بحث في هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 15 مايو 2026

عفة أوتامي تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا

 عفة أوتامي

تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا

ترجمة: الذكاء الاصطناعي

مراجعة وتحرير: ميسرة عفيفي

 

حدثت هذه القصة في ظهيرة اليوم الرابع عشر من الشهر الخامس لأول أعوام عصر ميجي. ظهيرة اليوم الذي صدر فيه الإعلان الحكومي التالي:

«مع بزوغ أول ضوء من فجر الغد، ستهجم القوات الحكومية على قوات شوغيتاي في جبل هيئزان الشرقي. وعلى جميع سكان المنطقة المجاورة لحي أوينو إخلاء منازلهم والجلاء منها إلى مكان آخر».

كانت ظهيرة تليق بصدور هذا الإعلان. ففي بيت ملحق به متجر صغير لبيع الخردوات يملكه سيه بيه كوغايا الواقع في البلوك الثاني من حي شيتامي، وبعد أن غادره أصحابه وأُخلي تمامًا، كان قط كبير بألوان ثلاثة، رابضًا في سكون تام، وقد طوى قوائمه تحت صدره أمام صدفة أذن بحر عملاقة في زاوية من زوايا المطبخ.

كان البيت مغلقًا بإحكام وغارقًا في ظلامٍ دامسٍ، رغم أن الوقت ما زال نهارًا. لا يُسمع في الجوار أي أثر لصوت آدمي، ولا يطرق الآذان سوى زخات المطر المتواصل منذ أيام. تنهمر دفقات من المطر فجأة فوق سطح البيت الغائب عن العيون، ثم ما يلبث الصوت أن يبتعد متلاشيًا في الفضاء.

ومع كل اشتدادٍ لوقع المطر، يفتح القط عينيه الكهرمانيتين على وسعهما لتصبحا مستديرتين تماما. وفي تلك اللحظات فقط، كان يظهر بريق فوسفوري مخيف في المطبخ الذي لم يعد يُبين فيه حتى الموقد. لكن بمجرد أن يدرك القط أن شيئا لم يتغير سوى هطول المطر المنهمر، كان يعود لوضعيته دون حراك، مغمضًا عينيه حتى تعودا كخطين رفيعين.

ومع تكرار ذلك مرارًا، كأنما غلب النعاس عليه في النهاية، فلم يعد يفتح عينيه. لكن المطر ظل على حاله، يشتد تارة ويهدأ تارة أخرى. الساعة الثانية ظهرًا، ثم الثانية والنصف ... يمضي الوقت وسط وقع المطر، زحفًا بخطى وئيدة نحو الغروب.

مع اقتراب الساعة الرابعة، فتح القط عينيه فجأة على وسعهما كأنه ذُعر من شيء ما، وبدا أنه قد نصب أذنيه في الوقت ذاته. ومع ذلك، كان المطر قد أصبح أخف وطأة بكثير مما كان عليه. لم يكن يُسمع سوى صوت حمّالي الهوادج وهم يركضون مسرعين في الطريق ... ولا شيء غير ذلك.

لكن بعد ثوان من الصمت، بدأ المطبخ الذي كان غارقًا في الظلمة يستنير بضياء خافت دون سابق إنذار. وبدأت الأشياء تظهر للعيان شيئًا فشيء، الموقد الذي يشغل أرضية المطبخ الخشبية الضيقة، وبريق الماء في الجرة المكشوفة، وغصن الصنوبر المقدم كقربان لرب الموقد، وحبل النافذة المنزلقة ... زاد قلق القط، فنهض بجسده الكبير ببطء وتثاقل، وهو يحدق في فتحة تصريف المياه أسفل الباب المفتوح.

في تلك اللحظة، لم تكن فتحة التصريف هي التي فُتحت فحسب، بل فُتح الباب المنزلق بالكامل في النهاية؛ ليدخل متسولٌ غارقٌ في المطر كأنه جرذٌ مُبلل. مدّ المتسول عنقه التي لُفت بمنشفة إلى الأمام، وظلّ لبرهة ساكنًا يصيخ السمع لأي حركة داخل البيت الهادئ. ولما تيقن من خلو المكان من أي صوت، تسلل بخفة إلى المطبخ، مخلفًا وراءه آثار بلل واضحة على حصير الخيزران الجديد تمامًا.

تراجع القط خطوتين أو ثلاثا إلى الوراء خافضًا أذنيه. إلا أن المتسول لم يفزع، بل أغلق الباب من خلفه، ثم نزع المنديل عن وجهه بتمهل. كان وجهه مغطى بلحية كثيفة، وعليه بضع ضمادات، ولكن برغم اتساخه، كانت ملامحه تبدو عادية إلى حد ما.

-          ميكيه! ميكيه!

أخذ المتسول ينفض الماء عن شعره ويمسح القطرات عن وجهه، وهو ينادي القط باسمه بصوت خفيض. ويبدو أن القط ميز الصوت، إذ أعاد أذنيه اللتين كانتا منبسطتين إلى وضعهما الطبيعي، لكنه ظل واقفًا في مكانه، يرمقه بين الحين والآخر بنظرات ملؤها الريبة. وفي تلك الأثناء، نزع المتسول الحصير الذي كان يتدثر به، وجلس متربعًا بثبات أمام القط بساقين غطاهما الطين حتى لم يعد لونهما الطبيعي واضحًا.

-          ما خطبك يا ميكيه؟ يبدو من خلو المكان أنهم تركوك وحيدًا ورحلوا.

ضحك المتسول بمفرده وهو يمسح بكفه الكبيرة على رأس القط. تراجع القط قليلًا في البداية كأنه يتهيأ للهرب، لكنه لم يبتعد، بل استقر في مكانه وأخذ يغمض عينيه شيئًا فشيء. وما إن كفّ المتسول عن مداعبته، حتى أخرج من جيب ثوبه القطني القديم مسدسًا يلمع بريقُ الزيت على سطحه، وشرع يتفحص زناده في ذلك الضوء الخافت. كان مشهد ذلك المتسول وهو يعبث بمسدسه في مطبخ بيت مقفر خيمت عليه أجواء الحرب مشهدًا روائيًّا مريبًا بلا شك. أما القط، فقد ظل رابضًا في إباءٍ وشمم بظهره المقوس وعينيه النعسانتين، وكأنه عليم بكل الأسرار.

قال المتسول وهو يتفحص مسدسه، مخاطبًا القط بين الحين والآخر:

-          اسمع يا ميكيه، حين يحل الغد، سيتساقط الرصاص كالمطر في الأرجاء. ومن تصبه تلك الرصاصات يلقَ حتفه، لذا مهما بلغت الضجة غدًا، ابقَ مختبئًا تحت أرضية البيت طوال اليوم! لقد طالت صُحبتنا يا عزيزي، لكن اليوم هو يوم الوداع. غدًا سيكون يومًا عسيرًا على الجميع، وربما ألقى أنا حتفي فيه أيضًا. وحتى إن كُتبت لي النجاة، فلا أظنني سأعود للنبش في القمامة معك ثانية، ولعل هذا ما سيسعدك كثيرًا.

في تلك الأثناء، عاد المطر يهطل بغزارة محدثًا ضجيجًا صاخبًا، وبدت الغيوم قريبة جدًا من السقف حتى كأنها تكسو القرميد بالضباب. أصبح الضوء الخافت في المطبخ أكثر ضآلة من ذي قبل، لكن المتسول لم يرفع رأسه، بل انكبّ بتركيز شديد يلقم المسدس بالذخيرة بعد أن انتهى من فحصه.

-          أم تراك ستحزن على فراقي؟ كلا، يقولون إن القطط تنسى عِشرة ثلاث سنوات، لذا لا يبدو أنني أستطيع التعويل عليك.. لكن، لا بأس، لا يهم ذلك الآن. كل ما في الأمر أنني لو رحلتُ، فـ ...

صمت المتسول فجأة. في تلك اللحظة، فقد شعر بشخص يقترب من النافذة الخارجية. وبحركة خاطفة، أخفى مسدسه والتفت في آن واحد، بالتزامن مع انفتاح ضلفة الباب بحدة. اتخذ المتسول وضعية الدفاع فورًا، وتلاقت عيناه مباشرة مع عينَي الدخيل.

وما إن رأى الشخصُ الذي فتح الباب المنزلق هيئة المتسول، حتى أفلتت منه صيحة خافتة، كأنما باغتته المفاجأة على غير متوقع. كانت امرأة شابّة، حافية القدمين، وتحمل في يدها مظلة كبيرة. واندفعت غريزيًّا تقريبًا لتلوذ بالفرار عائدةً إلى المطر الذي جاءت منه. لكنها ما لبثت أن استجمعت شجاعتها وتغلبت على صدمتها الأولى، فأخذت تحدق بتمعن في وجه المتسول مستعينةً بضوء المطبخ الخافت.

أما المتسول فقد تملكه الذهول، وظل يرقبها بدهشة دون أن يغير جلسته، تاركًا إحدى ركبتيه مرفوعة بثوبه التقليدي البالي. ولم تعد عيناه تظهران تلك النظرة الحذرة والمتيقظة التي كانت تبدو عليهما قبل قليل. وهكذا، ظل كلاهما يتبادلان النظرات في صمت مطبق لبرهة من الزمن.

-          ما هذا؟ أنت شين المتسول؟

خاطبت المتسول بهذه الكلمات وقد بدأت تستعيد هدوءها شيئًا فشيء. أما المتسول، فابتسم بابتسامة عريضة وهو يحني رأسه لها مرتين أو ثلاث مرات باحترام.

-          أرجو المعذرة. لقد اشتد هطول المطر، فما كان مني إلا أن تسللت إلى البيت في غيابكم ... لكن اطمئني، لم أغير مهنتي لأصبح لصًا يترصد البيوت الخالية.

-          لقد أفزعتني حقًا! حتى وإن لم تكن لصًا، ألا ترى أن وقاحتك قد جاوزت الحدود؟

أردفت كلماتها بنبرة غاضبة وهي تنفض قطرات الماء عن مظلتها، ثم أضافت:

-          هيا، اخرج من هنا الآن، فأنا أريد الدخول.

-          حاضر، سأخرج. سأخرج حتى دون أن تأمري بذلك ... ولكن، ألم تخلوا البيت بعد يا سيدتي؟

-          لقد أخليناه بالفعل ... نعم أخليناه، ولكن ... ما شأنك أنت بهذا؟

-          إذا لا بد أنكِ نسيتِ شيئًا ما هنا.. حسنًا، تفضلي بالدخول، فالمطر غزير بالخارج.

لم تُجب المرأة على كلمات المتسول، وبدت عليها ملامح الحنق وهي تجلس عند حافة المدخل الخشبية، ثم مدت قدميها الملطختين بالطين نحو المغسلة وشرعت تصب الماء عليهما بغزارة. أما المتسول، فقد ظل جالسًا متربعًا يمسد ذقنه الكثيفة باللحية، وهو يرمقها بنظرات فاحصة. كانت فتاة ريفية سمراء البشرة، يعلو أنفها قليل من النمش، وترتدي ثوبًا بسيطًا من القطن المنسوج يدويًا لا يلبسه إلا الخدم، يلف خصرها حزام أوكورا. ومع ذلك، كان في تقاسيم وجهها الحيوية وجسدها الممتلئ المتماسك جمالٌ يذكرك بنضارة ثمار الخوخ أو الكمثرى.

استمر شين في أسئلته قائلًا:

-          لا بد أنكِ عدتِ وسط هذه الفوضى لاستعادة شيء ذي قيمة. ما الذي نسيتِه؟ أخبريني يا آنسة ... يا آنسة أوتومي.

كان ردها جافًا وحادًا:

-          وما شأنك بذلك؟ اخرج من هنا بسرعة فحسب.

لكنها توقفت فجأة وكأن فكرة ما طرأت على بالها، فنظرت إلى وجهه وسألته بجدية:

-          شين، ألم ترَ قطنا ميكيه؟

-          ميكيه؟ كان هنا قبل قليل، يا للغرابة، أين عساه قد ذهب؟

أخذ المتسول يتلفت حوله، فإذ بالقط قد استقر في غفلة منهما فوق الرف، رابضًا بين أواني الفخار والقدور المعدنيّة وقد طوى قوائمه تحت صدره. ويبدو أن أوتومي أبصرته في اللحظة ذاتها التي رآه فيها شين؛ فما إن لمحته حتى ألقت بمغرفة الماء من يدها، ونهضت واقفة على الأرضية الخشبية وكأنها نسيت وجود المتسول تمامًا. علت وجهها ابتسامة مشرقة وهي تومئ للقط فوق الرف لينزل إليه.

نقل شين نظره بتعجب من القط القابع في عتمة الرف إلى أوتومي وسألها:

-          أهذا القط هو الشيء الذي نسيتِه يا آنسة؟

-          وما العيب في أن يكون قط؟ ميكيه! ميكيه، هيا انزل إليّ.

فجأة، انفجر شين ضاحكًا، وكان لضحكته صدى يبعث على القشعريرة وسط جلبة المطر المتساقط. حينها احتقن وجه أوتومي غضبًا مرة أخرى، وصاحت فيه بحدة:

-          ما الذي يضحكك هكذا؟ ألا تعلم أن سيدتي كادت تفقد صوابها حين أدركت أنها نسيت ميكيه؟ إنها لا تكف عن البكاء خوفًا من أن يُقتل! لقد رثيتُ لحالها فعدتُ أدراجي وسط هذا المطر خصيصًا لأجلها.

قاطعها شين وهو لا يزال يغالب ضحكته:

-          حسنًا، حسنًا، لن أضحك ثانية.

استمر شين في الضحك قائلًا:

-          لن أضحك بعد الآن، ولكن فكري في الأمر؛ الحرب قد تبدأ غدًا، ومع ذلك تقيمون هذه الضجة من أجل قط أو اثنين. مهما فكرتُ في الأمر، أجد الوضع غريبًا حقًا. ومعذرة منكِ، لكن سيدتكم هذه تتصرف بغرابة شديدة؛ فأن ترسل أحدًا للبحث عن القط ميكيه في وقت كهذا!

قاطعته أوتومي وهي تضرب الأرض بقدمها من شدة الغيظ:

-          اصمت! لا أريد سماع أي إساءة بحق سيدتي!

لكن المتسول لم يبدُ متأثرًا بغضبها، بل أخذ يراقبها بنظرات ثابتة. كانت ثيابها قد ابتلت تمامًا بالمطر، فالتصقت بها وهي تقف في تلك الحالة من الاضطراب. واصل شين حديثه بنبرة لم تخلُ من الضحك:

-          كان من المتوقع أن ترسلكِ أنتِ بالذات للبحث عن القط، أليس كذلك؟ انظري حولكِ، لم يعد هناك بيت واحد في ضواحي أوينو لم يغادره سكانه. البيوت تصطف هنا لكنها خالية تمامًا، ورغم أن الذئاب قد لا تظهر، إلا أن المرء لا يأمن ما قد يواجهه من مخاطر.. أليس هذا ما يقال عادة؟

ردت أوتومي:

-          بدلًا من هذا القلق غير المجدي، أسرع وأمسك بالقط! وما الذي يدعو للخوف إذا كان القتال لم يبدأ بعد؟

قال شين بنبرة بدأت تتأرجح بين الهزل والجد:

-          لا تمزحي! إذا لم يكن سير امرأة شابة بمفردها في هذه الظروف خطرًا، فمتى يكون الخطر إذن؟ نحن الآن بمفردنا تمامًا في هذا المكان، أنا وأنتِ ... فكري، لو قررتُ التصرف بسوء، ماذا عساكِ أن تفعلي؟

وعلى الرغم من نبرته التي بدت مهددة، إلا أن عيني أوتومي الصافيتين لم يظهر فيهما أي أثر للخوف.

غير أن وجنتيها اصطبغتا بحمرة قانية، بدت أشد وضوحًا مما كانت عليه قبل قليل.

-          ماذا دهاك يا شين؟ أتحاول تهديدي؟

قالت ذلك وهي تخطو خطوة نحو المتسول، وكأنها هي من تهدده.

-          أهددكِ؟ وهل تظنين أن الأمر سيقتصر على التهديد فحسب؟ العالم مليء بالأشرار، حتى أولئك الذين يضعون أوسمة ذهبية على أكتافهم لا يؤمن جانبهم، فكيف بي وأنا مجرد متسول؟ الأمر لا يقتصر على التهديد ... فلو قررت حقًا التصرف بسوء ...

لم يكد شين يتم جملته حتى تلقى ضربة عنيفة على رأسه؛ فقد رفعت أوتومي مظلتها الكبيرة في وجهه فجأة.

-          كف عن تفاهاتك هذه!

صاحت وهي تهوي بالمظلة بكل قوتها على رأسه مرة أخرى. حاول المتسول تفادي الضربة بسرعة، لكن المظلة استقرت بقوة على كتف ثوبه القطني القديم. وفي خضم هذه الجلبة، فزع القط وركل قدرًا معدنيًّا وهو يقفز نحو رف المذبح المنزلي، مما أدى إلى سقوط أغصان الصنوبر وصحن الزيت اللامع فوق شين. وقبل أن يتمكن من النهوض، توالت عليه ضربات مظلة أوتومي دون هوادة.

-          تبًا لك! تبًا لك!

استمرت أوتومي في تلويح مظلتها، لكن شين، رغم الضربات، تمكن أخيرًا من انتزاع المظلة منها. لم يكتفِ بإلقاء المظلة بعيدًا، بل انقضّ على أوتومي بضراوة. اشتبك الاثنان فوق الأرضية الخشبية الضيقة لفترة، وفي خضم هذا العراك، عاد المطر ليهطل بغزارة فوق سقف المطبخ بصوت مرعب. ومع اشتداد صوت المطر، أخذ الضوء يتلاشى بسرعة لتزداد العتمة. حاول شين بكل قوته إخضاع أوتومي رغم ما تعرض له من ضرب وخدوش، وبعد محاولات فاشلة، ظن أنه تمكن منها أخيرًا، لكنه ارتد فجأة وكأن صدمة أصابته، متراجعًا نحو الميزاب.

-          يا لكِ من فتاة!

سند شين ظهره إلى الباب، محملقًا في أوتومي بحدة. كانت أوتومي، التي تبعثر شعرها، تجلس فوق الأرضية الخشبية وهي تقبض بيدها على موسى حلاقة يبدو أنها كانت تخفيه في حزام ثوبها بوضعية عكسية. كان منظرها يفيض بروح قتالية حادة، وفي الوقت ذاته، اتسمت بوقفة مهيبة تشبه قطة تقوس ظهرها فوق رف المذبح. ظل الاثنان يتبادلان النظرات في صمت، يترصد كل منهما الآخر، وبعد لحظة، أظهر شين ابتسامة ساخرة متصنعة، وأخرج مسدسه الصغير من جيبه.

-          حسنا، حاولي المقاومة قدر ما تشائين الآن.

اتجهت فوهة المسدس ببطء نحو صدرها. ومع ذلك، ظلت تحدق في وجهه بمرارة، دون أن تنطق ببنت شفة. وعندما رأى أنها لم تضطرب، طرأت له فكرة ما، فوجه فوهة المسدس نحو الأعلى؛ حيث كانت تلمع في العتمة عينا القط بلونهما الكهرماني.

-          هل أنتِ مستعدة؟

قالها شين بصوت يحمل ضحكة ساخرة، كأنه يستمتع باستفزازها.

-          بمجرد أن يطلق هذا المسدس رصاصته، سيسقط القط ويموت. والأمر كذلك بالنسبة لكِ أيضا. ها، هل أنتِ مستعدة؟

كان الزناد على وشك أن يُسحب، حين صاحت فجأة:

-          شين! لا تفعل، لا تطلق النار!

نقل شين نظره إليها، لكن فوهة مسدسه ظلت مصوبة نحو القط ميكيه.

-          من الواضح أن هذا لا يجوز.

-          سيكون من القسوة إطلاق النار عليه! أرجوك، اترك ميكيه وشأنه.

بدت أوتومي الآن مختلفة تمامًا؛ فقد ظهر القلق في عينيها، وبرزت أسنانها الدقيقة من بين شفتين ترتجفان قليلًا. حدق شين في وجهها بنظرة غلبت عليها السخرية الممزوجة بالتعجب، ثم أنزل فوهة المسدس أخيرًا. في تلك اللحظة، ظهر الارتياح على وجهها.

-          حسنًا، سأعفو عنه. لكن في المقابل ...

قالها بنبرة استعلائية:

-          في المقابل، سآخذكِ أنتِ بدلا منه.

أزاغت أوتومي بصرها. بدا وكأن مشاعر متضاربة من الحقد والغضب والاشمئزاز والحزن قد اشتعلت في داخلها. كان شين يراقب تلك التغيرات بحذر، ثم تحرك خلفها وفتح باب الغرفة. كانت الغرفة مظلمة، لكن كان بالإمكان رؤية الأثاث المتبقي بوضوح. وقف هناك، ونظر نحو عنقها الذي بدا عليه أثر العرق. وعندما شعرت بنظرته، التفتت لتنظر إلى وجهه، وقد استعادت ملامحها حيويتها السابقة. لكنه ارتبك فجأة، ووجه مسدسه نحو القط مرة أخرى.

-          لا تفعل! قلت لك لا تفعل!

صاحت أوتومي وهي تحاول منعه، وفي تلك اللحظة، أسقطت موسى الحلاقة من يدها على الأرضية الخشبية.

-          إذا كان الأمر لا يجوز، فاذهبي إلى هناك إذن.

قالها شين وعلى وجهه شبه ابتسامة.

-          يا لك من بغيض!

تمتمت أوتومي بحنق، لكنها نهضت فجأة ودلفت إلى غرفة المعيشة بخطى سريعة، كفعل امرأة استسلمت لليأس. بدا شين مندهشًا بعض الشيء من سرعة إذعانها. في تلك اللحظة، خف صوت المطر كثيرًا، وبدأ الضوء يتسلل عبر السحب كأنها شمس الأصيل، فأخذ المطبخ المظلم يستنير تدريجيًّا. وقف شين في مكانه يصيخ السمع لما يحدث داخل الغرفة؛ سمع صوت حلّ حزام الكيمونو، وصوت جسد يتمدد فوق الحصير، ثم ساد الغرفة صمت مطبق.

تردد برهة، ثم خطى داخل الغرفة شبه المضيئة. كانت أوتومي ممددة وحدها في وسط الغرفة على ظهرها، وقد غطت وجهها بكم ثوبها. ما إن رآها حتى ارتدّ هاربًا نحو المطبخ، وقد اعتلت وجهه تعابير غريبة لا توصف؛ كانت مزيجًا من الاشمئزاز والخزي. وبمجرد وصوله إلى الأرضية الخشبية، وبينما كان ظهره لا يزال مواربًا للغرفة، انفجر فجأة في ضحك بدا وكأنه يخرج من جوف الألم.

-          لقد كنتُ أمزح يا آنسة أوتومي.. كنت أمزح فحسب. هيا، تفضلي بالخروج من هناك.

... بعد دقائق معدودة، كانت أوتومي قد وضعت القط في حضن ثوبها وأمسكت بمظلتها في يدها، وهي تتبادل الحديث بارتياح مع شين الذي كان جالسًا على حصيرة الخيزران البالية.

-          آنسة، ثمة أمر أود سؤالكِ عنه.

قال ذلك وهو ما زال يشعر بالحرج، متجنبًا النظر في وجهها.

-          وما هو؟

-          أليس أمرًا مهولًا، أن تهب فتاة جسدها فهذا أمر جلل في حياتها. وأنتِ يا آنسة أوتومي، ألا ترين أن المقايضة بحياتكِ مقابل حياة ذلك القط كان تصرفًا متهورًا للغاية؟

صمت شين برهة، أما أوتومي فاكتفت بابتسامة وهي تربت على القط في حضنها بحنان.

-          هل تحبين هذا القط إلى هذا الحد؟

ردت أوتومي برد غير حاسم:

-          حسنًا، ميكيه عزيز عليّ حقًا، ولكن ...

-          أم تراكِ فعلتِ ذلك لأنكِ مشهورة في الجوار بإخلاصكِ الشديد لسيدتكِ؟ هل قلقتِ بشأن ما ستقولينه لها لو قُتل ميكيه؟

-          أجل، ميكيه عزيز عليّ، وسيدتي امرأة كريمة لا ريب في ذلك، ولكن المسألة هي أنني ...

ثم أمالت رأسها قليلًا، ونظرت بعيدًا كأنها تتأمل شيئًا وراء الأفق.

-          كيف لي أن أشرح الأمر؟ كل ما في الأمر أنني شعرت في تلك اللحظة أنني إن لم أفعل ذلك سأشعر بالأسف نوعًا ما.

وبعد عدة دقائق أخرى، أصبح شين وحيدًا، فجلس شارد الذهن في المطبخ وهو يضم ركبتيه إلى صدره فوق ثوبه البالي. أخذ غبش المساء يزحف نحو المكان وسط صوت المطر المتقطع، وبدأت الأشياء تغرق في الظلام واحدًا تلو الآخر؛ حبل النافذة، جرة الماء عند المغسلة، ثم انطلق صوت ناقوس معبد أوينو معلنًا عن الساعة السادسة، مترددًا بوقع ثقيل، مخترقًا غيوم المطر بضرباته المتتابعة.

بدا شين وكأن صوت الناقوس قد أيقظه، فالتفت حوله في ذلك السكون، ثم نزل يتلمس طريقه نحو المغسلة، وغرف بمغرفة الماء شربة هنيئة. ثم تمتم وهو يشرب الماء في ذلك الغسق:

-          لقد هُزمت شر هزيمة اليوم يا شينزابورو موراكامي، المنحدر من نسل شيغيميتسو غينجي ...

ثم مضى يتجرع الماء بتلذذ ...

***

وفي السادس والعشرين من الشهر الثالث للعام الثالث والعشرين من عصر ميجي، كانت أوتومي تسير في شارع أوينو هيروكوجي بصحبة زوجها وأطفالها الثلاثة.

يوم افتتاح المعرض الصناعي الوطني الثالث في تاكينوداي. وبالإضافة إلى ذلك، كانت أزهار الكرز قد تفتحت بالكامل تقريبًا حول منطقة البوابة السوداء بالمتحف القومي للآثار، مما جعل الزحام في هيروكوجي شديدًا لدرجة لا تُطاق. ومن جهة أوينو، كانت مواكب العربات التي تجرها الخيول ومركبات الريكشا التي يجرها الحَوَاذِيَة تتدفق دون انقطاع، وهي تقل العائدين من مراسم الافتتاح؛ وكان من بين الركاب شخصيات بارزة مثل: ماسانا مايدا، وأوكيتشي تاغوتشي، وإييتشي شيبوساوا، وشينجي تسوجي، وكاكوزو أوكاكورا، وماساو شيموجو.

كان زوج أوتومي، الذي يحمل ابنهما الثاني صاحب السنوات الخمس بينما يتمسك ابنهما الأكبر بطرف كمه، يشق طريقه وسط هذا الزحام الصاخب، ويلتفت بين الحين والآخر بقلق نحو أوتومي التي تسير خلفه. وفي كل مرة، كانت أوتومي، وهي تمسك بيد ابنتها الكبرى، تقابله بابتسامة مشرقة. بطبيعة الحال، كانت عشرون عامًا قد مضت وتركت أثرها عليها، إلا أن البريق الصافي في عينيها لم يتغير كثيرًا عما كان عليه في الماضي. لقد تزوجت في حوالي العام الخامس والأربعين من عصر ميجي من زوجها الحالي، وهو ابن أخ سيه بيه كوجايا. كان زوجها يدير وقت زواجهما متجرًا صغيرًا للساعات في يوكوهاما، وهو الآن يمتلك متجرًا في أحد أحياء غينزا الراقية ...

رفعت أوتومي عينيها فجأة. وفي تلك اللحظة، كانت تمرُّ عربة تجرها خيول، يجلس بداخلها شين بكل وقار. كان هو ... وإن كان جسده الآن مغمورا برموز الشرف؛ من ريش النعام الذي يزين قبعته، إلى أشرطة القصب الذهبي المهيبة، والأوسمة والنياشين بمختلف أحجامها. لكن ذلك الوجه المحتقن بالدم الذي يطل من بين شيب لحيته كان بلا شك وجه ذلك المتسول القديم.

لم تشعر أوتومي بالدهشة رغم إبطاء خطواتها؛ فقد كانت تدرك في قرارة نفسها أن هذا الرجل لم يكن مجرد متسول عادي، سواء كان ذلك بسبب ملامحه أو نبرة صوته أو حضوره الغامض. نظرت إلى وجهه بثبات، وبادلها هو النظرة، سواء كان ذلك مصادفة أو عن عمد.

في تلك اللحظة، استعادت ذاكرتها بوضوح تفاصيل ذلك اليوم الماطر قبل عشرين عامًا، حين كانت مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل إنقاذ قط، وكيف قابل الطرف الآخر ذلك الموقف بنبل وترفع لم تفهم دوافعه حينها، لكنه بدا لها الآن أمرًا طبيعيًّا ومنطقيًَا تمامًا. ومع مرور العربة، شعرت براحة غامرة تملأ قلبها.

عندما ابتعدت العربة، التفت الزوج نحوها من وسط الزحام، فقابلته بابتسامة مشرقة تفيض بالحيوية والرضا، وكأن شيئًا لم يكن.

 

(كتُبت في الشهر الثامن من العام الحادي عشر لعصر تايشو)

ليست هناك تعليقات: