الأحد، 19 مايو، 2013

ناتسوهيكو كيوغوكو وأحلام العِظام المجذوبة


أحلام العِظام المجذوبة

 

بقلم :   ميسرة عفيفي

 "ناتسوهيكو كيوغوكو" روائي ياباني في الخمسين من عمره، حصل عام 2004على أكبر جائزة يابانية في الأدب هي جائزة "ناوكي شو" عن آخر رواية كتبها وقتها وهي جزء من سلسلة طويلة اسم السلسلة "الحكايات المئة". ولم تنتهي بعد هذه السلسلة.

يكتب كيوغوكو رواياته في قالب غامض تحيط به الإثارة والتشويق، لكنها ليس من نوع الروايات البوليسية التي تهدف إلى التسلية فقط. في رواياته يمتزج الماضي بالحاضر، الحوادث التاريخية بالأحداث الجارية، الفسلفة بعلم النفس، الإثارة بالرعب الممنطق. أغلب رواياته ذات حجم ضخم يجهد المرء في مجرد قراءتها لإحتواءها علي كمية لابأس بها من المصطلحات والكلمات الغريبة وأيضاً الكلمات المهجورة في اللغة اليابانية.

لا أدري إن كان قد تَرجمت أعماله إلي لغات أجنبية أم لا. لكن أدعو المهتمين بآداب الشرق الأقصى الانتباه إلى هذه الشخصية التي أتوقع أن تبزغ في سماء الأدب العالمي. بل لا أظن أن جائزة نوبل عصية عليه إذا تمت ترجمة أعماله بشكل جيد إلى اللغات الحية.

رواية "أحلام العظام المجذوبة" سِفر بالغ الضخمة في أدب الروايات البوليسية تفوق فيه "كيوغوكو" على ما سبقوه في هذا المجال، ووصل آعالي شاهقة في الحبكة الدرامية التي ليس بها أي ثغرة أو افتعال. ويصل بقارئه إلى الاقتناع بكل ما مر عليه من أحداث في غاية الغرابة، والتي تبدو للوهلة الأولى تقع في نطاق اللامعقول أو الخيال العلمي، لكن كاتبنا يقول أنه لا يؤمن باللامعقول.

تقع أحداث الرواية في منتصف القرن الماضي بعد مرور سنوات قليلة على هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية. لكنها تغوص في أعماق الماضي ثم تعود إلى الحاضر، وبما أن عنوان الرواية عن الأحلام فلم يترك الكاتب أي رأي قيل في تفسير الأحلام لعلماء النفس ولم يذكره.

تقع الرواية في حوالي الألف صفحة من القطع المتوسط. وتتعدد فيها الشخصيات بشكل هائل، وتتنوع فيها الأحداث، ولكن رغم ذلك تجبرك على الاستمرار معها لمعرفة تفسير ما جرى ويجري من أحداثها الغامضة بل واللامعقولة.

إلا أن المفاجأة هي أن لكل حادثة تفسيرها المنطقي الذي يكشفه لنا بطل الرواية بائع الكتب القديمة الذي يلجأ إليه أكبر المحققين وأعتى العقول ليفسر لهم الأسرار التي تحيط بالجريمة أو على الأصح جرائم القتل التي لا تنتهي، والغريب أن الضحية شخص واحد، ما يلبث ان يُقتل حتى تعود إليه الروح ليقتل من جديد. وعلى يد من؟ إنها زوجته السابقة. التي قتلته في المرة الأولى لتتخلص من عار هروبه من الاستدعاء إلى ساحة الشرف.

في الصفحات الأربع الأولى من هذه الرواية يكتب "ناتسوهيكو كيوغوكو" على لسان الزوجة النص التالي :

 

أكره صوت البحر.

من الأفق البعيد، من مكان بعيد يبعث على اليأس من بلوغه، يأتي متتابعاً في هدوء مريب. صوت مدمدم ذو لهجة تهديدية صاعقة. أين مصدره بالتحديد؟ صوت ماذا؟ ما الذي يصيح؟ هل هو صوت الماء؟ أم على العكس صوت الريح؟ أم هو صوت شيء ما آخر سواهما. إنه يسبب الإحساس بالإتساع اللانهائي والعمق الفارغ من المعنى، ولاغير.

ولايسمح بأي إحساس بالاطمئنان.

أصلاً، أنا أكره البحر.

أنا الذي تربيت في مكان لا يوجد به بحر، عندما رأيت هذا الشيء لأول مرة انحصر تفكيري في شيء واحد، من أين إلى أين يسمى بالبحر. هل البحر هو الماء؟ أم هو أرض القاع أسفل الماء؟

أولاً هذا غير واضح تماماً. سطح الأرض التي تغوص بالماء هل هي فعلاً البحر؟

إذا كان الأمر كذلك، فماذا تكون هذه الأمواج العاتية التي تثير الإحساس بالضغينة؟

الموج أيضاً، التفكير فيه يدعو إلى الاستياء. يتتابع من الأفق البعيد متماوجاً ثم يرحل عائداً إلى حال سبيله. عندما أتذكر أنه في هذه اللحظة يتتابع ويتكرر بلا انقطاع وبنفس الشكل على سواحل بحار العالم أجمع، أكاد أن أُصيب بالجنون. معنى ذلك أن البحر ينتفخ بلا هوادة موسعاً لحدوده أو مضيقاً لها.

أصلاً، ساحل البحر إن كان رملاً او حتى صخراً، فهو بلا أي شبهة خطأ  أرض قارية. لا توجد أي علامة لتحدد لنا  من أين يبدأ البحر.

وإذا سألنا، من ماذا يتكون ماء البحر؟ في الأصل إنه في منتهاه ماء رائق شفاف. فقط مجرد أن الماء تجمّع في أرضٍ منخفضة. شيء لا غرابة فيه على الإطلاق.

ومع ذلك، الماء الذي من المفترض أنه شفاف ورائق، في غفلة من الزمن يكوّن لون البحر الأزرق الذي يثير الخوف، ثم يبدأ في الإعراب عن وجوده الطاغي.

في اعتقادي أن هذه هي القوة البلهاء للكم. إنه حتى مجرد الوجود الشفاف، الخائب إذا تجمع بشكل كهذا، يبدأ في التعبير عن النفس الطاغية. البحر إن كان صغيراً لا يعتبر بحراً. يصبح مجرد ماء. إذاً هذه الكميات المهولة من الماء هي التي تجعل من البحر بحراً.

يا له من تعبير غبي.

أيضاً، لم يصل تفكيري إلى أنه توجد بحار عميقة إلى حد لا تستطيع قامتي الوقوف فيها. لا ليست مسألة قامتي فقط. أن مجرد التلميح إلى أنه توجد بحار يصل عمقها إلى أضعاف، بل آلاف الأضعاف من طول قامتي لم أكن أعتبره إلا مجرد قدح من الخيال تخطى حدود المعقول. ولكنها الحقيقة.

لا يوجد أي شيء أسفل القدم. رعب السقوط دون أن يكون هناك شيءٌ ما يستقبلك. هل هناك ما هو أكثر رعباً من ذلك.

إن السقوط من مكان عالٍ يختلف تمام الاختلاف. مهما بلغ ارتفاع مكان السقوط الشيء الأكيد أن الأرض في انتظارك.

ولكن البحر يختلف. إذ ربما لا يوجد للسقوط نهاية.

يقولون أن أعماق البحار لا يصلها شعاع الشمس.

الماء الذي يفترض أنه شفاف، لماذا يصبح حاجباً حتى لأشعة الشمس. شئ يستحيل عليَّ فهمه.

بمعنى أن الكميات الهائلة وقدرتها على التعبير عن ذاتها، تبتلع حتى أشعة الشمس.

شئ يثير الضجر.

لا يوجد شاطئ على الجانب الآخر علاوة على ذلك لا يوجد قاع.

أنا أكره البحر،.....أخافه.

 

 

 

ليست هناك تعليقات: