اسمين وبينهم حرف جر يدل على الانتساب. أنا فكرت في ترجمتين للعنوان الأول تمخضت المعركة فكان اليوم والثاني اليوم يوم المعركة.

بالمناسبة كما هو معروف كِنزابرو أويه هو ثاني أديب ياباني يحصل على جائزة نوبل بعد ربع قرن من حصول كاواباتا عليها. وعند إلقاء أويه محاضرته عند تسلم الجائزة استخدم نفس الأسلوب واستعار عنوان كاواباتا بعد أن غير فيه كلمة واحدة فقط هي الصفة جعلها من جميلة إلى غامضة

أيماينا نيهون نو واتاشي

曖昧な日本の私

aimaina nihon no watashi

وبعد ربع قرن ترجمت الأكاديمية السويدية نفس الترجمة وجعلت المحاضرة باللغة الإنجليزية بعنوان

Japan, The Ambiguous, and Myself

وترجم للغة العربية إلى اليابان الغامضة وأنا

ولكن هنا على النقيض من كاواباتا كان أويه يشرح للعالم سبب وجوده في ذلك المكان وسبب غموضه وغموض رواياته وهو أنه ناتج عن اليابان الغامضة التي نشأ فيها على العكس من كاواباتا. فهو قد نشأ واليابان في مرحلة من الإبهام والغموض في كل شيء بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، فلا تدري هل الإمبراطور إله أم إنسان، هل يحكم أم لا يحكم، هل اليابان رأسمالية أم اشتراكية، هل هي ديمقراطية أو دكتاتورية؟ وغيرها من الأمور الغامضة المبهمة التي تكتنف الأوضاع في اليابان في الفترة التي نشأ فيها أويه وتربى.

الجمعة، 19 فبراير 2021

رسالة إلى صديق ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة: ميسرة عفيفي

 

رسالة إلى صديق

ريونوسكيه أكوتاغاوا

ترجمة: ميسرة عفيفي

 

لم يكتب أحد من المنتحرين حتى الآن عن حالته النفسية وقت انتحاره. وعلى الأرجح أن ذلك بسبب كبرياء المنتحر وعزة نفسه، أو ربما بسبب قلة اهتمامه شخصيًّا بالتحليل النفسي لذاته. وأريد أن أذكر لك بوضوح هذا التحليل النفسي في آخر رسائلي إليك. لا داعي أصلًا لأن أُبلغكَ بصفة خاصة عن دوافع انتحاري. لقد كتب هنري رينيه في إحدى قصصه القصيرة عن منتحر. وفيها لا يعرف بطل القصة نفسه سبب انتحاره. ويمكنك أن تكتشف دوافع متنوعة للانتحار من صفحة الحوادث في الجرائد مثل صعوبة المعيشة أو المعاناة من المرض أو المعاناة النفسية. ولكن من خلال خبرتي ليس هذه هي الدوافع كلها. ليس هذا فقط، فغالبًا هي تشير فقط إلى معالم الطريق إلى الدافع وليس الدافع نفسه. وعلى الأرجح أن المنتحر ذاته كما وصفه رينيه لا يدري غالبًا لماذا ينتحر. يحتوي الانتحار مثل كل أفعالنا على دوافع معقّدة. ولكن على الأقل في حالتي أنا هو مجرد قلق غامض. قلق غامض تجاه المستقبل. ومن المؤكد أنك لن تصدق كلامي هذا. وأنا لا ألومك على ذلك لأن خبرتي خلال عشرة سنين علّمتني أن كلماتي تلك سوف تذهب أدراج الرياح ما لم يكن سامعها يعيش في نفس البيئة التي أعيشها ويحيط به نفس البشر الذين يحيطون بي.

لم أفكر إلا في الموت فحسب طوال العامين الماضيين. وهو الوقت الذي قرأت فيه ماينلندر بتعمّق شديد. لا ريب أن ماينلندر كان يصف معالم الطريق المتجه إلى الموت باستخدام كلمات تجريدية في منتهى البراعة. ولكن أريد أن يكون وصفي أكثر تحديدًا. ولن أجعل مشاعر التعاطف مع أسرتي  تقف عقبة في سبيل تحقيق ذلك مطلقًا. ومن المؤكد أنك ستصف ذلك بكلمة Inhuman (لا إنساني) وإذا تعلق الأمر باللاإنسانية، فأنا حقًا لا إنساني!

أنا ملزم أن أكتب كل شيء بصدق. (لقد شرحتُ معنى كلمة قلق غامض تجاه المستقبل. فعلت ذلك على الأغلب في قصة "حياة أحد الحمقى" بأقصى ما أستطيع. ولكنني تعمدتُ ألا أكتب في ذلك العمل الظروف الاجتماعية الخاصة بي، أي تأثير حقبة الحكم الإقطاعي في اليابان عليَّ. وسبب تعمدي عدم الكتابة عن ذلك لأننا نحن البشر ما زلنا حتى اليوم إلى حد ما تحت تأثير عصور الإقطاع. ولكنني حاولت الكتابة عن أفعالي وتصرفاتي أنا على الأغلب بغض النظر عن مسرح الأحداث والخلفية والأضواء والشخصيات التي تظهر على المسرح. وليس هذا فقط بل من المؤكد أن ثمة شك كبير أنني أنا نفسي أستطيع أن أدرك جيّدًا الظروف الاجتماعية و أنا في خضمها).

في البداية أول ما فكرت فيه كان؛ كيف أموت دون معاناة. والوسيلة المثلى لتحقيق ذلك هو الموت شنقًا. ولكنني عندما تخيلت منظري وأنا أموت شنقًا وجدتُ متسعًا من الرفاهية لكي أشعرُ بكراهية ذلك المنظر لعدم جماله. (أتذكر أنني أحببت فتاة، ولكني فقدت حبي لها فجأة عندما عرفت أن خطها في الكتابة رديء). وكذلك الموت غرقًا لن يؤدي الغرض لأنني أجيد السباحة. ليس هذا فقط بل حتى لو افترضنا تحقيق المعجزة، فالموت غرقًا أكثر عذابًا من الشنق. وهناك الموت دهسًا تحت عجلات قطار أو سيارة، ولكنه سيكون أكثر كراهية لي من الناحية الجمالية السابق ذكرها. وسيكون احتمالية فشلي كبيرة عند الموت بالمسدس أو بالسكين لأني يدي ستهتز. وأيضًا الموت من خلال القفز من فوق بناية عالية سيكون قبيح المنظر. ولهذه الأسباب قررت أن أموت باستخدام الأدوية. وعلى الأرجح أن الموت بالأدوية أكثر عذبًا من الموت شنقًا. ولكنه علاوة على عدم كونه كريه المنظر مثل الموت شنقًا فله أيضًا ميزة انعدام خطر النجاة. ولكن بالتأكيد الحصول على تلك الأدوية صعب بالنسبة لي. لقد قررت قرارًا حاسمًا أن أنتحر، فقررت استغلال كل فرصة للحصول على تلك الأدوية. وفي نفس الوقت أيضًا حاولت اكتساب معرفة بعلم السموم.

ثم فكرتُ بعد ذلك في مكان الانتحار. ستعتمد أسرتي على ما سأتركه لهم بعد موتي لكي تقيم عيشها. وتتكون تركتي من أرض بمساحة 330 مترًا مربعًا والبيت الذي عليها والحقوق الفكرية لمؤلفاتي، ومدخراتي في البنك التي تبلغ ألفي ينًّا يابانيًّا فقط. وشعرتُ بالعذاب من ألا يمكن بيع هذا البيت لو انتحرت فيه. وبالتالي شعرتُ بالغيرة من البرجوازيين الذين يملكون بيتًا آخر في الضواحي أو المنتجعات. قد تستغربَ كلامي هذا، بل حتى أنا أشعر الآن بالدهشة. ولكن عندما فكرتُ في الأمر في الحقيقة شعرتُ بالضيق الشديد. ولا يمكنني أن أتفادي هذا الضيق مطلقًا. ولكنني أريد أن أنتحر بحيث لا يرى أحد جثتي بقدر الإمكان إلا أسرتي فقط.

ولكن بعد أن اخترت الوسيلة زاد تعلّقي بالحياة نسبيًا. وبناء على ذلك ثمة حاجة إلى محفّز ليكون قاعدة انطلق منها إلى الموت. (إنني لا أؤمن كما يؤمن الغربيون أن الانتحار إثم أو شر. فعلى أرض الواقع بوذا في كتاب آغاما المقدس أيد انتحار أحد تلاميذه. وقد يقول علماء السوء الذين يبيعون علمهم للعامة بثمن بخس عن هذا التأييد إنه فقط في حالة "ضرورة قصوى" لا يمكن تفاديها. ولكن من وجهة نظر طرف محايد، حالة "الضرورة القصوى" تلك ليست هي حالة الطوارئ غير الطبيعية التي يجب أن يموت المرء فيها موتًا مأسويًّا وهو مكتوف الأيدي. إن كل منتحر ينتحر في حالة ضرورة قصوى بالنسبة له لا يمكنه تفاديها. وعلى العكس من ينتحر بجراءة قبل ذلك، يكون في منتهى الشجاعة). مهما قلنا فأفضل محفز مفيد هو المرأة. لقد عرض هاينريش فون كلايست قبل أن ينتحر، على أصدقائه مرات كثيرة أن يرافقوه في طريق (الرجال). وكذلك راسين عرض على موليير وبوالو أن يقذفوا معه في نهر السين. ولكنني لسوء حظي ليس لدي مثل هؤلاء الأصدقاء. فقررت أن أموت مع امرأة أعرفها. ولكن بات ذلك أمرًا لا أستطيع أن أستشير فيه واحدة منهن من أجلنا. وأثناء ذلك تولدت لدي ثقة بنفسي أنني أستطيع الموت بدون وجود محفّز. ولم يكن ذلك بسبب يأسي من العثور على من يموت معي. ولكن على العكس كان السبب أنني - أنا الذي بدأت تدريجيًّا أغدو عاطفيًّا - راعيتُ مشاعر زوجتي حتى وإن كنتُ سأفترق عنها بالموت. وفي الوقت نفسه عرفت أن انتحار شخص واحد أسهل من انتحار شخصين معًا. ولا شك كذلك أن هذا يُسهل الأمر من خلال حرية اختيار الوقت المناسب للانتحار.

آخر شيء هو كيفية الانتحار بمهارة دون أن تنتبه أسرتي. بعد تجهيزات لعدة أشهر وصلتُ إلى ثقة بالنفس في أي حال. (لا يمكنني أن أكتب تفاصيل ذلك من أجل الناس الذين يحملون تجاهي مشاعر طيبة. وفي الأصل حتى وإن كتبتُ التفاصيل هنا فمن المؤكد أنها لن تُشكّل تُهمة المساعدة على الانتحار قانونيًّا [لا أجد اسم تهمة أكثر إضحاكًا من هذه التهمة! تُرى إلى أي مدى سيزيد عدد المجرمين لو طُبق هذا القانون بحذافيره؟ الصيدليات، ومحلات بيع الأسلحة، وبائعي أمواس الحلاقة، حتى وإن قلنا إنهم "لا يعلمون"، فكلامنا نحن البشر ومشاعرنا ما لم تظهر إرادتنا، يجب أن تتلقى بعض الاتهام قل أو كثر. ليس هذا فقط بل إن المجتمع والقوانين ذاتها تساعد على الانتحار. وفي النهاية من المؤكد أن هؤلاء المجرمين لديهم قلوب طيبة بدرجة كبيرة]) انتهيت من تلك التجهيزات ببرود، وأنا الآن ألهو مع الموت فقط. وعلى الأرجح أن مشاعري بعد ذلك هي غالبًا نفس مشاعر ماينلندر.

إننا نحن البشر حيوانات بشرية، ولذا نخاف من الموت خوف غريزي حيواني. إن ما يُسمّى بقوة الحياة في الواقع لا يزيد عن مرادف للقوة الحيوانية. أنا أيضًا إنسان حيواني. ولكن عند النظر إلى مللي من الطعام فعلى الأرجح أنني أفقد القوة الحيوانية تدريجيًّا. إن ما أعيش فيه حاليًّا هو عالم الأعصاب المرضي الشفاف كالثلج. في الليلة الماضية كنتُ أتحدث مع إحدى العاهرات عن أجرتها (!) فشعرتُ حتى النخاع بالشفقة لنا نحن البشر الذين "نعيش من أجل أن نعيش". لو استطعنا أن نغرق في نوم أبدي مذعنين، حتى ولو لم يكن في ذلك سعادة فلا شك أنه سيكون سلامًا. ثمة شك في متى أستطيع الانتحار بشجاعة! ولكن في حالتي تلك دائمًا ما تكون الطبيعة أكثر جمالًا عن المعتاد. من المؤكد أنك ستضحك على تناقضي لأنني أحب جمال الطبيعة ومع ذلك أخطط لكي أنتحر. ولكن ذلك لأن جمال الطبيعة ينعكس في عيوني عند الاحتضار. لقد رأيت وأحببت بل وفهمت أكثر من الآخرين. وهذا وحده يجعلني وسط تراكم المعاناة والعذاب راضيًا إلى حد ما. أرجو منك أن تحتفظ بهذه الرسالة لديك ولا تنشرها لعدة أعوام بعد موتي. لأنه ربما لا يعدم الأمر أن أنتحر وكأنني قد متُ من مرض ما.

 

إضافة: لقد قرأت سيرة أمبادوقليس وشعرت إلى أي مدى قِدم الرغبة في أن يصبح الإنسان إلهًا. في حدود ما أعي فرسالتي هذه تهدف إلى عدم الرغبة في أن أكون إلهًا. كلا، بل أريد أن أكون أقل من الإنسان العادي. من المؤكد أنك تتذكر عندما تناقشنا قبل عشرين عامًا حول "أمبادوقليس جبل إتنا" تحت شجرة الزيزفون؟ لقد كنتُ وقتها أحد الذين يرغبون في أن يكونوا آلهة.

 

(مخطوطة وجدت بعد موت المؤلف يوليو 1927م)