الأحد، 20 أغسطس 2017

راشومون تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا

راشومون*
قصة
ريونوسكيه أكوتاغاوا

ترجمة: ميسرة عفيفي

في وقت غروب يوم من الأيام، كان تابعٌ لأحد الساموراي ينتظر توقف هطول المطر تحت بوابة راشومون.
ولا يوجد أحد تحت تلك البوابة الواسعة بخلاف ذلك الرجل. فقط تقف حشرة جندب خضراء على العامود الدائري الضخم الذي سقط طلاؤه الأحمر في أماكن متفرقة منه. ومن المفترض – بما أن بوابة راشومون تقع في طريق سوجاكو الرئيسة – وجود نساء يضعن على رؤوسهن قبعاتٍ من القش، أو رجال بقبعات تقليدية، يحتمون بالبوابة في انتظار توقف الأمطار. ولكن رغم كل هذا لا يوجد أحد بخلاف ذلك الرجل.
ويبدو أن سبب ذلك توالي الكثير من الكوارث على مدينة كيوتو خلال العامين أو الثلاثة أعوام الماضية، فقد توالت الزلازل والزوابع والحرائق والمجاعات. ولذا اضمحلت العاصمة سريعا. ولقد وصل الأمر – طبقا للمخطوطات القديمة – أن تماثيل بوذا ومقتنيات المعابد البوذية المصنوعة من الأخشاب كُسّرت ووُضعت أكواما في الطرقات كما هي بقشرتها الذهبية والفضية وطلائها الأحمر لتُباع حطبا يُستخدم في الوقود. وإذا كان ذلك مآل وسط العاصمة ذاتها، فحدّث ولا حرج عن إهمال بوابة راشومون وعدم تفكير أحد في ترميمها أو إعادة بنائها. وعندها واستغلالا لتلك الحالة المزرية التي صارت عليها البوابة سكنها المحتالون والمخادعون. ثم سكنها اللصوص وقطاع الطرق. وفي نهاية الأمر نشأت عادة التخلص من الجثث المجهولة التي لا يوجد من يستلمها بإلقائها فوق تلك البوابة. وعندما وصل الأمر إلى هذا الحد، أصبح الناس لا يحاولون الاقتراب من البوابة بعد غروب الشمس بسبب شعورهم بالامتعاض منها.
وعوضا عن ذلك تتجمع فوق البوابة أسرابُ غربان لا يدري أحد من أين تأتي. تتجمع تلك الغربان في الظهيرة على شكل دائرة في السماء تدور وتلف حول الزينة المعقوفة أعلى جانبي البوابة وهي تنعق بأعلى صوتها. وتبدو تلك الغربان واضحة بصفة خاصة وقت احمرار السماء فوق بوابة راشومون بسبب شمس المغيب، وكأنها حبات سمسم نُثرت في السماء. وتأتي تلك الغربان بالطبع لتلتقط بمناقرها لحم الجثث الملقاة أعلى البوابة. ... ولكن ربما بسبب تأخر الوقت لا يُرى غراب واحد اليوم. فقط تُشكل فضلات الغربان نقاطٍ بيضاءَ التصقت هنا وهناك بدرجات السُلّم الحجرية المتهالكة التي نبتت حشائش طويلة في شقوقها. جلس التابع على الطرف الأسفل من ردائه الرث أزرق اللون فوق أعلى درجة من درجات السلم الحجرية السبع، متأملا هطول المطر في شرود وهو يتحسس بيده بثرة كبيرة تكوّنت في خده الأيمن.
كتب المؤلف منذ قليل: "ينتظر التابع توقف هطول المطر". ولكن لم يكن لدى التابع ما يفعله حتى بعد توقف الأمطار. من المفترض أنه يجب عليه العودة إلى بيت سيده. ولكن ... كان سيده قد طرده من العمل منذ أربعة أو خمسة أيام. وكما كتب المؤلف عاليه، في ذلك الوقت كانت مدينة كيوتو قد اضمحلت بشكل لم يسبق له مثيل. وفي الواقع لم يكن طرد الساموراي لتابعه هذا الآن بعد أن خدمه لسنوات طوال إلا أثرا من آثار ذلك الاضمحلال. ولذلك قول "كان التابع الذي أحاطت به الأمطار تائها محتارا لا يجد مكانا يذهب إليه" أكثر تعبيرا عن الموقف من قول "ينتظر التابع توقف هطول المطر". وفوق ذلك أثّر طقس اليوم كثيرا على مشاعر تابع عصر هييان هذا. فلا توجد أية ملامح لاقتراب توقف الأمطار التي بدأت تهطل من بعد الظهيرة. وهنا أخذ التابع يستمع بلا إنصات إلى صوت هزيم الأمطار التي تهطل على طريق سوجاكو الكبيرة منذ فترة وهو مستمر في تفكيره الذي لا ينضب عن كيفية تدبيره لمعيشته – وهو الأمر الذي ليس بيده حيلة تجاهه – بداية من اليوم التالي الذي سيأتي على الرغم من أي شيء.
كانت الأمطار تدق بوابة راشومون، جالبة صوت وقعٍ صاخب مجمعة إياه من أماكن بعيدة. ويُخفض ظلام المساء تدريجيا سقف السماء، وإذا نظرنا عاليا، سنجد سقف البوابة يسند غيوم ثقيلة ومظلمة خلف القرميد البارز بميل.
لا يوجد أمام التابع متسع لاختيار وسيلة تدبير ما لا حيلة في تدبيره. إن حاول الاختيار فلن يكون مصيره إلا الموت جوعا أسفل قناة مجاري أو فوق أرض طرقات المدينة. ثم يُجلب ليُلقى به فوق بوابة راشومون مثل كلبٍ ضال. ولكن إن لم يقم بالاختيار؟ ... وصل التابع أخيرا في نهاية تخبّط أفكاره في نفس الطريق إلى تلك العقدة. ولكن كلمة "إن" كانت في كل مرة تظل كما هي "إن" فقط. فمع اقتناعه بعدم اختيار الوسيلة، ولكن لا تواتيه الشجاعة اللازمة لتسوية حالة "إن" تلك، بشكل إيجابي، ليقول جملة "لا مفر غير أن أصبح لصا" التي ينبغي أن تأتي بعدها.
عطس التابع عطسة مجلجلة، ونهض واقفا يبدو عليه الإرهاق. مساء كيوتو البارد ازداد برودة لدرجة تحتاج معها إلى مجمرة حطب للتدفئة. فالرياح تهب متسربة من بين أعمدة البوابة مصطحبة ظلام الليل معها بلا تحفّظ. والجندب الأخضر الذي كان يقف على العمود رحل إلى مكان مجهول.
انكمشت عنق التابع، وانحنى بحيث ارتفع لأعلى كتفي الكيمونو الأزرق القاتم الذي يرتديه فوق ملابس داخلية مهترئة ثم أخذ يدير بصره فيما حول البوابة. والسبب أنه قرر على أي حال أن يظل هنا حتى شروق الشمس، إذا وجد مكانا لا قلق فيه من الريح والأمطار، ولا خوف فيه من أن تراه عيون الناس، مكانا يمكنه النعاس فيه مستريحا طوال الليل. وعندها لحسن حظه وقع بصره على درجات سُلّم عريض مطلي بلون أحمر يؤدي إلى برج البوابة العلوي. إن وجد أحد ما أعلى البوابة على الأرجح سيكون من الموتى فقط. وهنا وطأ التابع بقدمه التي يرتدي بها خُفّا من القش على أول درجات السُلّم وحرص على عدم انزلاق سيفه ذو المقبض الخشبي العاري من الرباط والمتدلي بخصره من الغمد.
ثم مرت عدة دقائق بعد ذلك. نجد رجلا في منتصف درجات السلم العريض الذي يؤدي إلى أعلى برج بوابة راشومون يراقب المنظر العلوي وهو يكتم أنفاسه ويقلص جسده مثل قط. ثم أنارت أشعة ضوء آتية من البرج العلوي بشكل خافت جزءًا من الخد الأيمن لذلك الرجل. إنه الخد ذو البثرة الحمراء المتقيحة في منتصف لحيته القصيرة. كان التابع قد توقع منذ البداية أن البرج العلوي لا يوجد به إلا جثث الموتى. ولكنه عندما ارتقى درجتين أو ثلاثة درجات من السُلّم، وجد شخصا ما يشعل نارا في الجزء العلوي، بل وبدا أنه يُحرك تلك النار هنا وهناك. وانتبه التابع للنار على الفور لأنها وهي بلون أصفر متعكّر كانت تظهر مهتزة على خلفية السقف الذي بنى العنكبوت عشه في أركانه. من المؤكد أن من يشعل نارا فوق بوابة راشومون في تلك الليلة الممطرة لن يكون إمرء عادي.
أخيرا ارتقى التابع آخر درجة من درجات السُلّم شديد الانحدار وهو يزحف مثل البُريْص كاتما صوت أقدامه. ثم أخذ يتلصص على البرج من الداخل بخوف وقلق، جاعلا جسده أفقيا وعنقه ممدودا للأمام بقدر الإمكان.
وعندما نظر إلى هناك، وجد كما قالت الشائعات عددا من الجثث ملقاة بعشوائية داخل البرج، ولكنه لم يعرف كم عددها لأن نطاق النار المشتعلة كان أضيق مما توقع. وكان كل ما استطاع معرفته بضبابية وإبهام أن تلك الجثث منها العاري ومنها المرتدية ملابسها. وبالطبع اختلطت جثث الرجال بجثث النساء. كانت كل تلك الجثث ملقاة فوق الأرضية فاغرة الفم وممتدة الأيد مثل عرائس من الصلصال، حتى ليشك المرء في حقيقة أنها كانت في الماضي أجسادًا لبشر أحياء. كانت الجثث صامتة للأبد مثل الأبكم، بينما تستقبل أجزاؤها المرتفعة لأعلى مثل الأكتاف والصدور أشعة الضوء الضبابي، وتُزيد الظلال من ظلام الأجزاء المنخفضة.
أسرع التابع بتغطية أنفه بدون وعي بسبب الرائحة الكريهة لتلك الجثث المتعفنة. ولكن في اللحظة التالية نسيت تلك اليد تغطية أنفه. فلقد سلب شعور قوي كل ما يملكه من حاسة شم.
رأت عيون التابع، في ذلك الوقت، للمرة الأولى بشرا جاثيا وسط تلك الجثث. كانت عجوزا نحيفة بقامة قصيرة، ورأس أبيض الشعر تشبه قردا يرتدي كيمونو بلون أرجواني قاتم. تمسك تلك العجوز في يدها اليمنى غصن شجرة صنوبر مشتعلة، وتتفحّص في وجه جثة من تلك الجثث. لا ريب أنها جثة امرأة نظرا لطول شعرها.
تحرك التابع بكثير من الخوف وقليل من الفضول، حتى أنه نسى للحظات أن يلتقط أنفاسه. لو استعرتُ كلمات كاتب المخطوطات القديمة لقلت: أحس "بوقوف شعْر رأسه وجسده". رشقت العجوز شعلة الصنوبر بين ألواح الأرضية، ثم وضعت يديها الاثنتين على رأس الجثة التي كانت تتأملها حتى تلك اللحظة، وبدأت تنزع شعر الجثة الطويل شعرة بعد أخرى، تماما مثل قردة تلتقط القمل من رأس صغيرها. وبدا أن الشعْرَ يستجيبُ ليديها ويُنزَع بسهولة.
ومع توالي انتزاع الشعر شعرة بعد أخرى، اختفى الرعب من قلب التابع شيئا فشيئا. وفي نفس الوقت بدأ تدريجيا يشعر بكراهية عنيفة تجاه تلك العجوز. ... لا، ربما يكون من الخطإ في التعبير القول إنه تجاه تلك العجوز فقط. بل على العكس لقد تفاقم مع مرور الوقت بُغضه تجاه كل أنواع الشرور والآثام. وعلى الأرجح لو أن أحدا ما طرح على ذلك التابع مرة أخرى الأمر الذي كان يفكر فيه هو نفسه في الأسفل أمام البوابة منذ قليل، ألا وهو الاختيار بين أن يموت جوعا أو يكون لصا، لاختار وقتها أن يموت جوعا دون أدنى تشبث بالحياة. إلى هذه الدرجة كانت كراهية الشر قد بدأت تشتعل في قلب ذلك الرجل بقوة اندفاع مثل شعلة الصنوبر التي رشقتها العجوز في الأرضية.
لم يكن التابع بالطبع يعلم لماذا تنزع العجوز الشعر عن جثة المرأة. وبالتالي لم يكن يعرف بشكل منطقي هل هذا الفعل خير أم شر؟ ولكن بالنسبة للتابع، نزع شعر من رأس ميت، أعلى بوابة راشومون في تلك الليلة الممطرة، هذا الأمر فقط كافي لاعتباره شرا لا يمكن السماح به. بالطبع لقد نسي الرجل تماما أنه هو شخصيا كان منذ قليل على استعداد لأن يصبح لصا.
وعندها أودع الرجل قوته في قدميه، وقفز فجأة من دَرَجات السُلّم إلى أعلى. وهكذا سار مقتربا من العجوز في خطوة واحدة واسعة ويده على مقبض سيفه العاري من الزينة. ولا داعي للحديث عن مدى الدهشة التي أصابت العجوز.
عندما نظرت العجوز نظرة واحدة إلى التابع، قفزت للخلف وكأنها قد ضُربت بطلقة منجنيق.
"إلى أين تذهبين أيتها اللعينة؟"
هكذا صب التابع لعناته على العجوز بعد أن ثبّت حركتها وهي تحاول الهرب في فزع متعثرة بالجثث. ولكن رغم ذلك حاولت العجوز الهرب من يد التابع بدفعها بعيدا. فأعادها التابع وكأنه يقول من الذي يدعك تهربين. واشتبك الاثنان لفترة في صمت بين الجثث. ولكن بالطبع نتيجة الصراع محسومة من البداية. فقد أمسك التابع في النهاية بذراع العجوز وأسقطها أمامه قسرا. تلك الذراع التي تشبه أرجل دجاجة ليس بها إلا عظم وجلد فقط.
"ماذا كنت تفعلين؟ انطقي! إذا لم تجيبي على السؤال، فهذا!"
أطلق التابع سراح العجوز، ثم فجأة نزع السيف من غمده، وأظهر نصله الأبيض اللامع أمام عينيها. ولكن رغم ذلك ظلت العجوز على صمتها. ظلت صامتة بعناد مثل الأبكم، وهي تفتح عينيها على وسعهما لدرجة تكاد مقلتيها تقفز خارج محجريهما، وكانت تتنفس بصعوبة، وترتعد يداها الاثنتان من الرعب. وعندما رأى التابع ذلك أدرك لأول مرة أن إرادته تتحكم في حياة أو موت تلك العجوز. وهدّأ ذلك الإدراك في التو والحال كل مشاعر الكراهية التي كانت تشتعل في قلبه حتى تلك اللحظة. وتبقّى فقط شعور الرضا والراحة المطمئنة التي تجتاح المرء بعد إنجازه لعملٍ ما. وعندها، نظر التابع إلى العجوز من علٍ ثم رقّق من صوته قليلا وقال:
"لستُ موظفا تابعا لهيئة الشرطة والقضاء. بل إنني مجرد عابر سبيل مررت لتوي أسفل تلك البوابة. ولذلك فلن أقيدك بالحبال أو أطلب منك فعل هذا أو ذاك. المطلوب منك فقط أن تحدثيني ماذا تفعلين فوق البوابة في هذا الوقت؟"
وعندها فتحت العجوز عينيها الجاحظتين أكثر وأكثر وظلت تتأمل بثبات وجه التابع. تنظر إليه بعينيها الحادتين التي صارت جفونها حمراء مثل الطيور الجارحة. ثم بعد ذلك حركت شفتيها اللتين صارتا من التجاعيد هي والأنف شيئا واحدا وقالت شيئا ما كأنها تمضغ طعاما، فبدت حركة تفاحة آدم المدببة في عنقها الرفيع. وقتها وصل إلى أذن التابع من تلك العنق صوتا يشبه نعيق الغربان يتنهد ويئن قائلا:
"أنا أنزع ذلك الشعر ... أنزع ذلك الشعر لأصنع منه شعرًا مستعارًا"
خيّب رد العجوز العادي للغاية آمال التابع. وهكذا في نفس الوقت الذي أصيب فيه بخيبة أمل، أحس مرة أخرى تجاهها بكراهية ممزوجة باحتقار بارد. وقد أدركت العجوز ذلك ولا ريب. فغمغمت بصوت يشبه نقيق الضفادع وهي مازالت تمسك في إحدى يديها بالشعر الطويل الذي نزعته من رأس الجثة قائلة:
"أفهمُ أن نزع الشعر من رؤوس الموتى ربما يكون شرا عظيما، ولكن هؤلاء الموتى جميعا يستحقون ما يُفعل بهم أيًا كان. على سبيل المثال تلك المرأة التي نزعتُ منها الشعر كانت تُقطّع الثعابين إلى قطع صغيرة في طول أربعة بوصات ثم تُجفّفها وتبيعها إلى فرقة حراسة قصر ولي العهد على أنها سمك مجفف. ولو أنها لم تمت بالوباء لكانت تبيعه لهم حتى اليوم. ورغم ذلك كان الحراس يشترون منها ذلك السمك المجفف قائلين إنه لذيذ الطعم وكانت مائدتهم لا تخلو منه على الدوام. ولكنني لا أرى أن ما كانت تفعله تلك المرأة أمرا شريرا، فلو لم تفعل ذلك، لماتت من الجوع، ولم يكن بيدها حيلة أخرى. ولذا لا تعتقد أن ما أقوم أنا به الآن أمرا شريرا، فأنا أيضا لو لم أفعل ذلك سأموت جوعا، أنا أيضا أفعل ذلك لأنه ليس بيدي حيلة أخرى. وهذه المرأة تدرك جيدا أنني ليس بيدي حيلة أخرى، وأعتقد أنها على الأرجح ستغفر لي ذلك"
هذا هو ما قالته المرأة تقريبا.
كان التابع قد أعاد السيف إلى غمده، وظل يستمع إلى ذلك الحديث هو يسند مقبض ذلك السيف بيده اليسرى. وبالطبع كان يستمع وهو يتحسس البثرة الحمراء الكبيرة ذات القيح في خده بيده اليمنى. ولكن أثناء ما كان التابع يستمع لذلك، تولدت شجاعة ما داخل قلبه. وهي شجاعة كانت تنقص ذلك الرجل وقتما كان يقف أسفل البوابة منذ قليل. وكانت كذلك شجاعة تسير في اتجاه معاكس تماما لتلك التي واتته وهو يقبض على العجوز منذ قليل أيضا. لم يكن التابع قد تخلص فقط من الحيرة والتردد بين الموت جوعا والتحول إلى لص. ولكن إذا تحدثنا عن المشاعر التي اجتاحت قلب ذلك الرجل وقتها، فلقد طُردت فكرة الموت جوعا من وعيه تماما بحيث لم يكن يفكر فيها مطلقا.
"هل هو ... كذلك حقا؟"
بعد أن أنهت العجوز حديثها، قال التابع ذلك بصوت ساخر. وبعد ذلك تقدم خطوة للأمام، وأبعد فجأة يده اليمنى عن البثرة فأمسك بتلابيب العجوز وكأنه سينقض عليها بأسنانه قائلا:
"إذن لو سلبتُ ملابسك فلن تحقدي عليّ، أليس كذلك؟ فأنا أيضا إن لم أفعل سأموت جوعا"
وفي لمح البصر نزع التابع رداء العجوز وخلعه عنها. ثم بعد ذلك ركل العجوز التي حاولت التشبث بقدمه، ليلقي بها بعنف فوق الجثث. ولم يستغرق الأمر للوصول إلى مدخل السُلّم إلا خمس خطوات معدودة. وفي طرفة عين هبط التابع درجات السُلّم شديد الانحدار إلى قاع الليل وهو يحمل الكيمونو ذا اللون الأرجواني القاتم تحت إبطه.
بعد فترة وجيزة رفعت العجوز التي ظلت فترة راقدة كالموتى فوق الجثث – جسدها العاري من فوق الجثث. ثم زحفت ذاهبة إلى مدخل السُلّم مسترشدة بإضاءة النار التي مازالت مشتعلة، وهي تصدر صوتا يشبه الأنين أو يشبه الهمس. ثم من هناك أسقطت شعر رأسها الأبيض منعكسا لأسفل وتلصصت على أسفل البوابة. لا يوجد في الخارج إلا الليل البهيم الغارق في ظلامٍ مثل ظلام الكهوف.
أما مصير التابع فلا يعلمه أحد.
(الشهر التاسع من العام الرابع من عصر تايشو {سبتمبر 1915})

* نُشرت في جريدة أخبار الأدب المصرية عدد 19 أغسطس 2017


هناك تعليق واحد:

Aouko يقول...

فعلا الترجمات الى الانجليزية تفقد القصص شيء من معانيها ورعتها، شكرا لك على ترجتك الرائعة