الجزيرة الصناعية العجيبة[1]
تأليف: ماساشي تيراجيما
ترجمة: ميسرة عفيفي
الفصل الأول باخرةٌ عجيبة وعجوزٌ أعجب
سفينة لصوص
على متن سفينة التبريد تايغر مارو، كان هناك صبي آخر بالإضافة إليّ – أنا كينجي ياماجي – إنه فتى وسيم ذو وجه ناضر، يُدعى تشين شيو فينج، والمولود في مدينة نانجينغ بالصين. ولأنه كان يعمل خادماً للقبطان بيكول، فلم تسنح لي فرص كثيرة للتحدث معه، إذ كنتُ صبياً صغيراً لا أختلف عن عمال السفينة العاديين. ولكن ذات يوم وقد مرت ثلاثُ ليالٍ من إبحار السفينة من ميناء هاكوداته بجزيرة هوكايدو اليابانية متجهة شمالاً، حيث كانت قد دخلت بالفعل منطقة أرخبيل تشيشيما شمالي لليابان، التقيتُ به فجأة على سطح السفينة الخلفي. حينها، تحدث إليّ تشين بهدوء وبلغة يابانية في منتهى الطلاقة.
- هل تعلم لماذا توظف شركة إتش جي الكندية للملاحة البحرية أفراداً من الشرق الأقصى مثلي ومثلك؟
كان صوته رقيقاً يثير راحة في الآذان، مما ولد لدي شعوراً بالود، فجاء ردي:
- ربما لأن أجورنا زهيدة.
- نعم، هذا أحد الأسباب، ولكن هناك ما هو أبعد من ذلك. ألا تدرك أن هذه السفينة ليست سوى سفينة لصوص؟
- ماذا! سفينة لصوص؟
- ششش! اخفض صوتك، لا تفضحنا! تبدو هذه السفينة في الظاهر، سفينة مزودة بجهاز تبريد تبحر من كندا إلى أرخبيل تشيشيما شمالي اليابان لجلب سمك السلمون، لكنها في الواقع تمارس الصيد غير المشروع للقضاع البحرية والفقمة في الجزر غير المأهولة بالسكان في الأرخبيل.
- هذا يعني أننا شركاء في هذه الأعمال المُحرّمة؟
- بشكل ما، نعم. والأسوأ من ذلك، أنه بعد استغلال العمال والانتهاء من عمليات الصيد وتوجه السفينة لطريق العودة، يكون من السهل عليهم التخلص من البحارة المؤقتين والعاملين الصغار بإلقائهم في عرض البحر. إنهم لا يقيمون وزناً لحياتنا.
- ولكن لماذا يلجؤون إلى هذا الفعل الشنيع؟
- طاقم السفينة الدائم يدينون بالولاء التام للقبطان بيكول، أما العمال المؤقتون فقد يفشون أسرار هذه الجرائم بمجرد وصولهم إلى البر. ولتجنب ذلك، يُجلب العمال من مينائي يوكوهاما وهاكوداته كل عام، ثم عند العودة يُلقى بهم في عرض البحر بعد انتهاء الحاجة إليهم.
أثار هذا الكلام داخلي موجة من الغضب العارم والرغبة في مواجهة هذا الظلم.
- هذا أمر لا يطاق. لا يمكنني البقاء على متن هذه السفينة، يجب البحث عن وسيلة للفرار ...
- أجل، هذا ما يشغل تفكيري طوال الوقت.
- ماذا تقول! أنت الفتى المدلل من القبطان! لا يمكن أن يلقي بك في البحر.
- كلا، أنا أيضاً أسيوي من الشرق الأقصى، ولا بد أن أقاتل البيض المجرمين من أجل رفاقي من الشرق الأقصى.
رفع تشين رأسه عالياً بإباء وشمم.
لكن يبقى السؤال هل ثمة سبيل للنجاة والهروب من سفينة التهريب المرعبة هذه؟
هروب أم اختطاف؟
كما كان متوقعاً، قامت السفينة تايغر مارو بصيد القضاع والفقمة جهاراً نهاراً في المياه القريبة من جزيرة أونيكوتان غير المأهولة بالسكان في أرخبيل تشيشيما. بعد ذلك، توجهت إلى المياه القريبة من جزيرة باراموشير في أقصى شمال اليابان، وبكل برود، اشترت كميات هائلة من سمك السلمون الأحمر من سفن الصيد اليابانية، وقامت بتخزينها في غرف التبريد جنباً إلى جنب مع حصاد الصيد غير المشروع. كان ذلك من أجل التهرب ببراعة من أعين سفن المراقبة وسفن الحراسة اليابانية. ومن خلال القيام بذلك، كان الهدف هو العودة مجدداً لنهب جزر أرخبيل تشيشيما غير المأهولة. غادرت السفينة تايغر مارو مياه باراموشير متجهة جنوباً في أوائل شهر أغسطس، وتوجهت نحو جزيرة أوبوس التي تقع على بعد بضع عشرة ميل بحري إلى الجنوب الغربي. يُعرف هذا الساحل بأنه موطن للقضاعة البحرية، كما تمتلئ مياهه بأسراب كبيرة من الفقمة، مما يجعله أفضل منطقة صيد في أرخبيل تشيشيما من وجهة نظر المهربين البيض. وبمجرد أن رست السفينة قبالة جزيرة أوبوس، بدأت المرحلة الأخيرة من عمليات الصيد. كانت القوارب الخمسة تنطلق منذ الصباح الباكر، تشق طريقها عبر ضباب البحر، لتعود في منتصف الليل وهي محملة بالكامل. كان القبطان وجميع أفراد الطاقم يعملون بنشاط كبير، وحتى البحارة الموّقتون المساكين كانوا يعملون بجد، دون أن يعلموا بالمصير القاسي الذي ينتظرهم لاحقاً حين يتم التخلص منهم في عرض البحر.
وهكذا، وبينما كنت أقف متفرجاً على مياه وطني الإقليمية وهي تُنهب وتُستباح من قبل المهربين البيض، وجدتني أعض على نواجذي من القهر، وقد بللت دموع الغضب جفوني، لكنني كنت عاجزاً تماماً؛ فما حيلة القلة أمام الكثرة؟ وفي أحد الصباحات، وبعد أن انطلق القبطان والجميع كعادتهم للصيد، جاء تشين من مقصورة القبطان وهمس في أذني:
- اسمع، لم يبقَ على انتهاء عمليات صيدهم سوى يومين أو ثلاثة. إن لم نفعل شيئاً الآن، فستصبح حياتنا في خطر.
- أجل، أنا أيضاً أشعر بالقلق، لكنني محبط لعدم وجود فكرة ناجعة. لقد فكرت، كحل أخير، أن أتسلل إلى مخزن البارود وأفجر هذه السفينة التي تعيث فساداً في مياه اليابان دفعة واحدة.
- شعورك مفهوم ... ولكن إذا فجرتها، فسنتحول أنا وأنت إلى أشلاء، أليس كذلك؟
- لا بأس، فهذا أفضل من أن يكون مصيرنا القتل ...
- أنا لا أوافق على فكرة التضحية بالنفس هذه.
- أحقًا! ولماذا؟
- لأن لدي خطة أفضل. لو كنت مكانك، لاستوليت على هذه السفينة.
- ماذا؟ تستولي على السفينة؟ ... هل يمكن القيام بأمر كهذا حقاً؟
- بكل تأكيد، وسترى ذلك بنفسك.
قالها تشين بكل ثقة، ولكنه في النهاية مجرد خادم يعمل لدى القبطان. فهل يُعقل لمن مهمته تقديم الشاي، وتلميع الأحذية، وطي الأغطية، أن يستولي بهذه البساطة على سفينة بخارية وزنها 1500 طن من أيدي هؤلاء؟
- وكيف سنستولي على هذه السفينة؟
- الأمر بسيط للغاية. تصبح أنت الربان، وأنا المهندس الميكانيكي. ما رأيك؟ بينما هم غائبون، نقوم بتحريك هذه السفينة الضخمة، ونبحر بها مباشرة في طريق العودة إلى يوكوهاما. أليس هذا ممتعاً؟
- فهمت، نترك اللصوص عالقين في شمال المحيط الهادئ، ونذهب نحن إلى يوكوهاما؟ إنها حقاً فكرة بارعة!
صفقتُ لا إرادياً إعجاباً بخطة تشين الماكرة. لكنني حين فكرتُ ملياً، شعرتُ أن هذه المكيدة لا تخرج عن كونها ذكاءً طفولياً.
- لكن أنا وأنت مجرد هواة. لا يمكننا قيادة سفينة بهذا الحجم، أليس كذلك؟
ابتسم تشين وقال:
- هل تريد أن تستسلم ببساطة وتصبح طعاماً للقروش في وسط المحيط الهادئ؟
- لا، هذا ما لا أريده أبداً.
- إذن، اتبع خطتي. ستكون أنت الملاح، وأنا المهندس. هل اتفقنا؟ سأنزل فوراً إلى غرفة المحركات لتشغيل المحرك. إنها فرصتنا الذهبية.
اندفع تشين بحماس واختفى عن الأنظار من فوق سطح السفينة.
أوه! لقد توقف المحرك!
لقد شعرت بالقلق بعد أن أُلقيت على عاتقي مسؤولية أن أكون الملاح. لم يكن على متن السفينة غيرنا سوى أربعة أو خمسة من البحارة المناوبين. هل يمكننا حقاً بهذا العدد القليل أن نبحر بهذه السفينة الضخمة حتى يوكوهاما؟ إن قيام هواة بتحريك باخرة كهذه سيكون معجزة بحق. ومع ذلك، بمجرد أن وطأت قدماي غرفة القيادة، شعرت بتوتر مفاجئ وإحساس عميق بالمسؤولية.
- حسناً! حتى لو كلفني ذلك حياتي، سأصل بها إلى يوكوهاما.
أمسكت بمقود القيادة. وبينما كنت أنتظر وأنا أحدق في البوصلة والخرائط البحرية، أطلق تشين الذي نزل إلى غرفة المحركات صافرة السفينة فجأة وبقوة، إيذاناً بالانطلاق.
تردد صدى الصافرة طويلاً في سماء شمال المحيط الهادئ، وكأنها بوق هجوم يتحدى المهربين البيض.
وما إن دوى صوت الصافرة، حتى بدأت القوارب تظهر من ثنايا الخلجان البعيدة ومن خلف ظلال الجزر، وهي تقترب مسرعة نحو السفينة الأم.
- مهلاً! مهلاً!
أخذ القبطان وأتباعه يصرخون بأعلى أصواتهم، وهم يجدفون بجنون متهالك.
- ذوقوا وبال أمركم! اذهبوا وموتوا جوعاً في تلك الجزر المهجورة المعزولة!
غمرتني السعادة وأنا أدير المقود بكل قوتي. ومع أنني مجرد ربانٍ هاوٍ، إلا أن حماسي للتغلب على هؤلاء الغزاة البيض جعل السفينة الضخمة ذات الألف وخمسمئة طن تطاوع يديّ الضعيفتين وتتحرك بحرية؛ فأصبحت الدفة والمراوح تستجيبان لأوامري تماماً. ويبدو أن تشين يبلي بلاءً حسناً أيضاً رغم أنه كان مثلي هاويًا، إذ كان صوت المحركات يدوّي بإيقاع خفيف ومنتظم.
اتجهت مقدمة السفينة نحو الجنوب والجنوب الغربي، وكانت سرعتها تقارب الأربعة عشر أو الخمسة عشر عقدة. واصلت السفينة إبحارها السريع وهي تشق أمواج شمال المحيط الهادئ المتلاطم في مشهد يبعث على الارتياح. ونظرتُ خلفي، فرأيت القراصنة الذين تركناهم وراءنا يلوحون بأيديهم ويضربون بأرجلهم فوق القوارب الصغيرة، محاولين يائسين اللحاق بالسفينة المغادرة.
كانت صرخاتهم تعلو بجنون:
- مهلاً! انتظرونا!
ازداد شعوري بالنشوة، فرددتُ عليهم بصياح:
- يا لكم من بائسين! إن كنتم تشعرون بالقهر، فالحقوا بنا سباحةً!
في غضون ذلك، اتسعت المسافة بيننا وبينهم في لمح البصر، وسرعان ما غابت القوارب الخمسة خلف ضباب المحيط. لشدّ ما يتملك القبطان بيكول وقراصنته من غيظ الآن! كان من المضحك تخيلهم وهم يضربون الأرض بأرجلهم ويصرخون ملء حناجرهم. واصلنا الإبحار السريع على غير هدى لمدة ساعتين تقريباً، ولكن لسبب ما، لم أتمكن من رؤية أي أثر لجزيرة جهة اليسار. مع أنني كنت أُحدق في البوصلة والخرائط البحرية متأكداً من أننا نتخذ مساراً نحو الجنوب والجنوب الغربي، واضعين شمال أرخبيل تشيشيما على يسارنا، فكان من المفترض أن تلوح الجزيرة التالية في الأفق من تلك الجهة. وحسب الخريطة، تقع جزيرة ماكانرو جنوب جزيرة أوبوس، وتليها جزر أونيكوتان وتشيرينكوتان وإيكاروما مصطفة بالترتيب كأحجار الحديقة اليابانية التقليدية، لذا كان لا بد من رؤية أثر لليابسة الآن، إلا أن المشهد ظل فراغاً شاسعاً من المياه الممتدة.
قلت في نفسي:
- يا للهول! هل يعقل أن الدفة والمراوح لا تطاوع أوامري كما ظننت؟
وما إن راودني هذا الخاطر، حتى بدأ القلق يتزايد بداخلي لحظة بعد أخرى. فإذا استمررنا في الإبحار بمسار خاطئ هكذا، فقد ينتهي بنا المطاف في بحر الشياطين عند نهاية العالم. لكن ذلك القلق كان لا يزال هيناً مقارنةً بما حدث بعد ذلك؛ إذ توقف فجأة صوت المحركات، التي تُعد بمثابة قلب السفينة، عن العمل تماماً. فصرختُ لا إرادياً:
- آه! تباً لنا!
ألقوا بهما في البحر!
صعد تشين، المهندس الهاوي، راكضاً إلى جسر السفينة.
- يا ياماجي، لقد وقع المحظور في النهاية!
- ماذا! ماذا حدث؟
- لقد توقف المحرك فجأة، ولا أملك أدنى فكرة عن مكان العطل.
- هذه معضلة حقيقية.
- بما أنني عاجز عن تحديد العطل، فمن المؤكد أنك لن تعرفه، وبالطبع لن يعرفه البحارة أيضاً ... ياماجي، لم يعد أمامنا خيار سوى أن نترك أمرنا للسماء وننجرف مع التيار.
- على ما يبدو، ليس بيدنا حيلة أخرى.
كنت لا أزال أقبض على المقود بأسى، حين رآني تشين وقال:
- على أي حال، ما دام المحرك قد توقف، فلا طائل من وقوفك هنا تحدق في البوصلة. لنذهب إلى مقصورة القبطان ونأخذ قسطاً من القيلولة.
نزلنا السلم في صمت يملأه الإحباط. وعندما وصلنا إلى السطح الأوسط، ظهر فجأة خمسة من البحارة واعترضوا طريقنا.
- توقفا!
صرخ بها صوت جهير وعميق، كان صاحبه رجلاً ضخم البنية من فيتنام ذو شعر مجعد. مد يده اليمنى، ووجه فوهة مسدسه نحو صدرينا.
- أيها الصغيران، لقد تسببتما في مشكلة كبيرة. هيا، أعيدا تشغيل المحرك فوراً!
ردّ تشين بهدوء وثبات:
- المحرك معطل ولا يعمل. ليس أمامنا الآن سوى الانجراف مع التيار.
- انجراف؟ حسناً.. أيها الصغير، ألا تخشى هذا المسدس؟ إن كنت تخشى على حياتك، فاستسلم لي.
- أستسلم؟
- نعم. أنا الأقوى هنا لأنني أملك السلاح. وبما أنني الأقوى، سأحل محل القبطان بيكول وأتولى القيادة من الآن. وعليكما تنفيذ أوامري.
- اخرس! أنا القبطان هنا، وأنت من يجب أن يتبع أوامري.
عندما رد تشين بتحدٍّ، ضحك الرجل الضخم بملء فيه:
- هاهاها أيها الصغير، تتحدث وكأنك بطل! لكن مهما حاولت، لن يغير ذلك من الواقع شيئاً. كنوز هذه السفينة لي وحدي، ولا تجرؤ على لمسها.
- خذ هذه!
استغل تشين لحظة غفلة وضرب يد الرجل الضخم بقوة.
- آه!
سقط المسدس على سطح السفينة. حاولتُ التقاطه بسرعة، لكن في تلك اللحظة امتدت يد قوية نحوه.
- إلى أين!
- أتريد مواجهتي؟
اشتبكتُ مع أحد البحارة في صراع بدني عنيف.
- تعال أيها الصغير!
- ماذا أيها الكبير!
بدأ تشين والرجل الضخم أيضاً في العراك، ولم يقف بقية البحارة متفرجين، بل انضموا للنزاع لتتحول الساحة إلى مشاجرة جماعية صاخبة.
لكن، لقلة عددنا، سرعان ما تمت السيطرة علينا من قبل البحارة الأشداء على ظهر السفينة.
- يا لهما من صبيين عنيدين! ألقوا بهما في البحر!
صرخ الرجل الضخم بغضب. أحضر البحارة الحبال وقيدوني أنا وتشين معاً بإحكام.
أدركنا أنا وتشين أن المقاومة لا جدوى منها الآن فتوقفنا. فهل كُتب علينا، بعد كل ما واجهناه، أن يكون مصيرنا الغرق في أعماق المياه على يد هؤلاء البحارة؟
تمرد على ظهر السفينة!
لقد حانت اللحظة، سيتم إلقاؤنا في البحر أحياء. أغمضتُ عينيّ، وفي تلك الأثناء، توجّه أحد البحارة بسؤال حازم نحو الرجل الضخم ذي الشعر المجعد:
- وماذا بعد؟ كيف سيتم توزيع فراء قضاع البحر الموجود في غرف التبريد؟
تظاهر الرجل الضخم باللامبالاة وأجاب:
- هذا قراري بصفتي القبطان.
- ماذا! أنت القبطان؟
- بالتأكيد. اعتباراً من اليوم، سأحل محل الزعيم بيكول. وبما أنني الأقوى هنا، فلي الحق في التصرف بالكنوز.
- حسناً، لنرَ من الأقوى إذن بالقوة!
- أتريد المواجهة؟
بدأ الرجل الضخم وبحار شاب صراعاً عنيفاً، بينما كان بقية البحارة يراقبون الموقف باهتمام شديد لمعرفة من سينتصر. كان البحار الشاب يحاول الاندفاع نحو الرجل الضخم، لكنه كان يُدفع بعيداً في كل مرة. وفي النهاية، وجه الضخم ضربة قوية للشاب أسقطته أرضاً ولم يعد قادراً على النهوض.
عند رؤية ذلك، صرخ بحار آخر بوجهه ندبة:
- حسناً! سأنتقم له! تعال!
اندفع نحو الرجل الضخم، لكنه سرعان ما هُزم هو الآخر. وقف الضخم بثبات ونظر حوله بتحدٍ:
- هل من أحد آخر؟ إذا لم يتقدم أحد، فأنا الأقوى وسأفعل ما أشاء بهذه الكنوز.
لكن في تلك اللحظة، تقدم بحار من الخلف وصرخ بقوة:
- كلا، بل أنا القبطان!
- ماذا! من أنت؟
في اللحظة التي التفت فيها الرجل الضخم ذو الشعر المجعد، دوى صوت رصاصة واحدة! فصرخ الرجل الضخم:
- آه!
وسقط على سطح السفينة بجسدٍ واهن بعد أن اخترقت الرصاصة صدره.
أما البحار ذو الملامح الشبيهة بالفهد، فقد استمر في إطلاق النار من مسدسه، ملاحقاً بقية البحارة في أرجاء السفينة. وسرعان ما سكنت الحركة على السطح، فوقف البحار القاتل وعلى وجهه علامات الظفر، وهمس لنفسه:
- لقد انتهى الأمر الآن. أنا وحدي سيد هذه السفينة وما تحمله من كنوز.
ثم التفت فرآنا مقيدين بالحبال، فوجه إلينا نظراته القاسية وفوهة سلاحه.
قلت له بصوت هادئ:
- انتظر لحظة.
صاح بغضب:
ماذا تريد؟
فأجبته:
- نحن لا نهتم بما في غرف التبريد، ولكننا نقدر القوة. نريد أن نكون من رجالك.
بقي البحار متردداً، يراقبنا بحذر شديد وسلاحه لا يزال موجهًا نحوي.
أضفت قائلاً:
- فكر في الأمر، المحرك معطل والسفينة تائهة في عرض المحيط. قد نقضي أسابيع أو شهوراً ننجرف بلا هدى. أليس من الأفضل أن يكون معك من يساعدك بدلاً من البقاء وحيداً في مواجهة هذا المصير؟
بدا أن كلماتي قد أثرت فيه، فأومأ برأسه وبدأ بفك الحبال التي كانت تقيدنا.
ابتسامة باردة من عجوز عجيب
ما إن فُكَّت الحبال وتحررنا أخيراً، حتى رحتُ أنا وتشين نقفزُ في أرجاء السطح الأوسط للسفينة من شدة الفرح.
لكن، لا أدري ما الذي طرأ على بال ذلك البحار الذي يشبه الفهد، إذ وجه فوهة مسدسه فجأة نحو ظهر تشين.
صرختُ لا إرادياً:
- آه! احذر!
لكن صرختي كانت متأخرة؛ فقد انطلقت رصاصة من ذلك البحار الشرس واخترقت كتف تشين اليسرى.
أطلق تشين صرخة ألم مدوية! ثم ترنح وسقط في مكانه.
صحتُ وأنا أرمقه بنظرة حادة:
- أيها الجبان!
ثم هرعتُ نحو تشين واحتضنته.
- تماسك! الجرح ليس عميقاً!
كان تشين الملطخ بالدماء يلفظ أنفاسه بصعوبة:
- يا ... ياماجي ... إنه ... أمرٌ مقهر.
- تماسك!
- أن أُصاب ... على يد ... أسيوي مثلي ... هذا ... مـ ... مقهر حقاً.
- تشين! سـ ... سأنتقم لك، تماسك!
- أرجوك ... أنا ... لم أعد ... أقوى ...
أمسك تشين بيدي وضغط عليها بقوة، لكن قبضته بدأت ترتخي شيئاً فشيئاً، حتى همد جسده تماماً.
- تماسك!
نهضتُ بملء غضبي وصحتُ:
- لماذا قتلتَ تشين البريء؟
وجه البحار الذي يشبه النمر مسدسه نحو صدري وقال:
- لقد تخلصت من تشين لأنه كان يشكل خطراً، أما أنت أيها الصغير، فسأعفو عنك.
- كلا، لن أقبل بأي تسوية. سأنتقم لصديقي تشين!
- هاهاها! هل تنوي مواجهة هذا المسدس وأنت أعزل؟ مهما كنت شاباً يابانياً شجاعاً، فهذا لن يجدي نفعاً. استسلم لي!
- اخرس! إن كنت تظن أنك قادر على اختراق صدر شاب ياباني صلب كالفولاذ، فأرني شجاعتك!
- هاهاها! كنت أريد إنقاذك بدافع الرحمة، ولكن إن كنت ترغب في اللحاق بتشين، فسأنهي أمرك بسرعة. استعد!
ارتسمت على وجه البحار ابتسامة ساخرة، ووضع إصبعه على الزناد.
وفي تلك اللحظة، وبشكل مفاجئ، انطلقت ضحكة مدوية من مكان ما:
- واهاهاهاهاهاها!
رغم قوة تلك الضحكة، إلا أنها بدت لي وللبحار باردة كضحكة الموتى، فالتفتنا خلفنا.
ويا للمفاجأة، فقد ظهر عند مدخل المقصورة رجل عجوز يرتدي ثياباً بيضاء، وشعره أبيض كأنه طيف. وقف هناك فاتحاً فمه الخالي من الأسنان وهو يقول بضحكة باردة ومريبة:
- واهاهاهاهاهاها! لا فائدة من صراعكم هذا فوق سطح السفينة.
- من أنتَ؟
قالها البحار الذي يشبه الفهد، وهو يحدق في العجوز الغريب بعينين مملؤتين بالرعب.
- أنا سيد هذه السفينة. توقفا عن الاقتتال على حياتكما، وغادرا هذه السفينة فوراً.
- ماذا تقول!
وجه البحار مسدسه هذه المرة نحو العجوز الغريب الذي بدا كأنه طيف.
- واهاهاهاها! أيها الشاب، لا فائدة من ذلك. حتى لو أطلقت النار على صدري، فلن تتمكن من البقاء على متن هذه السفينة طويلاً.
- ماذا! ولماذا؟
- لأن مخزن البارود في قاع السفينة سينفجر بعد ثلاث دقائق.
- ماذا!
- لقد وضعتُ للتو فتيلاً في مخزن البارود وأشعلت النار في طرفه. سينتهي الفتيل بعد ثلاث دقائق.. بل ربما دقيقتين.
- يا للهول!
ما إن سمع البحار الذي يشبه الفهد هذا الكلام حتى انطلق راكضاً بشكل لا إرادي؛ ربما كان يبحث عن قارب نجاة، لكن لم يبقَ قارب واحد على متن السفينة. وعندما أدرك ذلك، شحب لونه وارتعدت فرائصه من شدة الخوف.
أما أنا، فقد اغتنمتُ هذه اللحظة ونزعتُ طوق نجاة كان معلقاً على عمود جسر السفينة وارتديته. ففي نهاية المطاف، لم يبقَ سوى دقيقتين أو ثلاث قبل أن تنفجر هذه الباخرة ذات الألف وخمسمئة طن وتتحول إلى أشلاء؛ ولا مجال للتردد. وبمجرد أن أحكمتُ ارتداء طوق النجاة، حتى قفزتُ بجسدي في عرض البحر.
وعندما رأى البحار الذي يشبه الفهد ذلك، سارع هو الآخر بارتداء طوق نجاة، وحذا حذوي فقفز في أعماق المياه.
فعلة أشباح!
كانت أمواج شمال المحيط الهادئ عاتية كما هو متوقع.
بذلتُ أنا والبحار قصارى جهدنا للابتعاد عن السفينة بينما كانت الأمواج العملاقة تتلاعب بنا.
لكن، مرت دقيقتان، ثم خمس دقائق، ولم يبدُ أن مخزن بارود السفينة سينفجر، بل كانت السفينة تنساب بهدوء مع التيار مبتعدةً عنا بسرعة كبيرة. والأدهى من ذلك، أن العجوز الغريب ذو الرداء الأبيض ما زال واقفاً على السطح يودعنا بابتسامته الساخرة ذاتها.
صرختُ لا إرادياً:
- لقد خُدعنا!
سألني البحار وهو يقترب مني محاولاً تفادي رذاذ الموج:
- مـ ... ماذا حدث؟
- لقد احتال علينا ذلك العجوز المريب!
- ماذا؟
- ألا ترى أن مخزن البارود لا ينفجر البتة؟ لقد نجح ذلك العجوز في خداعنا لنغادر السفينة.
- فهمت.
تمتم البحار وقد بدأ يدرك الموقف الآن.
- لا بد من السباحة واللحاق بالسفينة للقضاء على ذلك العجوز!
بدأتُ أسبح بقوة ضد الأمواج العاتية، فلحق بي البحار قائلاً:
- لكن السفينة تجري مع التيار بتلك السرعة، لن نتمكن من اللحاق بها أبداً.
- لكن فكرة أننا خُدعنا من قِبل عجوز كهذا تقهرني! علاوة على أن ذلك العجوز ربما كان شبحاً!
- ماذا تقول؟
- أنا متأكد أن مثل ذلك لم يكن على متن السفينة منذ البداية. ثم ... عندما رأيته، خُيل إليّ أنه بلا قدمين!
- مستحيل! كيف تظهر الأشباح في مكان كهذا؟
- بلى، لقد قتلت السفينة تايغر مارو الكثير من الأسيويين في شمال المحيط الهادئ هذا، ولعل أرواحهم ظهرت في هيئة ذلك العجوز. أنا متأكد مما رأيت، لم تكن له قدمان.
- وإذا كان شبحاً، فلماذا طردنا من السفينة؟
- ربما حتى الأشباح تطمع في فراء قضاعة البحر!
- يا لك من أحمق! وماذا سيفعل شبح بفراء؟ يبيعه؟
- هذا صحيح أيضاً.
أومأ البحار برأسه، لكنه شعر بقشعريرة كلما تذكر هيئة العجوز. أكان شبحاً حقاً، أم شخصاً غامضاً يتخفى خلف قناع؟ وقبل أن يُحل اللغز، كانت السفينة قد ابتعدت عنا كثيراً. مرت عشر دقائق ولم يحدث أي انفجار، وظلت السفينة تنساب بهدوء نحو الجنوب والجنوب الشرقي مع التيار.
لقد تُرِكنا، أنا والبحار، وحيدين في وسط شمال المحيط الهادئ، معلقين حياتنا بطوق نجاة واحد، تتقاذفنا الأمواج العملاقة بلا رحمة.
حل المساء، وبدأت الشمس الحمراء تغرب في أفق السماء الغربية. كانت مياه البحر تتلألأ كأنما نُثر عليها ذهب، لكنني لم أكن في وضع يسمح لي بالاستمتاع بهذا المنظر. إذا كان البرد قارساً هكذا في الغروب، فمن المؤكد أنه سيزداد قسوة في الليل. كان الماء يلسع جلدي كالنصال، وأدركتُ أننا سنموت تجمدًا قبل حلول الصباح.
- لقد أصبح الوضع كارثياً!
بدا أن البحار الذي كان يشبه الفهد قد فقد شجاعته تماماً، فصار الآن ذليلاً كخلد الماء، يصرخ يائساً وهو يعلو ويهبط مع الأمواج:
- آه ... آه ...
وفجأة، اتسعت المسافة بيني وبينه.
حتى عندما ناديتُ عليه:
- يا هذا!
لم يأتِ رد.
صرختُ وأنا ألتفت خلفي:
- تماسك!
لكن أثره كان قد اختفى.
رفعتُ رأسي أبحث عن السفينة، لكنها هي الأخرى توارت عن الأنظار.
بقيتُ وحيداً تماماً، متشبثاً بطوق النجاة، تائهاً وسط المحيط اللامتناهي، تتقاذفني الأمواج.
الفصل الثاني: حوت العنبر والجزيرة الصناعية
وحش البحر
في منتصف تلك الليلة، وفي عرض البحر حالك السواد، شعرتُ كأنّ شيئاً ما قد نقر قمة رأسي، فانتفضتُ فجأة واستعدتُ وعيي الذي كدتُ أفقده.
- يا للهول! ما هذا؟
وبينما كنتُ أتحسس ما حولي، نقر ذلك الوحش رأسي مرة أخرى.
- تباً! من أنت؟
لكن ما لمسته يداي كان وحشاً غريباً، بارداً، ضخماً، وموحشاً بشكل مريب.
- ربما كانت شعاب مرجانية طافية!
لكنني حين أخذتُ أتحسس أنحاءه، وجدته شيئاً أملس للغاية.
- إنه يشبه ملمس الحيوان.
بيد أنه كان هائلاً ومترامياً بشكل غريب بالنسبة لحيوان.
- لا يهم ما تكون. شكراً لك أيها الوحش! يا مَن نقرت رأسي فأعدت لي وعيي، بينما كنتُ أفقد قواي وأشرف على الموت تجمداً، لقد أنقذتَ حياتي!
أعربتُ عن امتناني الصادق هكذا، ورحتُ أمسح على جلد الوحش. حينها شعرتُ وكأنه وحش بحري، ربما كان أسد بحر أو فظاً أو حوتاً.
- آه! تباً. إن كان أسد بحر أو حوتاً، فلا يمكنني البقاء هكذا. فما إن يضربني بزعنفة ذيله حتى أقضي نحبي. إنني في خطر ... خطر عظيم ...
لذا، ابتعدتُ عن جسد ذلك الكائن في التو والحال. ولكن، عند الالتفاف والطفو في ظلام البحر الدامس، عاد الشعور بالوحشة والقلق. ومع نفاد القوى، كان من المتوقع أن يؤدي الطفو لعدة ساعات في مياه المد الباردة إلى فقدان الوعي مرة أخرى.
- ليكن! أسد بحر، أو فظاً لا يهم ما يكون. سأستعير ظهره وآخذ قسطاً من الراحة.
ثم اقتربتُ من ذلك الكائن مرة ثانية، وحاولتُ أن أتسلق ظهره الذي يشبه تلاً صغيراً. لو كان أسد بحر، أو فظاً، لضاق ذرعاً بهذا التشبث المتكرر، ولغاص في أعماق البحر بالتأكيد. ومع ذلك، لم يبدِ الكائن أي اكتراث، واستمر الحال على ما هو عليه دون مقاومة.
- قد يكون هذا وحشاً أضخم حتى من أسد بحر، أو فظ.
انزلقتُ عدة مرات، لكنني تمكنتُ أخيراً من التشبث والزحف فوق ظهر الوحش. كان ظهره أملس كما توقعت، ولكنه رحب كأنه تلة صغيرة. مشيتُ عليه بحذر، فتبين لي أنه فسيح للغاية.
- إنه بحجم طوربيد عسكري! هل يعقل أن يكون حوتاً؟
ساورني القلق، لكنني استسلمتُ للأمر الواقع وتمددتُ فوق ظهر الوحش وتوسدتُ مرفقي. لو كان حوتاً، فلا بد أن يغوص في أعماق البحر بعد قليل. وإن حدث ذلك، فما باليد حيلة، فلنستمتع وقتها برحلة للتعرف على أعماق البحار!
فكرتُ بهذا الاسترخاء الغريب وتمددتُ فوق ظهر الوحش بكل أريحية، إلا أنه لم يُظهر أي بادرة للغوص. بدا وكأنه يحملني ويجرفني معه حيثما يسير التيار.
وبينما كنتُ مستلقياً على ظهره، كانت رياح الليل تلسع جلدي. ومع ذلك، وبخلاف التشبث بطوق نجاة تتقاذفه الأمواج العاتية، لم أكن عُرضة لرذاذ الماء، ولم أكن بحاجة لتحريك أطرافي. كنتُ مبللاً كفأر غريق وأشعر بالبرد، غير أن التعب الشديد جعل النعاس يغالبني.
- ستكون كارثة لو نمتُ وتدحرجتُ ساقطًا في المياه!
رغم تفكيري هذا، بدأتُ أغفو. لذا انبطحتُ على بطني فوق ظهر الوحش؛ فبهذه الطريقة، لن أسقط بسهولة مهما حدث.
وهكذا، فوق ظهر ذلك الوحش مجهول الهوية، غططتُ في نوم عميق.
أوه! جبل جليد!
استيقظتُ فجأة وأنا أتساءل: تُرى كم ساعة غرقتُ في النوم؟
كانت شمس الصباح تدفئ ظهري.
- أوه! هذا رائع حقاً!
اعتدلتُ في جلستي فوق ظهر الوحش، وأخذتُ أتأمل المنظر من حولي. ما زال المحيط شاسعاً لا يرى فيه المرء سوى الماء، لكن يبدو أننا غادرنا نطاق شمال المحيط الهادئ في وقت ما؛ فالهواء بات منعشاً والرياح التي تهب دافئة.
لم يعد هناك خطر من الموت تجمداً. ومع ذلك، ما زلتُ فوق ظهر الوحش. من حسن الحظ أنه لم يغص في أعماق المحيط ليلة أمس، لذا نجوت، ولكن لا أدري متى قد يقرر الغوص. وحين استيقظتُ واستعدتُ نشاطي، بدأ القلق يساورني من جديد بشأن بقائي فوق ظهره.
- على أية حال، ما هذا الوحش أصلاً؟
ولكي أتحقق من هوية الوحش، أخذتُ أتجول فوق ظهره. حقاً، إنه بحجم طوربيد. وبينما كنتُ أمشي وأدقق النظر، تبين لي أخيراً أنه حوت. حوت عنبر ضخم. والأدهى من ذلك، أنه يطفو مسترخياً مع التيار وبطنه الأبيض موجه نحو الأعلى.
لقد كنتُ نائماً منذ البارحة فوق بطن حوت عنبر!
- ماذا؟! أكنتُ فوق بطنه؟
ضحكتُ وحدي من غرابة الموقف. لكن بالتمعن في الأمر، لا يمكن لحوت أن يسبح وبطنه للأعلى. وأخيراً، استطعتُ حل اللغز.
- أجل! لقد كان الحوت ميّتاً إذاً. لا عجب أنه لم يأخذني معه إلى قصر ملك التنانين في أعماق البحار.
حين أدركتُ ذلك، شعرتُ بخيبة أمل طفيفة. لكن إن كانت جثة حوت، فهي آمنة في نهاية المطاف. وصحيح أنها لن تأخذني إلى قصر أعماق البحار، لكن بينما أطفو هكذا، فلا بد أن ترصدني سفينة لصيد الحيتان عما قريب.
- يمكنني الاطمئنان الآن على الأقل.
وهكذا، وبينما هممتُ بالاستلقاء ثانية فوق بطن الحوت، رمقتُ بطرف عيني جهة جنوب شرق البحر، فصرختُ دون شعور:
- ما هذا!
وكان ذهولي في محله، فها هي ذا جزيرة غريبة تلوح في الأفق فوق عرض البحر البعيد. والأعجب من ذلك، أن تلك الجزيرة كانت بيضاء ناصعة، تتلألأ بلون فضي ساطع وهي تستقبل أشعة شمس الصباح بكامل بريقها اللامع.
- أهي جزيرة؟ أم سفينة شراعية؟ أم عساها جبل جليدي؟
لكن، لا يُعقل أن ينجرف جبل جليدي إلى محيط تهب فيه رياح دافئة كهذه. إذاً، لعلها جزيرة من الأصداف؛ فثمة جزر تتراكم فوقها الأصداف وفضلات الطيور حتى تبدو بيضاء. غير أن ذلك البريق الفضي المتلألئ، بخلاف البياض العادي، لا يمكن إلا أن يكون جبلاً جليدياً.
أمر مريب؛ كيف لجبل جليدي أن ينجرف إلى هذا المحيط الدافئ دون أن يذوب؟
بينما كنتُ غارقاً في حيرتي وأدقق النظر، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ بدأت جثة الحوت التي تحملني تكتسب سرعة مفاجئة، وتندفع نحو ذلك الجبل الجليدي!
- يا للعجب! الأمر يزداد غرابة. هل عادت الروح إلى الحوت؟
كلا، لم يعد للحياة. بل إن جثة الحوت قد استسلمت لتيار بحري هائج وسريع، فانطلقت كالسهم. والمثير للريبة أن اتجاهها كان يستهدف ذلك الجبل الجليدي العائم في الأفق؛ كانت تقترب منه بسرعة كبيرة كأنها مغناطيس يُجذب إليه.
- هذا خطر داهم! لو اصطدمت جثة الحوت بذلك الجبل وجهاً لوجه، فسوف يتفتت جسدي مع الحوت كأوراق شجر تمزقها رياح!
هنا تملّكني رعب حقيقي، فأغمضتُ عينيّ. وبدا أن المسافة بين الجبل الجليدي والحوت تتقلص لحظة بعد لحظة. هل انتهى كل شيء؟
سر الجزيرة الصناعية
في صباح اليوم التالي، استيقظتُ في غرفة مضاءة بنور ساطع، يُفترض أنها غرفة في مستشفى، مستلقياً على سرير. كان جسدي ملفوفاً بالضمادات. تذكرتُ أنني في صباح اليوم السابق، بينما كنتُ أعتلي جثة حوت، جرفني التيار، واقتربتُ بسرعة من جبل جليدي، ثم اصطدمتُ به. بدا أنني ارتطمتُ بطرف الجبل الجليدي بقوة، وفقدتُ وعيي، ثم نُقلتُ إلى غرفة المستشفى هذه.
لكن أين أنا بالضبط؟ من المستحيل أن يكون لجبل جليدي غرفة مستشفى بهذه الروعة... نهضتُ من السرير وأنا أشعر بنعاس وكأنني في حلم وتجولتُ في الغرفة وأنا أترنح.
كانت شمس الصباح تتسلل عبر النافذة. نظرتُ من الخارج، فذهلت. لقد كان حقاً جبلاً جليدياً، أو بالأحرى، كتلة من الجليد. يقف مبنى أبيض على جزيرة جليدية مسطحة. إحدى غرفه تُستخدم عيادة. لا، ليس الأمر مقتصرًا على المباني البيضاء فقط؛ فهناك مصانع، وما يُشبه محطات توليد كهرباء، وحتى حظيرة طائرات. علاوة على ذلك، ترسو طائرتان مائيتان أحاديتا الجناح تستريحان على الجليد، ويسير أشخاص يرتدون ملابس عمل زرقاء فاتحة على الجليد الصافي الجميل الذي يشبه الكريستال.
هذه ليست جبال جليدية جرفتها مياه القطب الشمالي. هل غُطت الجزيرة بالجليد فحسب؟ كلا، لو كان الأمر كذلك، لكانت المنازل والحظائر محاصرة بالجليد. فضلاً عن ذلك، من الغريب ألا يذوب الجليد، بل يلمع كالرخام، رغم سطوع الشمس ودفء الجو.
بدأتُ أشعرُ بريبةٍ شديدة، وفجأةً انفتح الباب ودخل شابٌّ يرتدي ملابس عملٍ زرقاء فاتحة. نظر إليّ بنظرةٍ فاحصة، ثم سألني مباغتةً بسؤالٍ غريب:
- ما هي جنسيتُك؟
- أنا ياباني.
- همم... هذا لا ينبغي. لقد كان من سوء حظك أنك ياباني. مع أننا تجشمنا عناء إنقاذك، إلا أنه عليك العودة من حيث أتيت حالاً.
- ماذا!
- نحن لسنا ملزمين بإنقاذ التائهين الأجانب. غادر الجزيرة فوراً.
كان صوته يشعرني ببرودةٍ أشد من الجليد.
- لماذا تحاول طردي؟
- نحن لا نعمل في مجال الإغاثة من الكوارث المائية. وعلاوةً على ذلك، كان من سوء حظك أنك شاب ياباني؛ فلا يمكننا السماح لك بالبقاء في هذه الجزيرة.
- ......
- والسبب بسيط، هو أن هذه الجزيرة.. جزيرةٌ صناعية.
- ماذا؟ جزيرة صناعية؟!
- أجل، هذه جزيرة اصطناعية اخترعها مهندس يعمل في شركة أسلحة أمريكية، ونحن الفنيين نقوم بإجراء اختبارات تحمّلها للحرارة. نختبر ما إذا كانت هذه الجزيرة الجليدية تمتلك القدرة على الصمود في المناطق المعتدلة، بل وحتى في مناطق خط الاستواء. فإذا سرق شاب ياباني أسرار هذه الجزيرة، فستفقد براءة الاختراع السرية قيمتها تماماً، أليس كذلك؟
- أنا مجرد شاب صغير، وأقسم لك بأنني لن أسرق أسرار الجزيرة. أرجوك، دعني أبقى هنا حتى يمكنني العودة إلى اليابان.
- مستحيل. إنما أنقذناك لأننا كنا بحاجة إلى قوتك العاملة؛ أي أننا أردنا منك القيام بالطهي والأعمال الأخرى، لكن لسوء الحظ تبين أنك ياباني، واليابانيون بارعون في التقليد. لا يمكننا إبقاؤك هنا ولو للحظة واحدة.
ضغط المهندس الشاب على جرس النداء فوق الطاولة، فظهر عدة رجال يرتدون ملابس العمل ذاتها.
- اطردوا هذا الشاب من هنا.
أصدر المهندس أمره بكل قسوة وبرود، وفي الحال أمسك الرجال بكتفيّ ويديّ. لقد عبرتُ مراراً بين الحياة والموت فيما مضى، لذا لم أكن خائفاً جداً من طردي من هذه الجزيرة الجليدية الغريبة وإلقائي في البحر، ولكني أردتُ بشدة استكشاف أسرار هذه الجزيرة التي يبدو خلفها قصة ما، ولم أرغب في أن يُلقى بي في اليم هكذا بلا طائل.
- سأقوم بأي عمل تطلبونه، فأرجوكم دعوني أبقى في الجزيرة.
توسلتُ إليهم هكذا مقاوماً إخراجي من الباب، لكن المهندس الشاب ازداد غلظةً وقال:
- بما أنك ياباني، فعليك أن تستسلم للأمر الواقع... هيا يا رجال، لا تضيعوا الوقت، ضعوه في كيس من الخيش وألقوا به في عرض البحر!
- وهو كذلك!
صاح العمال بصوت واحد وهم ينهالون عليّ، ثم غطوني من رأسي بكيس من الخيش كانوا قد أعدوه. وبعد أن حشروا أطرافي التي كانت تتخبط، أحكموا ربط فوهة الكيس بالحبال. آه، هل كُتب عليّ هذه المرة أن أتلاشى كحطام في قاع المحيط؟
وبعد قليل، حُملتُ وأنا داخل الكيس على ظهر أحد العمال، واتجه بي نحو شاطئ الجزيرة الجليدية.
لقد أصبحت حياتي الآن كشعلة قنديل في مهب الريح.
عجوز في ملابس صينية
بمجرد أن وضع العامل كيس الخيش أرضاً، تعاون اثنان من العمال على إمساك طرفيه ورفعه عالياً. وفي اللحظة التي أوشكا فيها على قذفه في البحر مع صيحات واحد، اثنان، ثلاثة، ارتفع صوت أجش من خلفهم قائلاً:
- مهلاً، لا داعي للاستعجال!
أعاد العمال الكيس فوق الجليد مرة أخرى، وقال صاحب الصوت الأجش:
- إن إلقاء هذا الشاب في البحر أمرٌ يمكن القيام به في أي وقت. ففي هذه الجزيرة، لن يتمكن من الهرب أو الاختباء، لذا لن يكون الوقت متأخراً إذا استعملتموه في العمل الشاق أولاً ثم ألقيتم به في البحر لاحقاً.
أجاب صوت المهندس الشاب:
- نعم، هذا صحيح أيضاً.
أُخرجتُ من كيس الخيش، ووقفت فوق الجليد الصلب الذي يشبه الرخام. لمحت صاحب الصوت الأجش؛ كان عجوزاً يرتدي ملابس صينية وينتعل قبقاباً خشبياً، لكنه لا يبدو صينياً. ظل يرمق وجهي بنظرات فاحصة ثم قال على أي حال، اسمحوا لي باستخدام هذا الصبي في مختبري، فهو يبدو ذكياً جداً.
قال ذلك وأمسك بكتفي بيده النحيلة التي تشبه غصناً جافاً، وبدأ يسير بخطى متثاقلة. لم أدرِ حينها أأثق بهذا العجوز أم لا، ولكن بما أنه أنقذ حياتي في تلك اللحظة الحرجة، فقد شعرت بامتنان تجاهه.
كان المختبر في مبنى منفصل ضمن البناء الأبيض نفسه. وعندما أدخلني العجوز إلى إحدى الغرف، أشار إلى مقعد قائلاً
- اجلس هناك.
فسألته:
- بماذا يمكنني أن أساعدك؟
فأجاب:
- سيبدأ العمل تدريجياً، أما اليوم فاسترح جيداً.
بدا في غاية اللطف، لكنني فكرت في النهاية أنه ينوي استغلالي تماماً قبل إلقائي في البحر، لذا لم أرَ فرقاً كبيراً بينه وبين القبطان بيكول.
- قلتَ إنك ياباني، أليس كذلك؟
- بلى، هذا صحيح.
- اليابانيون لا يقلون شأنًا عن الألمان في المواهب العلمية؛ ولهذا رغبتُ في أن تكون مساعدًا لي في مختبري.
- وماذا تدرس في بحثك؟
- أنا أبحث في الجزر الصناعية.
- هل أنت من صنع هذه الجزيرة الجليدية؟
- نعم.
- وما طبيعة الجزيرة الصناعية تحديدًا؟
- من الطبيعي أن يثير الأمر فضول شاب مثلك. سأشرح لك باختصار؛ بدأت فكرة الجزر الاصطناعية مع الدكتور الألماني غيركي، حيث يتم تركيب عدد لا يحصى من الأنابيب السميكة المترابطة في قاع البحر الضحل، ويُضخ فيها باستمرار سائل تجميد يعمل على تجميد مياه البحر. والهدف من ذلك هو جعل جزيرة جليدية تطفو فوق سطح الماء لتكون مهبطًا للطائرات. أما جزيرتي أنا، فيمكن إنشاؤها بحُرّية تامة حتى في وسط المحيط الهادئ وليس فقط في المياه الضحلة، لذا فهي تختلف عن فكرة الدكتور غيركي من حيث الحجم والتكوين.
- وكيف لا تذوب الجزيرة الجليدية في البحار الدافئة؟
- أرأيت محطة الطاقة الموجودة فوق الجليد؟ تلك المحطة تضخ سائل التجميد باستمرار عبر أنابيب حديدية؛ لذا حتى لو ذاب سطح الجزيرة، فإن مياه البحر التي تتجمد بسرعة تعمل على تجديد البناء، فلا خوف عليها. علاوة على ذلك، هذا الجليد صلب كالرخام لأنه تجمد بفعل عمليات كيميائية سريعة.
- إذا أصبح من الممكن إنشاء جزر صناعية في أي مكان بحُرّية تامة، فستتمكن الطائرات من التحليق بأمان، أليس كذلك؟
- هذا صحيح. وفي حالة الحرب، يمكن إنشاء جزر صناعية في أماكن متفرقة لتكون قواعد للأساطيل البحرية وسلاح الجو، وإذا شعرت بالخطر، يمكنك إذابتها في لمحة بصر.
- أوه، هذا مذهل! إذن، الدولة التي تخترع الجزر الصناعية ستضمن الفوز في الحرب حتمًا، أليس كذلك؟
- أنا من صنع الجزيرة الصناعية، ولكني اخترعت أيضًا سلاحًا جديدًا؛ عبارة عن ضباب صناعي من نوع خاص، إذا أُطلق على الجزيرة جعلها تذوب في طرفة عين. أنا الآن في المرحلة الأخيرة من إتمام هذا البحث.
لمعت عينا العجوز كعيني بومة وهو يكمل كلامه.
- أنت عالم إذن! أنت دكتور، أليس كذلك؟ وأنت صاحب السيادة على هذه الجزيرة؟
- صاحب السيادة؟ هاهاها من المنطقي أن أكون كذلك بما أنني خالق هذه الجزيرة. ولكن، الحقيقة هي أنني مجرد عبدٍ بائس.
- ماذا!
خطة؟
- أيها الشاب الياباني، لقد جئنا إلى قلب المحيط الهادئ لإجراء اختبارات مقاومة الحرارة على هذه الجزيرة الصناعية، وقد نجحت الاختبارات نجاحاً كبيراً. وبعد بضعة أيام، سنعيد هذه الجزيرة إلى المياه ونعود إلى وطننا، ولكن أولئك القائمين على شركة الأسلحة الذين استغلوا عقليتي العلمية، سيتخلصون مني أنا الدكتور العجوز بإلقائي في المحيط لأنهم لم يعودوا بحاجة إليَّ.
- إذن، هل تواجه المصير نفسه الذي سأواجهه؟
- نعم، لقد أصبحتُ بالنسبة لهم مجرد آلة قديمة لتصنيع الأسلحة لم تعد ذات نفع، لذا سيُلقون بي في البحر. ولأنني لا أريد أن أموت وحيداً، فقد طلبتُ العفو عن حياتك لكي تكون رفيقاً لي في رحلتي الأخيرة.
عندما أدركتُ ذلك، شعرتُ بالغضب تجاه هذا الطبيب.
- ولكنني أرفض أن أكون رفيقك في الموت.
رفضتُ ذلك بحزم، فابتسم الطبيب العجوز بحزن وقال:
- أريدك أن تموت مع عجوز مثلي، أم تفضل أن تُوضع في الخيش وتُلقى في البحر؟
- ........
- هل تموت معي، أم تُلقى في البحر على يد أولئك العمال؟ لا يوجد أمامك سوى هذين الخيارين.
فكرتُ قليلاً ثم قلت:
- بدلاً من أن يقتلني أولئك العمال ...
- أوه، ستبقى معي على هذه الجزيرة إذن؟
- نعم.
- عظيم. هذا هو الشاب الياباني الذي يتحلى بالشهامة. أنت حليفي الوحيد الآن، لذا، سأكشف لك عن نيتي الحقيقية.
- ماذا! نيتك الحقيقية؟
- أجل. أنا بالفعل آلة قديمة لصنع الأسلحة، لكنني لن أسمح لرجال شركة الأسلحة الأمريكية بإلقائي في وسط المحيط هكذا. سنتعاون معاً لمقاومتهم.
- هل تقصد أننا سنخرج من هذه الجزيرة معاً؟
- ليس هرباً، بل سنخوض معركة ضد الذئاب التي تعيش على هذه الجزيرة. لقد كنتُ عازماً على ذلك منذ البداية، ومع انضمامك إليّ، أصبح لديّ الآن فرصة كافية للفوز.
- لكننا مجرد شخصين، والعدو يتفوق علينا بعشرات الأضعاف، لا أظن أننا سننتصر.
- لا تنسَ أنني عالم. وقوة العلم لا تُقارن بقوة مئات أو آلاف من البشر العاديين.
- أطلعني على الخطة من فضلك.
- خطتي هي كالتالي أولاً، سنهاجم محطة الطاقة التي تُعد قلب هذه الجزيرة الصناعية، وسنحتلها. ثم نسيطر على العدو اعتماداً عليها. فإذا توقفت الطاقة وعجزوا عن ضخ سائل التجميد في الأنابيب الحديدية تحت الماء، ستذوب الجزيرة فورًا؛ وبسبب خوفهم من ذلك، لن يجرؤ العدو على مهاجمتنا.
- لكن حتى لو سيطرنا على محطة الطاقة وقبضنا على قلب الجزيرة، فإن لديهم عدة طائرات تحت تصرفهم. ألن يتمكنوا من ركوبها والنجاة بأنفسهم بمجرد أن نهددهم بإذابة الجزيرة؟
- هيهات، سنحرق الطائرات تمامًا قبل ذلك ونقطع عليهم طريق النجاة.
- ماذا! إذا أحرقنا الطائرات، ألن ينتهي بنا الأمر نحن أيضاً إلى مشاركة الجزيرة مصيرها المحتوم؟
- في المغامرة، القلق ممنوع. المغامرات التي لا يرافقها العلم أصبحت من الماضي. إن جزيرتي الصناعية هذه يمكنها الإبحار بقوتها الذاتية بسرعة ثلاث عشرة عُقدة بحرية. باختصار، هذه الجزيرة ليست مجرد جزيرة عائمة في المحيط، بل هي كسفينة نوح. هناك عدة محركات دفع رائعة كامنة في أعماق البحر، ستدور بقوة بمجرد ضغط زر واحد في محطة الطاقة. بينما نسيطر على قلب المحطة، سأوجه أنا وأنت الدفة مباشرة نحو اليابان ... وإذا فشلت هذه المغامرة، فلا بأس بأن نغرق بكرامة في قاع البحر.
- فهمتُ جيداً. أنا معك!
- إذن، ستقوم أنت بمهاجمة حظيرة الطائرات عند منتصف الليل. وفي الوقت نفسه، سأهاجم أنا محطة الطاقة وأسيطر عليها. عليك أن تشعل النار في الحظيرة.
- هل تملك قنابل؟
— لو أُتيحت لنا أسلحة كالقنابل، لما خضنا هذه المجازفة. لو كان لدي قنبلة، لرميتها على سكنهم وقضيتُ على الجميع دفعة واحدة. لكننا الآن عاجزون تماماً وتحت مراقبتهم، لذا علينا اللجوء إلى وسائل استثنائية.
ثم اقترب العالم العجوز من أذني، وهمس لي بالخطة السرية.
غارة ليلية على حظيرة الطائرات
أخيراً، حانت ساعة الهجوم الليلي.
كان الهدف هو مباغتة الجزيرة الصناعية القابعة في وسط المحيط وهي غارقة في سبات عميق. ففي مبنى السكن الأبيض، كان الجميع من فنيين وعمال يغطون في نوم عميق، إذ لا حاجة للحراسة أو السهر في جزيرة معزولة لا يُخشى عليها من هجوم خارجي، باستثناء مهندسي الميكانيكا الذين يتبادلون النوبات في محطة الطاقة.
عند منتصف الليل، وفي الموعد المحدد، وقف الدكتور العجوز تحت نافذة المختبر. وما إن رآني حتى رفع يده ملوحاً بالإشارة، ثم انطلق كالريح نحو محطة الطاقة. أما أنا، فمضيت وحدي لتنفيذ مهمة إحراق حظيرة الطائرات.
كانت النجوم تتلألأ في كبد السماء، والهواء صافياً كالماء. وانعكس ضوء النجوم على سطح الجليد البلوري بلمعان خافت، فبدا جميلاً كحجر السَّبَج الأسود. امتد البحر أرجوانياً داكناً إلى ما لا نهاية، وكانت طيور البحر تغرّد من مكان مجهول. في مثل هذه الليلة الهادئة، يخطط شخصان باستماتة لمواجهة عدو يفوقهما بعشرات الأضعاف والاستيلاء على الجزيرة. كان من الصعب تخيل أن هذا السطح الجليدي الجميل سيتحول بعد دقائق معدودة إلى بحر من الدماء.
لم يكن هناك حراس حول الحظيرة، ومع ذلك شعرت بريبة وكأن شخصاً ما يترصدني في الظلال. فتحتُ باب الحظيرة بحذر، ووجهت مضخة وقود صغيرة كانت معي نحو الطائرات، ثم خلعت سترتي وغمرتها بالوقود.
هكذا، أصبحت الاستعدادات مكتملة.
- استعد!
قلت ذلك لنفسي وأنا أشعل النار في السترة المبللة بالوقود، وقذفتها نحو الطائرات داخل الحظيرة. انطلقت النيران بصوت مدوٍ، وفي تلك اللحظة صرختُ:
- هذا هو!
وضغطت بكل قوتي على مقبض مضخة الوقود. انهمر الوقود كالمطر فوق كتلة اللهب المشتعلة، وفجأة، تحولت الحظيرة إلى جحيم مستعر.
- وافرحتاه!
صرختُ في انفعال شديد، وشعرت بدموع ساخنة تنساب على وجنتيّ، لكني لم أحاول مسحها، بل واصلتُ ضخ الوقود بكل ما أوتيت من قوة.
وفي تلك اللحظة، تعالت من السكن صرخات مدوية تشبه العاصفة؛ لم أدرِ أكانت صيحات ذعر أم استغاثة. يبدو أن أحدهم قد اكتشف الحريق وجن جنونه وبدأ يوقظ الآخرين. رأيتهم بوضوح تحت ضوء اللهب وهم يركضون نحو حظيرة الطائرات بهستيريا.
بعد أن تأكدتُ من أن النيران قد التهمت الحظيرة تماماً، وأن الطائرات الثلاث تشتعل بقوة، ركضتُ نحو محطة ا الطاقة. كانت ألسنة اللهب العملاقة المنبعثة من الحظيرة تنعكس على سطح الجليد الصافي في مشهد مهيب يفوق الوصف؛ مشهد تعجز الأقلام واللوحات عن تصويره، فكنت أركض وأنا ألتفت خلفي مراراً مأخوذاً بجمال ذلك المنظر المرعب.
هُرع العدوُ تجاهنا
نحن الآن مع الدكتور العجوز الذي اندفع إلى محطة الطاقة. وقف أمام عامل ميكانيكي ذي لحية حمراء كان يجلس مسترخياً أمام المحرك البخاري ويغط في النوم، فصاح به:
- هيا، استيقظ!
رفع العامل رأسه فزعاً، وظن أن أحد المسؤولين قد ضبطه نائماً، فأخذ يرمش بعينيه في ارتباك. وجه الدكتور العجوز عصاه نحو صدر المهندس، متظاهراً بأنها جهاز تقني متطور، وقال:
- انظر إلى هذا، إنه جهاز من ابتكاري. إذا أردت السلامة، فعليك أن تنضم إليّ وتتبع تعليماتي.
صدّق الميكانيكي أن العصا أداة خطيرة، وارتجف من شدة الخوف، فرفع يديه مستسلمًا دون أي مقاومة.
تابع الدكتور:
- لقد سيطرنا على حظيرة الطائرات لتعطيل وسائل النقل، وأنا هنا للسيطرة على قلب هذه الجزيرة الصناعية. يجب أن نواجه هؤلاء التقنيين في شركة الأسلحة. فهل ستكون معنا أم ضدنا؟
أجاب الميكانيكي:
- سأكون معكم.
قال الدكتور:
- حسنًا، عد إلى عملك وكن مخلصاً لمهمتك.
في تلك اللحظة، أضاء الأفق فجأة وسمع دوي هائل من جهة الحظيرة.
صاح الدكتور:
- لقد نجح الأمر! انظر، لقد تم تعطيل الطائرات.
نظر الميكانيكي من النافذة وصاح في ذهول:
حريق!
ثم حاول الاندفاع للخارج، لكن الدكتور اعترضه بعصاه قائلاً:
- لا تتحرك من هنا. إذا لم نسيطر على الموقف، فقد تنهار الجزيرة بأكملها. لقد تعطلت الطائرات، فماذا سيحدث برأيك لو فقدنا السيطرة على المحرك؟
صمت الميكانيكي وعاد بهدوء إلى مكانه أمام المحرك.
كانت ألسنة اللهب تتصاعد من الحظيرة، وتعالت صرخات الناس كالعاصفة. وسادت حالة من الفوضى العارمة. ومن وسط ذلك الزحام، تمكنتُ أنا، الشاب الياباني، من الوصول ببراعة إلى محطة الطاقة.
استقبلني الدكتور العجوز بفرح قائلاً:
- لقد أبليت بلاءً حسناً.
فقلت له:
- وأنت أيضًا.
فأضاف:
- نعم، لقد سيطرنا على المحطة بنجاح.
قلت:
- الجميع يندفعون نحونا!
وبالفعل، كان الناس يركضون نحو المحطة وهم يصرخون بغضب.
قال الدكتور بهدوء لا تقلق، لقد أمسكنا بزمام الأمور، والنصر حليفنا.
وصلت المجموعة إلى المحطة وقالوا:
- اقبضوا على الدكتور والشاب الياباني!
ثم اقتربوا كثيرًا من الباب وهم يصيحون بغضب شديد.
بدء ذوبان الجزيرة
في تلك اللحظة، أطلّ الدكتور العجوز فجأةً برأسه من نافذة محطة الطاقة.
صرختُ محاولاً إيقافه:
- انتبه أنت في خطر!
لكنه لم يُعرني أي اهتمام، ونادى بصوتٍ أجشّ لكن قويّ على الجموع المُقتربة:
- توقفوا عن إطلاق النار، وإلا سيتعطل قلب الجزيرة الصناعية النابض.
بدا أن هذه الجملة الواحدة قد أحدثت تأثيراً، إذ توقّف وابل نيران العدو فجأةً، وتوقفت الجموع عن التقدّم. رفع الدكتور العجوز صوته، وقد أضاءت ألسنة اللهب في الحظيرة الجزء العلوي من جسده، مُعلناً:
- لقد سيطرتُ بالفعل على قلب هذه الجزيرة الصناعية، واحترقت جميع الطائرات، لقد فقدتم حريتكم. اسمعوا، إن قاومني أحد، فسأُصدر أمراً لأحد رجالي هنا بتدمير محركات الطاقة دفعةً واحدة. ستُصبح المحركات عديمة الفائدة قبل أن تتمكّنوا من اقتحام مكاننا هذا وطعننا بحرابكم، ما رأيكم؟
هكذا أدلى بهذا التصريح. لكنّ جموع العدو الواقفة في الخارج ظلت صامتة، وقد استبدّ بها الغضب والخوف. لقد استولت النيران على قلوبهم تماماً.
كانت حظيرة الطائرات لا تزال تحترق بشراسة، لكنّ ألسنة اللهب كانت تقترب من نهايتها، كاشفةً بشكلٍ مأساويّ عن الهيكل الشبكيّ الفولاذيّ وحطام الطائرات. واصل الدكتور العجوز حديثه، وجسده مكشوفٌ أمام فوهات بنادق العدو:
- إننا نعتبر صمتكم علامةً على عدم المقاومة. الطائرات في حالةٍ يرثى لها الآن؛ مهما حاولتم المقاومة، فلن تتمكنوا من الفرار من هذه الجزيرة. ما قولكم؟ ألا نعقد معاً اتفاقية سلام؟ ألا تصافحونا، نحن الذين نملك قلب هذه الجزيرة، وتوافقون على نقل هذه الجزيرة الصناعية نحو البرّ الرئيسيّ؟
ظلّت الجموع في الخارج صامتة.
- أم ستدمّرون مصدر الطاقة بأيدينا، وتذيبون الجزيرة الجليدية، ونصبح حطامًا في قاع البحر الأصدقاء، والأعداء على السواء.
استمرت وحدات العدو، التي لم تعد قادرةً على التقدّم أو التراجع في صمتها المطبق.
- بمجرد اكتمال الجزيرة الصناعية التي أنشأتُها، لن يكون لكم حاجة إلى هذا الأحمق العجوز، وستتركونني على هذه الجزيرة وتأخذون معدات الطاقة معكم. سيكون ذلك قسوةً بالغةً ووحشيةً لا تُطاق. بالتأكيد لستم جميعًا بهذه القسوة. من يثق بي، ويُدرك موهبتي العلمية، ويرغب في أن أواصل أبحاثي، فليُلقِ سلاحه ويأتي معي.
عند هذه الكلمات، ألقى أحد الرجال في المقدمة سلاحه، ثم سار بيأس في اتجاهنا. وعلى خطاه، ألقى الآخرون أسلحتهم وتبعوه.
لكن هذا كان نتيجة إهمالنا. نصف المجموعة، الذين دخلوا محطة الطاقة متظاهرين بالاستسلام، اندفعوا فجأةً نحو الدكتور العجوز.
- آه!
- اقتلوا الرجل العجوز!
في لحظة، تم تثبيت الدكتور العجوز أرضًا حفاظًا على سلامة الناس. ثم اندفع النصف الآخر نحوي.
- اقضوا على الشاب الياباني أيضًا!
تفاديت الهجوم برشاقةٍ كطائرٍ مُحلقٍ نحو المحرك. ظننتُ أن كل شيء قد انتهى، فانتزعتُ مطرقةً كانت قريبةً مني، وصرختُ: هيا! وضربتُ بها المحرك.
شهقت جحافل الشياطين التي اندفعت نحوي. كأن قلوبهم قد صُدمت. واصلتُ ضرب المحرك بالمطرقة، محطماً إياه. تحطمت التروس، وانكسرت الأعمدة، وتدفق البخار البارد من الأنابيب المكسورة بقوة هائلة. مسحتُ العرق عن جبيني، والتفتُ إليهم وقلت:
- الآن، انتهى كل شيء. هيا بنا نستمتع بمشاهدة ما تحت الماء، الأصدقاء والأعداء معاً. بمجرد انقطاع التيار الكهربائي، ستذوب هذه الجزيرة تدريجياً. لنتوقف عن القتال الآن.
لم يُجب أحد.
غادر الأشخاص الذين كانوا يُكبّلون الدكتور العجوز المكان، وكانوا يحدقون بي الآن في صمتٍ مذهول. لم يعد أحد يحاول الإمساك بي. ساد صمتٌ رهيبٌ داخل محطة الطاقة وخارجها.
اقترب مني الدكتور العجوز وقال:
- أحسنت. أُقدّر شجاعتك وحزمك. ويسعدني أن أموت معك، ثمّ أمسك بيدي بقوة.
- أنا آسف. لتدميري المحركات ...
- لا، في هذه الحالة، أنقذنا قرارك الحاسم في النهاية.
- ولكننا سنغرق جميعاً.
- لكن إذا سلّمنا محطة الطاقة لهم، فلن يموت سوى أنا وأنت ... أوه، بينما نتحدث، ستبدأ الجزيرة بالذوبان. دعنا نرى الجزيرة الصناعية تذوب قبل أن نموت.
بدأ الدكتور العجوز يمشي ببطء نحو المدخل. لا أحد، صديقًا كان أم عدوًا، إلا وقد أُعجب بموقف هذا العالم المُسنّ الذي كرّس حياته للعلم.
سفينة القدر
سرعان ما صرخ أحد الواقفين وهو يتأمل الخارج من النافذة بصوتٍ حاد:
- آه، يا للهول! الجزيرة بدأت تذوب!
- ماذا؟!
رُغم أن الأمر كان متوقعاً، إلا أن مباغتته جعلت الناس يمتُقعون ذعراً، ويُهرعون إلى الخارج يتسابقون. أخذوا يهرولون يميناً وشمالاً فوق الجليد في تخبطٍ شديد؛ فمنهم من حاول تسلق سقف محطة الطاقة، ومنهم من راح يعانق الآخر ويبكي. يا للسخرية، لقد بدا ارتباك هؤلاء الرجال البيض مضحكاً إلى حدٍ ما.
التفت الدكتور العجوز إليهم محذراً:
- أليس من الطبيعي أن يذوب الجليد؟ لا داعي للذعر.
لكن الخوف من الموت الوشيك جعلهم يستمرون في التخبط وإطلاق صرخات الرعب. نقر الدكتور العجوز بطرف قبقابه الخشبي فوق الجليد، ثم التفت إليّ قائلاً:
- همم، بالفعل، بمجرد أن يفقد العامل المجمّد مفعوله، يصبح هذا الجليد الذي كان صلباً كما تراه الآن.
لم تكن نبرته توحي بالحزن على تلاشي الجزيرة الاصطناعية التي كانت من ابتكاره، بل كانت ضحكة رضا، وكأنه يبتهج بإثبات القوة المرعبة للكيمياء.
وفي غضون ذلك، كانت الجزيرة الصناعية تذوب لحظة بلحظة. فبجانب الأجزاء المغمورة في البحر، كان السطح والأطراف يذوبان بسرعة فائقة.
- النجدة!
- آه ...
صرخ الفنيون والعمال في يأس بعد أن انقطعت بهم السبل، ثم ما لبثوا أن تقاطروا نحو الدكتور، فأحاطوا به وهم يتوسلون:
- يا دكتور، أرجوك أنقذنا!
- نتوسل إليك، أنقذ حياتنا!
- نرجوك!
وفي النهاية، جثوا على ركبهم فوق الجليد الذائب، وبسطوا أيديهم يتضرعون إليه في استعطاف مرير.
أجابهم الدكتور والابتسامة لا تفارق محياه:
- إذا كنتم حريصين على حياتكم، فهل ستطيعون أمري؟
- سنفعل!
- أنقذنا بأي شكل!
- إذن، عودوا إلى ذلك المبنى الأبيض. هذا المبنى سيطفو فوق الموج حتى لو ذابت الجزيرة. إنه سفينة نوح هذا العصر.
ما إن سمع الفنيون والعمال ذلك حتى صرخوا:
- أوه، سفينة نوح!
- سفينتنا!
وانطلقوا يتسابقون نحو المبنى الأبيض.
قال لي الدكتور العجوز محفزاً:
- أيها الشاب الياباني، عليك أنت أيضاً أن تستقل تلك السفينة لتنجو بحياتك.
- وماذا عنك يا دكتور؟
- أنا؟ يجب أن أشارك هذه الجزيرة الصناعية مصيرها.
- لا يمكن! يجب أن تأتي معي إلى سفينة نوح.
أمسكتُ بيد الدكتور العجوز ورحتُ أجذبه بقوة.
- صحيح، لقد تعاهدنا على أن نكون معاً في السراء والضراء... حسناً، لنركب جميعاً، الأعداء والأصدقاء، وننجرف في بحر القدر.
وأخيراً، بدأ الدكتور يتحرك معي.
كانت الجزيرة تذوب شيئاً فشيئاً. ولن تمر ساعة واحدة حتى تختفي هذه الجزيرة العائمة من فوق المحيط دون أثر. تسابق الجميع للاحتماء بالمبنى الأبيض، ولكن هل ستتمكن سفينة نوح حقاً من حملهم والطفو فوق المحيط، لتنجرف مع التيارات نحو اليابسة بسلام؟ وهل كان الدكتور واثقاً تماماً حين نصحهم باللجوء إليها؟
أيا سفينة القدر، هل ستنتقلين بنا حقاً فوق عباب المحيط؟
الفصل الثالث: القلب والعلم
لقد علمتم أيها القراء بالفعل كيف تحولت سفينة اللصوص فجأة إلى سفينة أشباح بظهور ذلك العجوز المريب الذي يشبه الأرواح الشريرة، وكيف قفزتُ أنا والبحار الذي يشبه الفهد في عرض البحر؛ ولكن، ماذا حلّ بسفينة الأشباح تايغر مارو بعد ذلك؟
لنترك سفينة نوح لفترة، ولنعد إلى سطح سفينة الأشباح تايغر مارو. هناك، على سطح السفينة، كان ذلك العجوز المريب الذي يشبه الشبح، يترنح في خطاه فوق سطح السفينة الأوسط حيث ترقد خمس جثث، مستنشقاً رائحة الدماء، ومنطلقاً بضحكة خافتة تبعث على القشعريرة.
تمتم العجوز:
- أظن أن الوقت قد حان للشروع في العمل.
ثم اختفى في المقصورة، ليعود بعد قليل حاملاً حقيبة ضخمة. رمق الجثث الخمس بنظرات زجاجية باردة وغمغم:
- تُرى من أيّهم أبدأ؟
ازدادت كلماته غرابة ورعباً مع الوقت.
أخرج من حقيبته أدواتٍ مريبة ومختلفة؛ مناشير جراحية، ومشارط، ومواد مطهرة. ثم أمسك بمبضعه، وشمر عن ساعديه فوق ردائه الأبيض، ثم اقترب من جثة الرجل الضخم متمتماً مرة أخرى:
- سوف أشق الأجساد بعد غياب طويل عن فعل ذلك، يا له شعور لا يُقاوَم!
هل يعتزم ذلك العجوز المريب استخدام مبضعه لتمزيق لحم الرجل الضخم والتهامه؟
بسط العجوز صدر جثة الرجل الضخم، وغرز المبضع بقوة في الناحية اليسرى، ثم انتزع قطعة من اللحم. وبينما كان يبدو وكأنه سيلتهمها، استمر في غرز المبضع حتى أخرج قلب الرجل الذي كان يقطر دماً.
- رائع، رائع جداً.
قالها وهو يتأمل القلب في يده، ثم انتقل إلى جثة تشين وفعل الأمر ذاته؛ كشف الصدر وغرز المبضع في الناحية اليسرى. وحين استخرج القلب، وجده قد تحطم تماماً جراء رصاصة اخترقته. تمتم العجوز:
- يا للأسف، لقد تلف هذا القلب.
أمسك القلبين بيديه لبرهة، ثم ألقى بقلب تشين المحطم في البحر، وقام بتطهير قلب الرجل الضخم بعناية وحشره في تجويف صدر تشين الأيسر. استمر العجوز في عمله بجد، واصلاً الأوعية الدموية ومستخدماً المواد الموقفة للنزيف، حتى خاط الجرح في النهاية وتنفس الصعداء قائلاً بثقة:
- لقد انتهى العمل.
بعد مدة وجيزة، بدأت الحمرة تعود لوجه تشين الشاحب، وأصدر أنيناً خافتاً وبدأ يتحرك، فقال العجوز وهو يقيس نبضه:
- أوه، لقد عاد للحياة أخيراً. نجحت الجراحة الكبرى.
بعد أن نُقل إلى سرير في غرفة القبطان، استعاد تشين وعيه.
- هل أنا على قيد الحياة؟
تساءل بذهول. لم يصدق أنه استعاد وعيه بعد أن أطلق عليه أحد البحارة النار من الخلف لتخترق الرصاصة صدره. ظن أنه يحلم، لكن الألم الشديد في صدره والحمى التي أصابته أكدت له أن ما يمر به حقيقة.
تمتم تشين دون شعور:
- إنها معجزة!
فأجابه صوت:
- كلا، ليست معجزة، بل هو انتصار العلم.
رفع تشين بصره، فإذا بذلك العجوز الغريب ذي الشعر الأبيض والرداء الأبيض واقفاً بجانب السرير، يضع سيجاراً في فمه وتعلو وجهه ابتسامة باهتة.
- آه!
- لا داعي للذعر، لستُ شبحاً؛ انظر؛ لي قدمان تمشيان على الأرض كبقية البشر ... ها ها ها ...
- من أنت؟ ومن أين أتيت؟
- كنتُ على متن هذه السفينة منذ البداية، أنا طبيب سفينة اللصوص هذه.
- وأين صديقي ياماجي؟
- لقد ارتعب مني وقفز في البحر ليلقى حتفه.
- ماذا؟! والبحار الذي يشبه الفهد؟ ذاك الذي أطلق النار عليّ لقتلي...
- هو الآخر قفز في البحر مع صديقك، وأغلب الظن أنهما صارا الآن طعاماً لأسماك القرش.
- إذن، لم يعد أحد على هذه السفينة؟
- بالضبط، لم يبقَ سواي وسواك.
- وهل أنا حيّ حقاً؟
- ها ها ها ... لا ألومك على الشك، فمن المفترض أنك ميت بعد أن اخترقت الرصاصة قلبك، لكنك الآن تعيش وتتنفس ...
- ومن الذي أعادني للحياة؟
- هل أنت معترض على عودتك للحياة؟
- كلا، أنا ممتن جداً.
- أنا من وهبك الحياة مجدداً، ولكن لا داعي لشكري أنا، عليك أن تشكر قوة العلم العظيمة.
- هل أجريتَ جراحة في صدري؟
- أجل، لقد ألقيت بقلبك المحطم في البحر، وزرعت مكانه قلب ذلك الرجل الفيتنامي الضخم. إن القلب الذي ينبض في صدرك الآن هو قلبه.
- ماذا؟! إذن قلبي هذا هو قلب فيتنامي؟
- أتشعر بعدم الرضا؟ كلا، لن أسمح لك بالاعتراض، فأنني لم أستبدله بقلب كلب ... ها ها ها ...
- إذن أنت تستطيع إعادة الموتى إلى الحياة كما تشاء؟
- هذا صحيح، أستطيع إحياء الموتى، لكني لا أقتل الأحياء. منذ أن كنتُ في ألمانيا بلدي، أجريتُ تجارب عديدة لزراعة القلب على الحيوانات، لكنها المرة الأولى التي أجري فيها تجربة على إنسان.
- هل أنت أول من حاول زراعة القلب؟
- تقريباً، نعم. ولكن في عام 1933، قام عالم يدعى بولاني باستئصال كلية امرأة وزراعة كلية من جثة حديثة لإنقاذها من موت محقق بالتسمم. وفي العام التالي، نجح عالم يدعى فيلاتوف في استئصال قرنية عين من جثة وزراعتها لامرأة كانت قد فقدت بصرها لمدة أحد عشر عاماً. لذا، فإن زراعة القلب التي أجريتها ليست بالأمر الغريب تماماً في عالم الطب.
- لكنها معجزة ... معجزة إلهية.
- لا تبالغ في المديح، فأنا عالم لا يؤمن بالمعجزات ... ها ها ها ...
عفريت أم شيطان؟
استخدم العجوز الغريب مهارة فائقة لإعادة الجثة إلى الحياة، فأصبح على متن السفينة شخصان حيّان، ومع ذلك، استمرت الأجواء المريبة تخيم على سفينة اللصوص تايغر مارو. ففي السطح الأوسط من السفينة، ما زالت أربع جثث ملقاة. لماذا لم يتخلص العجوز من هذه الجثث بإلقائها في البحر؟ مرت خمسة أيام، ثم عشرة، دون أن يفعل.
كانت هيبة الموت تملأ المكان. وحين بدأت جروح تشين تلتئم وسُمح له بالسير على السطح، أصيب بالذعر حين اكتشف الجثث الأربع.
سأل تشين:
- لماذا لم تتخلص من هذه الجثث؟
ابتسم العجوز وقال:
- كلا، التخلص منها الآن خسارة.
- هل ستستخدمها في تجاربك مجدداً؟
- ربما. بل قد يحتاج الأمر إلى جسدك أنت أيضاً إذا لزم الأمر.
صاح تشين:
- ماذا؟!
رد العجوز:
- لا تنزعج. لم أقم بزراعة قلب ذلك الرجل الضخم في جسدك رغبةً في إعادتك إلى الحياة فحسب، بل كان ذلك لاختبار نظرياتي العلمية. لذا، سآخذ جسدك في أي وقت إذا دعت الحاجة.
- ألم تقل إنك لا تقتل الأحياء؟
- هذا صحيح، أنا لا أقتل الأحياء.
- ولكنك تنوي قتلي مجدداً، أليس كذلك؟
- كلا، لا تسيء الفهم. سأعيدك فقط إلى حالة الموت التي كنتَ عليها. فأنا لا أترك من أحييتهم يبقون أحياءً للأبد.
ارتجف تشين من كلمات العجوز وتراجع إلى الوراء. رغم زعم العجوز أنه ليس شبحاً، إلا أنه كان من الصعب تصديق أنه بشر سوي. إن تبديل قلوب البشر وبث الروح في الموتى ثم إعادتهم إلى سيرتهم الأولى، لا يمكن وصفه إلا بأنه عمل شيطاني.
بدأ تشين يشعر بالخطر. أما السفينة تايغر مارو، فقد استمرت في الانجراف هي الأخرى كالشبح في محيط مجهول. فكر تشين في مواجهته، لكنه تذكر أن هذا العجوز هو من أنقذ حياته وزرع فيه قلباً جديداً. وقرر أنه لن يبدأ بالهجوم ما لم يحاول العجوز انتزاع قلبه مرة أخرى.
وفي منتصف الليل، استيقظ تشين فجأة وهو يشعر بحركة شخص ما بالقرب منه.
صرخ بصوت خفيض مفعم بالقوة وهو ينتفض في فراشه:
- من هناك؟!
وعندما نظر حوله، رأى ذلك العجوز الغريب بملابسه البيضاء يقترب ببطء من سريره ممسكاً بمبضع في يده.
- ماذا تفعل؟
ضحك العجوز بشكل مريب وقال:
- لقد رغبتُ مرة أخرى في ممارسة الجراحة على البشر.
- ماذا؟! هل تنوي انتزاع قلبي مجدداً؟
- كلا، لا أريد القلب. بل أريد هاتين العينين.
- ماذا؟!
واصل العجوز اقترابه وهو يقول:
- أريد فقط استبدال عينيك الشابتين الجميلتين بعينيّ العجوزتين الباهتتين. لقد نجح الدكتور فيلاتوف في زراعة قرنية لشخص فقد بصره لسنوات، وأعتقد أن زراعة عينيك الحيّتين ستعيد لي الشباب.
- هذا جنون! لا أريد تلك العيون الزجاجية أبداً.
انزلق تشين من السرير محاولاً الهرب، لكن العجوز ظل يقترب وهو يقول:
- لا تتردد، سنقوم بتبادل بين هذه العيون الزرقاء وعينيك. ألا تريدها؟
- لا أريدها!
وبينما كان يحاول الفرار من الغرفة، مد العجوز يده وأمسك بكتفه بقوة.
- ألا تزال لا تثق بي؟ إنني أتخذك موضع تجربة من أجل البحث العلمي. لستُ بصدد تقطيعك إرباً وطبخك لآكلك، لذا اطمئن واستسلم لمبضعي.
- لن أقبل أبداً أن أكون حقل تجارب! لستُ عبداً لك!
نفض تشين يد العجوز الغريب عنه وفرّ هارباً من الغرفة. ركض مسرعاً حتى وصل إلى السطح الأوسط من السفينة، وحين توقف ليلتقط أنفاسه، تناهى إليه صوت العجوز المريب من خلفه:
- يا هذا، لا ترفض! إنني سأمنحك عينيّ الزرقاوين اللتين تشبهان الجواهر، أريد فقط استبدالهما بعينيك.
لم يرد تشين عليه، بل واصل الهرب نحو مؤخرة السفينة.
- أيها الفتى، توقف!
كان العجوز يطارده بإصرار شديد. وعلى السطح المظلم الذي يفتقر لمصابيح الجوانب، لم يكن يضيء الأرجاء سوى ضوء النجوم الخافت. وبينما كان تشين يتوارى في الظلال، وصل العجوز يترنح إلى مؤخرة السفينة.
- أيها الفتى، أين أنت؟ استسلم لي، هذا من أجل العلم! أنت آخر حقل تجارب لإتمام نظريتي العلمية، ضحِّ بنفسك من أجلي!
أخذ العجوز يبحث في كل زاوية من زوايا السطح الخلفي. وفي تلك اللحظة، شعر تشين بدمائه تغلي في عروقه، وبدأ أنفاسه تضطرب وتتسارع. خرج من مخبئه بخطى ثابتة وقوية، ووقف سداً منيعاً أمام العجوز الذي كان يتخبط في بحثه.
- هيا أيها العجوز، جرب أن تجبرني إن استطعت! إن في صدري قلب رجل فيتنامي ضخم، وذراعي الحديدية تتوق للقتال. لنرَ هنا، على هذا السطح، من سيفوز في هذه المواجهة.
التفت العجوز الغريب نحوه، وفجأة، انطلقت منه ضحكة تدل على الرضا التام.
- ها ها ها! هذا هو بالضبط ما كنت أصبو إليه.
- ماذا؟!
- بمعنى آخر، لقد كنت أختبر ما إذا كان القلب هو المحرك الفعلي لحياة الحيوان. أيها الصبي، لقد استبدلتُ بقلبك الصغير قلب ذلك الرجل الفيتنامي الضخم، وكما تنص نظريتي تمامًا، أصبحتَ شجاعًا وقويًا مثله، أليس كذلك؟ ها ها ها! هذا يكفي الآن، دعنا نتصالح.
- إذًا، هل كان ما قلته قبل قليل كذبًا؟ أعني رغبتك في تبديل قرنيات العيون؟
- ليس كذبًا، لكنني سأرجئ الأمر موّقتاً ... ها ها ...
مضى شهران بعد ذلك بسلام. لم يحاول العجوز الغريب استخدام المبضع مرة أخرى، لكن الحذر ظل واجبًا؛ فلا أحد يضمن ألا ينتهز فرصة ما ليعاود تشريحاته الغريبة. لذا، استمر تشين في مراقبته دون أن يغمض له جفن طوال الليل.
ويبدو أن سفينة الأشباح، خلال هيمانها الطويل، كانت تتجه تدريجياً نحو الجنوب. فكتل الجليد ولون البحر المميز للتيارات الباردة التي شوهدت في شمال المحيط الهادئ قد اختفت، وحلت محلها رياح دافئة تهب على السطح، بل صار المرء يشعر الآن بلفح الهواء الساخن على جلده، ويشاهد ثمار جوز الهند وهي تطفو متهادية فوق الأمواج.
ومع وصول السفينة إلى مياه الجنوب، بدأت أسماك السلمون الأحمر وكلاب البحر المخزنة في غرفة التبريد بأسفل السفينة تتعفن. انتشر العفن بسرعة فائقة، وملأت الرائحة الكريهة قاع السفينة حتى لم يعد البقاء في الغرف ممكناً، فقرر الاثنان النوم على السطح ليلاً.
قال تشين والقلق يرتسم على وجهه:
- لقد وقعنا في مشكلة، مياه الشرب بدأت تفسد.
رد العجوز الغريب ببرود تام:
- بسيطة، سنشرب من ماء البحر.
- لكن مياه البحر غير قابلة للشرب!
- لا تقلق، سأقوم بنزع الملح منها وأصنع لك ماءً عذبًا سائغًا.. لكن أخبرني أيها الصبي، ألا ترى أمرًا عجيبًا؟ رغم أن ما في غرفة التبريد قد تعفن وحتى مياه الشرب فسدت، إلا أن الجثث الأربع الملقاة في السطح الأوسط لم يمسها العفن قط.
- حقًا، هذا غريب!
- ليس غريبًا، بل هو أمر طبيعي. تلك هي قوة المادة الحافظة التي ابتكرتها. ما رأيك، هل أحقنك ببعض منها؟
- ماذا؟!
- إذا حُقنت بمادة حافظة فعالة وأنت على قيد الحياة، فلن يفنى جسدك أبدًا.
- لا بد أنك تمازحني. المادة الحافظة نطلبها بعد الموت.
- لكنني أرغب في تجربتها على إنسان حي. أيها الفتى، ألا تعيرني جسدك؟
- أنا أرفض.
- أهكذا إذن؟ ترفض ... لكن لا تكن غافلًا، فربما انتهزت فرصة في منتصف الليل وحقنت ذراعيك بها. ها ها ها.
ضحك العجوز الغريب ضحكة مريبة.
- ماذا سيحدث لو جُربت المادة الحافظة على إنسان حي؟
- سيموت. لكنه ليس موتاً حقيقياً، لذا يمكن إعادته للحياة في أي وقت.
- هذا أمر لا يصدق.
- إن كنت لا تصدق، فدعنا نجرب؟
- مستحيل. وإن كنت تريد تجربتها قسرًا، فافعل ذلك بالقوة.
هكذا صرخ قلب تشين – ذلك القلب الفيتنامي – بقوة.
- أنا مصمم على أن تكون أنت التجربة الحية على نظريتي العلمية. لولا زراعة قلب الرجل الفيتنامي لك، لكانت حياتك قد انتهت. إن إبقاءك حياً حتى اليوم كان من أجل التجربة الأخيرة؛ لإثبات ما إذا كان يمكن الحفاظ على حياة الإنسان للأبد بالحقن المادة الحافظة. أنت فأر تجاربي العزيز. استجب لطلبي هذه المرة.
حين طُلب منه الأمر بهذه العاطفة، لم يستطع تشين الرفض ببساطة.
- ما رأيك، ألن تقبل طلبي؟
- ......
أراد العجوز أن يجعل تشين يضحّي في سبيل العلم. ورغم أن استخدام حياة البشر في التجارب جريمة، إلا أن جدية العالم كانت واضحة.
- إذا فشلت التجربة ولم تعد للحياة، فسأتحمل المسؤولية وألحق بك على هذا السطح. لن أعيش وحدي بعدها. تقبل الأمر كأنه قدرك المحتوم.
- فهمت. سأضحي بنفسي بكل سرور في سبيل العلم.
- أوه، أنت تفهم جيدًا. هذا هو الفتى الذي كنت أعلق عليه آمالًا كبيرة.
مدّ العجوز المريب يده وصافح يد تشين بقوة.
الفصل الرابع: باخرة أشباح وأشباح الباخرة
نعود الآن معاً إلى سفينة نوح الموعودة.
لقد مضى شهران منذ أن ذابت الجزيرة الصناعية في عرض المحيط بشكل مذهل، لتطفو فوق الأمواج ذلك المبنى الأبيض كأنه سفينة للنجاة. وبما أن هذه السفينة كانت في الأصل مجرد مبنى مشيد فوق جزيرة، فإنها لم تكن تشبه السفن العادية في شيء؛ فقد غرق أكثر من نصفها تحت الماء، وامتلأت الغرف من الداخل بمياه البحر، فبدت كأنها حطام سفينة غارقة تتلاعب بها الأمواج.
لم يكن الناجون يفعلون شيئًا سوى التشبث بسطح ذلك المبنى اتقاءً للأمواج، دون مأوى يحميهم من المطر أو الرياح. وبسبب النقص الحاد في الطعام ومياه الشرب، نفدت مؤونتهم تماماً خلال شهرين من التيه. في البداية، كان عددهم يتجاوز العشرين شخصاً، أما الآن فلم يتبقَ منهم سوى قلة قليلة؛ فمنهم من جرفته الأمواج بعيداً، ومنهم من قضى نحبه جوعاً، ومنهم من لعن قدره وألقى بنفسه في اليم، وحتى من بقي منهم على قيد الحياة، لم يكن حاله يفرق كثيراً عن الأموات.
كنتُ أنا الأكثر حيويةً بين الناجين القلائل. ربما يعود ذلك لأنني شاب، لكنني صمدتُ بجلد حتى يومي هذا بفضل الروح اليابانية التي تأبى الاستسلام.
بجانبي، لا يزال عدد من الفنيين يصارعون الموت، لكنهم من الضعف بحيث قد ينزلقون عن سطح السفينة ويغوصون في أعماق البحر في أي لحظة. وبينما كنتُ أنا الأقوى، كان الدكتور العجوز هو الأضعف على الإطلاق؛ فقد نال منه التعب أول الأمر، لكنني جاهدتُ بكل ما أوتيت من قوة لحمايته، وبفضلي ظل حياً حتى الآن. صرخ الدكتور العجوز بيأس
- لقد انتهيت يا ياماجي. أنا في غاية الإنهاك وأتمنى أن أموت سريعاً.
فأجبته:
- لا تستسلم! استجمع قواك، أنا معك ولن أتركك.
- كلا، إن واصلتَ حماية جسدٍ فانٍ مثل جسدي، فستلقى حتفك أنت أيضاً. اتركني وشأنك، وحاول أن تنجو بنفسك.
- مستحيل! إذا متَّ أنت، سألحق بك. ألم نتعهد بذلك فوق الجزيرة الصناعية؟ أن نموت معاً ...
- حقاً، ألم تنسَ ذلك العهد وما زلت تحميني؟ أنا ممتن لك. إن روح الشهامة اليابانية هذه تجعل الدموع تنهمر من عينيّ.
- ليس الأمر كذلك فحسب، بل إنني أتمنى لعبقريتك العلمية أن تواصل العطاء من أجل البشرية جمعاء، ولهذا سأبذل قصارى جهدي لإنقاذك.
- شكراً لك.. شكراً. أعدك بأنني سأصمد وأنجو.
ومع كل موجة عاتية تضربهم، كانت سفينة نوح الموعودة تشرف على الانقلاب.
كانت العواصف تعصف بالسفينة لدرجة أن الأمواج كانت تغمرها بالكامل في بعض الأحيان.
لكن أشد ما كابدناه من عذاب كان مواجهة العواصف الرعدية؛ فبما أننا لم نكن نملك سوى التشبث بسطح مبنى بلا سقف، كانت الأمطار الهادرة تنهال علينا بلا رحمة. ومع ذلك، كانت هذه الأمطار بمثابة نعمة من السماء لنا نحن التائهين؛ إذ كانت مياهها تتجمع في فجوات السطح، فكان ذلك يروي ظمأنا، وبشرب تلك المياه استطعنا بصعوبة أن نصمد أمام الجوع.
وفي بعض الأحيان، كانت تمر بنا أيام صحوٍ ومنعشة؛ حيث يتلألأ المحيط بلونٍ أخضر باهت، وتهدأ الأمواج، وتتوقف السفينة تمامًا عن الاضطراب. في مثل هذه الأوقات، كنت أقوم بفك خيوط الصوف من سترةٍ أرتديها، وأجمع عدة خيوط معًا لأغزل منها حبلًا، ثم أنتزع مسمارًا من ألواح السطح وأحنيه لأصنع منه صنارة لصيد السمك.
في البداية، استخدمت قطعة من جلد نعل حذائي كطعمٍ بديل، وربطتها بالصنارة ثم ألقيت بها في البحر، فلم يمضِ وقت طويل حتى اصطدت سمكة كبيرة. وباستخدام لحم تلك السمكة كطعم، تمكنت لاحقًا من صيد أسماك الشيم المخطط، وصغار أسماك القرش، بل حتى طيور القطرس.
كنتُ أصيد طيور القطرس، بوضع الصنارة وعليها الطعم فوق لوح خشبي صغير وتركه يطفو فوق الأمواج؛ فما إن ينقض الطائر عليه ويلتهمه، حتى يصبح في قبضتنا.
في الأيام الصحو، كان الدكتور العجوز وبقية الناجين الذين يشبهون الموتى يستعيرون مني أدوات الصيد ليرفهوا عن أنفسهم. وفي صباح يوم مشرق تلا ليلة عاصفة، وبينما كانت السفينة ترتفع وتنخفض مع الأمواج العاتية كأنها ورقة شجر هائمة، صرخ أحدهم فجأة وهو يحدق في الأفق البعيد:
- انظروا! إنها جزيرة.. هناك جزيرة!
بثت هذه الصيحة روح الحياة في الجميع. وبالفعل، تراءت في الأفق نقطة سوداء تطفو فوق خط الماء.
قلتُ وعيناي تتسعان من الفضول:
- تُرى هل هي جزيرة غير مأهولة؟
تمتم أحدهم بصوت واهن:
- سيكون الأمر محبطاً لو كانت مجرد شعاب مرجانية.
لكن الدكتور علّق قائلًا:
- أخشى أننا ضللنا الطريق إلى منطقة بالم بالمريك.
- بالم بالمريك؟ وما هي؟
- إنها منطقة مسحورة في بحار الجنوب، حيث تتجمع الشعاب المرجانية وتكثر الدوامات المائية، ويطلقون عليها بحر الموت المرعب.
تبادل الجميع النظرات بذعر عند سماع ذلك، وفجأة صرخ أحدهم مجددًا:
- آه! الجزيرة تتحرك!
- ماذا؟! الجزيرة تتحرك؟
ظننتها دعابة ثقيلة؛ فمن غير المعقول أن تتحرك جزيرة إلا إذا كانت جزيرة صناعية، لكن الظل الأسود كان يتحرك بالفعل ويقترب منا شيئًا فشيئًا.
صاح الدكتور بنبرة يملؤها الأسى:
- يا إلهي، إنها سفينة! ليست جزيرة، بل هي سفينة سوداء.
وهكذا، أخذت المسافة تتقلص تدريجيًا بين سفينتنا وتلك السفينة السوداء الغامضة.
- يا لها من سفينة غريبة!
- ربما كانت سفينة منكوبة.
هكذا تهامستُ أنا والدكتور العجوز. لكن، وبالنسبة لسفينة منكوبة، كان هيكلها يبدو متماسكاً وقوياً. ورغم أن مدخنتها الغليظة لم تكن تنفث دخاناً أسود، إلا أنه لا يمكن أن تكون هائمة في المحيط لمجرد العبث. ومع اقترابها، ازداد شعورنا بالوجل.
صرخ أحدهم مجددًا بصوت يرتجف رعباً:
- إنها سفينة أشباح!
رددتُ دون شعور:
- سفينة أشباح؟!
- لقد قرأت في القصص عن سفن يموت كل طاقمها، فتستمر أرواحهم في قيادتها ... وتلك السفينة هي واحدة منها بلا شك!
- هذه مجرد خرافات يتداولها البحارة.
هكذا علّق الدكتور بضحكة ساخرة، لكنني قلت:
- قد تكون حقًا سفينة أشباح يا دكتور!
- ها ها ها! حتى أنت تصدق هذا؟
وفي غضون ذلك، كانت سفينة الموت أو سفينة الأشباح، تقترب من سفينة نوح الموعودة عمداً، وكأنها تدرك وجودنا.
- يا إلهي! أهي سفينة موت؟ أم سفينة رعب؟
وعندما تحاذت السفينتان، التصقت سفينة نوح الموعودة بالسفينة السوداء تماماً. أو بالأحرى، بدت كأنها التصقت بها بسبب حركة الأمواج التي جعلت الهيكلين يحتكان ببعضهما البعض. صرخ الناجون على متن سفينة نوح الموعودة صرخة واحدة محاولين الابتعاد، مما جعل السفينة تميل إلى جانب واحد وكادت تنقلب.
رفعتُ عينيّ أرقب سطح سفينة الأشباح بمزيج من الرعب والفضول. لقد كانت سفينة تايغر مارو؛ تلك السفينة التي عانيتُ على متنها الأمرين فيما مضى. إنها سفينة اللصوص التي ألتقي بها مجدداً بعد نحو ثلاثة أشهر، لكن القواقع كانت قد تجمعت بكثافة على جانبيها، ولم يكن هناك أي أثر لبشر على سطحها، بينما تنبعث من هيكلها رائحة كريهة ونفاذة.
- دكتور، إنها سفينة موت! إنها سفينة أشباح فعلاً! انظر إلى تلك الهالة الغامضة والمريبة التي تنبعث من سطحها.
أجاب الدكتور وهو يرفع عينيه بفضول:
- إممم.
التفتُ إلى الفنيين الناجين وسألتهم ما رأيكم؟ ألا نكتشف ما بداخل هذه السفينة؟
لكنهم تمتموا وهم يرتجفون:
- كلا، مستحيل!
- الانتقال إلى تلك السفينة يعني هلاكنا لا محالة!
قلتُ بحدة:
- يا لكم من جبناء!
أمسكتُ بطرف السلم المتدلي من جانب السفينة تايغر مارو، وضعتُ قدمي عليه، ثم تسلقتُ نحو السطح ببراعة القرد. والتفتُّ لأرى الدكتور العجوز، فإذا به هو الآخر يتسلق السلم بشجاعة. وعلى سطح الطبقة الوسطى من السفينة، كانت هناك خمس جثث ملقاة هنا وهناك.
صرختُ من شدة الرعب:
- آه! دكتور، انظر إلى تلك الجثث، إنها تبدو وكأن أصحابها فارقوا الحياة للتو!
أجاب الدكتور:
- بالفعل، إنه لأمر يثير الريبة أن تمر ثلاثة أشهر وتبقى الجثث على حالها دون أن تتحلل. هل نحن حقاً على متن سفينة أشباح؟
قلتُ مشيراً:
- انظر إلى ذلك الرجل الضخم الملقى هناك، إنه من فيتنام، وصدره به جرح غائر!
تمتم الدكتور:
- يا لها من قسوة ... هل يعقل أن يكون هذا من تدبير الأرواح؟
فجأة، تملكتني الصدمة فصحت:
- آه! دكتور، هذا صديقي تشين، الشاب الذي كان يعمل خادمًا للقبطان، ملقى هنا أيضاً!
قال الدكتور بحزن:
- أهذا هو الشاب المسكين؟ يا له من مصير مأساوي أن ينتهي به المطاف هكذا.
اندفعتُ نحو جثة تشين لأرفعها، لكن صوتاً مخيفاً انطلق من مكان مجهول:
- توقف! لا تلمس تلك الجثة!
التفتُّ مذعوراً، فإذا برجل عجوز مريب، أشيب الشعر ويرتدي رداءً أبيض، يقف خلفي. أشار إليّ بإصبعه وضحك ضحكة مخيفة بفتحة فم خالية من الأسنان. صرخت وأنا أتحفز للمواجهة:
- من أنت! لا بد أنك روح شريرة!
ضحك العجوز بسخرية:
- ها ها ها! هل جئت لتطرد الأرواح؟ لا بأس ... ولكن إياك أن تقترب من جثة هذا الشاب.
سألته:
- ولماذا؟
أجاب العجوز ببرود:
- إنه صديقك، لكنه بالنسبة لي موضوع لتجاربي الخاصة. لن تلمسه قبل أن أنتهي، وإذا حاولت الاقتراب، سأجعلك جثة تنضم إليهم.
أصابني الذهول من كلماته المرعبة. حينها تقدم الدكتور العجوز بضع خطوات نحو الرجل المريب وسأله بهدوء:
- قلت تجربة؟ أي نوع من التجارب هذا؟
رد العجوز:
- تجربة علمية.
اندهش الدكتور وصاح:
- ماذا؟! علمية؟
- هذا صحيح. لعلك تظن أنه من الغريب أن يقوم شبح بإجراء تجارب علمية على سطح سفينة الموت. إنني عالم يعمل على تجارب تخص الكائنات الحية، ولأن التعامل مع البشر بهذه الطريقة على اليابسة يجعل المرء مجرماً بنظر القانون، كان لا بد من البحث عن بديل.
- أتفهم ذلك.
تقدم الدكتور العجوز خطوتين أو ثلاثاً، فنظر إليه العجوز المريب بعينين زجاجيتين وتابع:
- لذا، اخترت أن يكون مختبري على متن سفينة قراصنة في المحيط الشمالي. تنكرت في هيئة طبيب السفينة وانضممت إلى طاقم تايغر مارو في يوكوهاما، منتظراً الفرصة لإجراء تجارب التشريح. وخلال ذلك، هيأ لي هؤلاء الشباب فرصة مثالية؛ حيث قمت باستئصال قلب الشاب الملقى هناك بعد أن حطمته رصاصة، واستبدلته بقلب سليم من ذلك الرجل الفيتنامي. ثم ماذا حدث؟ نهضت جثة الشاب على الفور.
- إممم ... ولكن الشاب الآن جثة ميتة؟
- انتظر! لم يقتصر الأمر على تجربة استبدال القلب، بل أجريت بعدها تجربة أكثر أهمية؛ وهي الحفاظ على الحياة البشرية للأبد.
هتف الدكتور العجوز:
- ماذا؟! الحفاظ على الحياة؟ ... هذا غير معقول، إنه محض خيال.
ضحك العجوز المريب ببرود وقال:
- الأمثلة على تحول الخيال إلى حقيقة لا تُحصى. وحقيقتي في حفظ الحياة ليست خيالاً، بل نتيجة تجارب دامت ثلاثين عاماً. لقد أحييت الشاب بعد موته، لذا فإن حياته تعتبر ملكاً لي. فحقنته بمادة حافظة من ابتكاري، ثم قتلته مرة أخرى. الشاب ميت الآن بالفعل، لكنه في حالة موت ظاهري، وحياته محفوظة للأبد.
- إذا كان هذا حقيقياً، فهي معجزة علمية.
- ما رأيك؟ إن كنت تشك، فهل أعيد الروح إلى الجثة مرة أخرى؟
صرختُ أنا دون وعي:
- أرجوك، افعل ذلك!
- حسناً. ستشاهدون الجثة وهي تنهض أمام أعينكم. سأبدأ التجربة الآن.
جثة تتحرك!
اختفى العجوز المريب ذو الرداء الأبيض داخل مقصورة السفينة، ثم عاد حاملاً حقيبته الكبيرة. قال وهو يبتعد بضحكة مريبة:
- هذا هو صندوقي السحري.
اقترب بخطوات غير ثابتة نحو جسد تشين، ثم شمر عن ساعدي ثوبه الأبيض، وأخرج عدة حقن من حقيبته وبدأ في العمل.
قال العجوز:
- انظر إلى تلك الأجساد المتناثرة حولنا. كان من المفترض أن تتحلل وتفقد شكلها بعد ثلاثة أشهر من الانجراف في البحر، لكن بقاءها بهذا المظهر يعود إلى المادة الحافظة التي ابتكرتها. ولكي أزيل أثر المادة الحافظة من جسد هذا الصبي، سأعطيه عدة حقن من نوع آخر.
سألته بقلق:
- إذن، هل إذا أعطيت تلك الحقن للجثث الأخرى، سيعود الجميع إلى الحياة؟
فقد شعرت بالخوف من احتمال عودتهم للفوضى مجدداً.
أجاب العجوز:
- كلا، الآخرون تم حقنهم بالمادة الحافظة بعد موتهم، لذا حُفظت أجسادهم فقط. أما هذا الصبي، فقد حقنته وهو ما زال على قيد الحياة، وعندما أبطل مفعول المادة، ستعود الحياة إلى وجهه الشاحب.
قلت بلهفة:
- أرجوك، ابدأ بالحقن فوراً.
أجاب:
- حسناً.
قام العجوز بحقن ذراع تشين عدة مرات، ثم قال:
- انتهيت. راقب جيداً، سيبدأ في الحركة.
راقبنا الجسد باهتمام شديد. مرت خمس دقائق، ثم عشر، ثم خمس عشرة ... وفجأة، بدأت الدماء تسري في وجهه الشاحب.
تحرك حاجباه قليلاً، ثم بدأت أطرافه تتحرك بحركات طفيفة.
صحتُ منفعلاً:
- أوه، تشين!
واندفعتُ نحوه، لكن العجوز أوقفني بيده قائلاً:
- الهدوء، الهدوء.
ثم وضع قطرات من السائل في فم الشاب. عندها فتح تشين عينيه، وأخذ ينظر حوله بذهول.
انحنى العجوز فوقه قائلاً:
- أوه، هل استعدت وعيك؟ إنه أنا.
- آه، أيها الطبيب!
- انظر، لقد جاء صديقك لزيارتك.
- ماذا؟!
رفع تشين رأسه ونظر إليّ.
- تشين! إنه أنا، أنا ياماجي!
- ياماجي!
امتلأت عينا تشين بدموع الفرح الغامر.
لم أتمالك نفسي أنا الآخر، فذرفت دموع التأثر وأنا أقبض على يده بقوة قائلاً:
- أمر رائع أنك بخير.
في تلك الأثناء، كان العجوز المريب والدكتور العجوز يتصافحان وجسداهما يرتجفان من شدة التأثر.
قال الدكتور العجوز
- أنت أعظم عالم في العالم.
أجاب العجوز ذو الرداء الأبيض بخجل يشبه خجل الصبيان
- أشكرك.
- لقد كان جهلاً منا أن ظنناك شبحاً شريراً.
- لا بأس، فربما أكون روحاً فعلاً؛ لأن هذه السفينة ليست سوى سفينة موتى فقدت محركاتها.
- صدقت، إنها سفينة موت!
- لقد استطعتُ استبدال قلوب البشر، بل وحتى إحياء الموتى، لكنني عجزتُ عن إحياء سفينة ميتة ... ها ها ها!
بالفعل، لم يكن هذا العالم الفذ في علم وظائف الأعضاء قادراً على بعث الحياة في قلب السفينة السوداء. فقلتُ مخاطباً الدكتور العجوز:
- يا دكتور، أنت من صنع الجزيرة الصناعية، وقد صممتَ قلبها النابض، فلا بد أنك قادر على إصلاح أعطال هذه السفينة السوداء، أليس كذلك؟
التقط تشين طرف الحديث وقال بحماس:
- هذا صحيح! إذا أصلحتم عطل قلب هذه السفينة، فسأعمل أنا ميكانيكيّاً، ويعمل ياماجي رباناً، وسنقود السفينة فوراً في خط مستقيم نحو يوكوهاما في اليابان!
أومأ العجوز المريب برأسه موافقاً:
- بالفعل.. إن العناية بقلوب البشر هي اختصاصي، أما العناية بقلب السفينة فسنتركه للدكتور.
وهكذا، انتهى الأمر بإسناد مهمة إصلاح المحرك إلى الدكتور العجوز.
- هل لديكم فحم؟
- نعم، لدينا. لم نستخدم قطعة فحم واحدة خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
- وماذا عن زيت التشحيم؟
- لدينا منه الكثير أيضًا.
- حسناً، لنحاول إذاً إصلاح قلب المحرك. نهض الدكتور العجوز أخيراً. التفت إليّ صديقي تشين وقال:
- أنت القائد مجدداً. استعد بسرعة. حالما ينتهي الدكتور من الإصلاحات، سأشغل المحرك. في هذه الأثناء، لنضع بعض الفحم في المرجل. ثم اختفى تشين، الذي بدا عليه التسرع، من المدخل بسرعة.
بحر الشرور! بحر الشرور!
وبالفعل، وبعد بضع ساعات، انطلقت سفينة الأشباح تايغر مارو بمفردها في عرض المحيط، تاركة خلفها سفينة نوح الموعودة. كانت أجهزة القلب تدور بضجيج خفيف ومنتظم، بينما نفثت المدخنة الغليظة دخاناً أسود كثيفاً غطى الأفق، وبدأت السفينة تشق طريقها نحو الغرب بسرعة خمس عشرة عقدة. كنتُ أشعر بفخر لا يسعه العالم ... إلى الغرب! إلى الغرب! حيث ترقد بلادي اليابان.
كنتُ في غرفة القيادة أطلق الصافرات والموسيقى بابتهاج. يا له من حلم! قبل بضعة أشهر، كنتُ مجرد صبي خُدع في ميناء يوكوهاما ليعمل على متن سفينة صيد غير قانونية، والآن، وبعزة نفس، أقف هنا كأنني ضابط بحري أول. لقد انتزع عبدُ السفينةِ، السفينةَ من أصحابها وقرر العودة بها فاتحاً إلى وطنه. وبينما كنتُ أصفر بنغمات الفرح، لاحظتُ فجأة أن البوصلة بدأت تضطرب، فتمتمتُ بذعر: آه! لم يكن الخلل في البوصلة نفسها، بل كانت هناك قوة خفية بدأت تعيق تقدم السفينة. لم يكن المحرك قد تعطل، ولم تنفجر الغلايات، بل كانت السفينة قد وقعت في قبضة تيار مائي جارف وعنيف، دفعها بسرعة جنونية في اتجاه واحد.
- إنه بحر السحر! بحر الموت المرعب!
صرختُ بمجرد أن أدركتُ الأمر، وحاولتُ جاهداً عمل دورة في مقدمة السفينة للهروب. لكن مواجهة تيار هذا البحر المسحور كانت مستحيلة؛ فالسفينة تندفع بقوة نحو قلب الهاوية، والبوصلة لا تتوقف عن الدوران، وجهاز الدفع والمراوح لم يعدا يطيعان أوامري. تركتُ المقود ووقفتُ مذهولاً، مكتوف اليدين.
في تلك اللحظة، هرع الدكتور العجوز، والعالم المريب، وبقية الفنيين الناجين إلى الغرفة.
- ماذا حدث؟
- أيها الربان! ماذا جرى؟
صرختُ بصوت مفعم بالألم:
- لقد وقعت السفينة في تيار مائي مرعب! إنها تُسحب إلى قاع البحر المسحور!
- ماذا؟!
تطلع الجميع بذعر نحو الأفق.
كان مصب ذلك التيار الجارف هو دوامة كبرى في قلب المحيط؛ مساحة شاسعة تقارب ميلاً بحرياً مربعاً تحولت إلى إعصار مائي هائل يزأر بصوت مخيف.
- آه! إنها الدوامة العظمى!
- إنه البحر الذي يبتلع البشر والسفن دفعة واحدة!
تدافع الفنيون هاربين من منصة القيادة نحو السطح، وهم يصرخون بجنون:
- دوامة! النجدة!
ويركضون يمنة ويسرة بلا هدى. أما العالمان، فقد وقفا برباطة جأش تامة، دون أن ينبسا ببنت شفة، وعيناهما شاخصتان نحو ذلك الهول القادم.
أخيراً، نطق عالم وظائف الأعضاء المريب:
هل تفكر في طريقة لتغيير اتجاه مقدمة السفينة يا دكتور؟
أجاب الدكتور العجوز:
- كلا، لا حيلة لي في هذا الأمر، أنا أقف مذهولاً مثلك. ولكن، يا له من مشهد مهيب! تلك الدوامة الضخمة ...
- بالفعل.. لم أكن أتخيل وجود مثل هذا الإعصار المائي في قلب المحيط الهادئ. انظر كيف تندفع التيارات من كل جانب لتستقر في جوف تلك الدوامة ... إنه مشهد بديع!
بينما كان الناس يصرخون رعباً، وقف العالمان بمنتهى الهدوء يتأملان سحر تلك الدوامة الأسطورية. نظرتُ إلى وجهيهما وقد نسيت خوفي لبرهة.
وفي تلك الأثناء، كان التيار المجنون يزداد سرعة، ويزأر بوحشية، وهو يجر سفينة الأشباح تايغر مارو نحو قلب الدوامة الكبرى ليبتلعها. هذه المرة، يبدو أن كل شيء قد انتهى!
الفصل الخامس: دوامة المحيط المهولة
أناس مجانين
ابتلعت الدوامة العظمى سفينة الأشباح التي تحملنا، وبدأت السفينة ترسم دوائر واسعة، وراحت مقدمتها تدور حول نفسها كأنها خُذْرُوف يتخبط خبط عشواء.
ولأن مساحة الدوامة كانت هائلة تصل إلى ميل بحري مربع، لم نشعر في البداية بذعر شديد طالما كنا ندور في أطرافها الخارجية، ولكن ما إن بدأت الجاذبية تسحبنا نحو الداخل، وأخذت السفينة تدور حول مركز الدوامة، حتى أصبحت السرعة خاطفة ومذهلة، لدرجة أننا لم نعد نقوى على الوقوف على سطح السفينة.
تعالت صرخات الفنيين:
- آه! الغوث!
وانبطحوا على بطونهم فوق سطح السفينة وهم يصرخون في حالة من الهستيريا واليأس.
أما أنا وتشين والعالمان، فبما أننا عجزنا عن الوقوف، فقد تشبث كل منا بالأعمدة والأسلاك المعدنية اتقاءً للسقوط، وتبادلنا النظرات بصمت.
بسبب هذا الدوران فائق السرعة، شعرتُ وكأن عقلي سيفقد صوابه؛ ولا بد أننا سنفقد الوعي ونموت لا محالة. كان كل شيء، السماء والبحر والسفينة والبشر، يدور في حلقة جنونية، حتى خُيل إليّ أن أفكاري وقلبي ودمائي في عروقي باتت تدور بنفس ذلك الجنون.
نطق عالم علم وظائف الأعضاء المريب بكلمات باردة وهو يتشبث بحبل ممتد من الصاري:
- أيها السادة، بهذا المعدل لن تصمد حياتنا لأكثر من ثلاثة أيام. قد تتحمل أجسادنا هذه السرعة، لكننا سننهار نفسياً أو نفقد عقولنا، أو تنفجر قلوبنا من الإجهاد. تقبلوا الأمر كأنه قدر محتوم.
فقدم تشين مقترحاً بروح الميكانيكي:
- ماذا لو قمنا بتشغيل المحركات بأقصى طاقتها، وحولنا المقود عكس اتجاه الدوامة؟ ألا يخفّف ذلك حدة هذا الدوران المجنون؟
أجابه الدكتور العجوز برزانة عالم الفيزياء:
- هذا جهد ضائع. حاول أن تقاوم هذه الدوامة الجبارة، وسينكسر المقود في لمح البصر، وقد تنشطر السفينة نفسها إلى نصفين.
حينها همس لي تشين:
- إذا كنت لا ترغب في أن تلقى مصيرك مع سفينة الأشباح هذه، فعلينا الهروب منها.
- وكيف لنا أن ننجو من هذا البحر المسحور؟
- لا أدري، فعقلي أعجز من أن يجد حلاً.. ألا تفكر أنت في وسيلة لمغادرة سفينة الأشباح هذه؟
وجه تشين سؤاله للعجوز المريب، ففتح عالم وظائف الأعضاء فمه الخالي من الأسنان وضحك:
- ها ها ها! لو كان الأمر يتعلق باستبدال القلوب، لكنتُ رهن إشارتك، أما ابتكار وسيلة للنجاة من دوامة القدر العظمى، فهذا أمر يتجاوز قدراتي ومهاراتي.
- هل فقدنا الأمل حقاً؟
- أخشى ذلك. لقد قلتُ إن أمامنا ثلاثة أيام، ولكن قد يُجن جنوننا اليوم أو غداً. انظر، ألم يفقد الناجون من سفينة القدر عقولهم بالفعل؟
وبالفعل، فقد أولئك الرجال رباطة جأشهم وسيطرتهم على أنفسهم، وراحوا يصرخون بعويل جنوني على السطح، بل ويخدشون أجساد بعضهم ويتبادلون الضرب.
- يا إلهي، هل بدأ الجنون يتسلل إليهم فعلاً؟
غمرني شعور بالانكسار. هل سنفقد نحن أيضاً عقولنا عما قريب، وتنفجر قلوبنا، لنلقى مصيرنا المحتوم مع سفينة الأشباح هذه؟
وانقضت ليلة مرعبة ليبزغ فجر يوم جديد.
ما زالت سفينة الأشباح كما هي تدور حول مركز الدوامة بسرعة جنونية كأنها خُذْرُوف يتخبط خبط عشواء. وبسبب قلة النوم والإرهاق النفسي، رحت أتطلع حولي بذهول شاكّاً في قواي العقلية.
كان العالمان وتشين في أماكنهم ذاتها منذ ليلة أمس، ينتظرون موتهم المحتوم. وبالنظر إلى سطح السفينة الأوسط، رأيت أن نصف الرجال قد فقدوا وعيهم بالفعل، وتراكموا فوق جثث القراصنة، أما النصف الآخر فكانوا يحركون أطرافهم بصعوبة ويتخبطون، لكنهم بالتأكيد لم يعودوا في كامل قواهم العقلية.
ومع ذلك، كنتُ أنا واعياً، ولم أستسلم بسهولة. أما تشين، فقد كان يطبق شفتيه بقوة ويصبر في صمت. وبدا التعب واضحاً على وجهي العالمين، لكن بما أنهما استسلما للقدر منذ البداية، لم يفقدا وعيهما.
سألتُ تشين:
- لماذا نحن الأربعة فقط لم نفقد عقولنا بعد؟
كانت إجابة تشين واضحة وصريحة:
- أنت ياباني، واليابانيون يمتلكون قلوباً حديدية.
- وماذا عن العالمين؟
- هما عالمان من ألمانيا، وأعتقد أن هدوء الألمان وعزيمتهم القوية هي ما يجعلهم يتحملون هذا العذاب النفسي.
- أفهم ذلك، وماذا عنك أنت؟
- أنا صيني. نحن الأسيويون عموماً نمتلك قلوباً أقوى من الغربيين، لكننا لا نضاهي اليابانيين. ومع ذلك، فقد زُرع في جسدي قلب ذلك الرجل الفيتنامي الضخم، لذا فأنا أملك قوة لا تقل عن قلبك الحديدي.
ولكن، مهما بلغت عزيمة المرء أو قوة قلبه، فإنه لن يتمكن من كسر هذا المأزق. قد نعيش يوماً أو يومين أكثر من الفنيين، لكن من الجلي أننا سنواجه المصير ذاته في النهاية.
اقترح تشين فكرة غريبة:
ما رأيك لو قفزنا من السفينة إلى البحر؟
- وماذا سيحدث حينها؟
- نقفز ونغوص عميقاً في الماء، محاولين الخروج من نطاق الدوامة. بما أنني أملك قلباً حديدياً، أعتقد أنني أستطيع الخروج منها دفعة واحدة.
- لكن هذه الدوامة لا تقتصر على السطح فقط، لا بد أنها تصل إلى قاع البحر. لذا إذا قفزت، فستبلعنا الأمواج إلى الأسفل في لمح البصر.
- هذا صحيح ... أنت محق.
حينها، التفت إلينا الدكتور العجوز، الذي كان غارقاً في تفكير عميق منذ فترة، وقال:
- أترغبان في العيش إلى هذه الدرجة؟ حسناً، إذن فكرا في وسيلة للهروب من سفينة الأشباح هذه.
سأله تشين بأنفاس متسارعة:
- هل هذا ممكن؟
أجاب الدكتور:
- لقد اقترحتَ القفز في البحر، وهذا جنون. النجاة عبر السماء أسهل بكثير من النجاة عبر البحر، فالسماء لا تعرف مثل هذه الدوامات.
- هذا صحيح! لنهرب عبر السماء ... ولكن يا دكتور، نحن لا نملك أجنحة، فكيف لنا أن نهرب عبر السماء؟
قال الدكتور بكل ثبات:
- هذا ما يجب أن نفكر فيه.
حزن الفراق
كنتُ أحدقُ في سطح البحر الذي يضطربُ في دواماتٍ هائلة، ولم أرفع بصري نحو السماء الواسعة الممتدة فوقي. وبدلاً من الاستسلام لفكرة أن الهروب من سطح البحر مستحيل، أدركتُ أن السماء تبسط يدها بانتظاري لإنقاذي. حين فكرتُ في الأمر على هذا النحو، تولد لديّ، وأنا على متن ظهر سفينة الأشباح التي تدور كخُذْرُوف، متسعٌ من الهدوء النفسي مكنني من إمعان الفكر في وسيلةٍ للفرار نحو السماء.
لقد شرعتُ في بناء طائرةٍ واحدة وفقاً لإرشادات الدكتور العجوز. قد تقول أيها القارئ: طائرة! لا بد أنك تمزح؛ فليس لديك أي مادةٍ تصلح لصناعة طائرة على متن سفينة اللصّوص هذه التي كانت تجوب في شمال المحيط الهادئ. قد تضحك وتقول إن مجرد تخيل الأمر يبدو مضحكاً، لذا دعنا لا نسميها طائرة، لنسمّها ببساطة مركبة تحلّق عالياً. هذه المركبة هي ما أعكف على صنعها بجهدٍ مضنٍ وتعبٍ شديد، بينما السفينة تدور بنا كالخُذْرُوف. بل لعل الأنسب أن نسميها منطاداً.
لحسن الحظ، انضم إليّ عالمان للتعاون معي. والعلماء هم أشخاصٌ يشبهون الآلهة في قدرتهم العجيبة على جعل المستحيل ممكناً. وبشكلٍ خاص ذلك الدكتور العجوز، فهو عالمٌ فذٌّ وصاحب فكرة الجزر الصناعية. جعلنا نجمع كل ما في السفينة من قماش القلاع والكتان، وتولى ذلك العجوز المريب، عالم الفسيولوجي، مهمة خياطتها معاً. وفي الوقت نفسه، قمنا بتفتيش كل زاوية في السفينة لجمع كمياتٍ هائلة من الشمع والمطاط.
- ادهن القماشَ بهذا المزيج.
امتثلتُ لأمر الدكتور العجوز، وطليتُ قماش الكتان بدقة وعناية.
وسرعان ما اكتمل صنع كيسٍ ضخم من الكتان المطلي بالشمع، يبلغ طوله عدة أمتار. ربطنا به عدة حبال، وثبّتنا في أطرافها صندوق شبكي يشبه الأرجوحة.
قال الدكتور العجوز برضا:
- هذا جيد، سنرتفع نحو السماء العنان باستخدام هذه المركبة الطائرة البدائية.
فقلتُ له:
- ولكن يا دكتور، لن تطير هذه المركبة ما لم نملأ الكيس بالغاز.
فأجاب:
- بالطبع، وسنستخدم الهواء المضغوط من غرفة التبريد بدلاً من الغاز.
صحتُ بابتهاج:
- حقًا هذا هو! لنصنع الهواء المضغوط إذن!
كانت الرياح تهب بقوة؛ إنه يومٌ مثالي لإطلاق المنطاد في السماء.
أشعل تشين الغلاية منذ الصباح. وما إن امتلأت أنابيب المحرك بالبخار، حتى بدأ تشغيل الطاقة لتوليد الهواء المضغوط، ثم سحبناه إلى ظهر السفينة لملء منطاد الكتان.
سواء كانت معجزةً أم عنايةً إلهية، انتفخ الكيس الضخم وبدأ يتخبط محاولاً التحليق في السماء. ربطنا فوهته بإحكام، وثبتنا الحبال بأعمدة جسر السفينة.
استحثنا الدكتور العجوز قائلاً:
- هيا، أسرعا واركبا في الصندوق الشبكي!
سألتُه:
- وماذا عنك يا دكتور؟
فزجرني قائلاً:
- هذا المنطاد غير المكتمل لا يمكنه حملنا جميعاً!
- ولكن، هل سنرحل نحن فقط؟
- ماذا تقول؟ أنتما شابان في مقتبل العمر، وعليكما النجاة من هذا البحر الملعون. أما نحن العجائز فقد انتهت مهمتنا، وسنواجه مصيرنا مع سفينة الأشباح.
وأضاف العجوز المريب مؤكداً:
- نعم، ارحلا أنتما فقط نحو السماء. سأبقى أنا والدكتور هنا بهدوء لنودعكما.
قلتُ معترضاً:
- هذا غير مقبول! لا يمكننا ترككما هنا للموت!
فردّ الدكتور:
- عدتَ لمثل هذا الكلام ثانيةً؟ هذا المنطاد لا يتسع لأربعة أشخاص، بل إن ركوبكما أنتما الاثنين فيه ينطوي على مخاطرة، لكنه يظل أفضل من الموت المحتوم على هذه السفينة.
- ولكن ...
- ألا تزال تتردد؟ سيفقد الهواء المضغوط مفعوله وقوته على الرفع! هيا، ضخوا المزيد من الهواء!
مُلئ المنطاد بالهواء المضغوط مجدداً.
- والآن، اركبا الصندوق دون تأخير!
لم نعد نملك القدرة على الرفض، فصعدنا إلى المنطاد.
- حسناً يا دكتور ...
- يا معلمينا! سنعود حتماً لإنقاذكما، فأرجو منكما البقاء على قيد الحياة حتى ذلك الحين!
بينما كنا نصيح والدموع في أعيننا، قام العجوز المريب بفك الحبال المربوطة إلى أعمدة جسر السفينة. ويا للدهشة! فقد ارتفع ذلك المنطاد البدائي بالفعل محلقاً في السماء الواسعة.
- وداعاً يا دكتور!
- وداعاً يا معلمنا.. ابقَ بخير!
ولم يتبقَّ بعدها سوى الدموع. كان العجوزان على ظهر السفينة يرقباننا والدموع تملأ مآقيهما وهما يهتفان:
- أيها الشاب الياباني الشجاع، ويا أيها الشاب الصيني الأبيّ.. عودا إلى وطنيكما بأمان!
ثم صاحا والقلق على مستقبلنا المجهول يرتسم على وجهيهما:
- الهواء المضغوط ليس كالغاز، لذا سيفقد المنطاد قدرته على التحليق قريباً، لكن نأمل أن تنجحا في الخروج من دائرة هذا البحر الملعون قبل حدوث ذلك. أيتها الرياح.. هبّي بقوة واحميهما!
ولحسن الحظ، كانت الرياح عاتية، فدفعت منطادنا الغريب بعيداً عن سماء سفينة الأشباح، وبدأنا نبتعد عن محيط الدوامة الهائلة.
- وداعاً...!
- وداعاً!
بقينا أنا وتشين نصرخ بالوداع، والدموع لا تتوقف عن الجريان.
سقوط البالون
ما إن شعرنا أن منطادنا، الذي تتقاذفه الرياح، قد خرج أخيراً من نطاق الدوامة الهائلة، حتى حدث ما كان متوقعاً؛ فبسرعة لم نتخيلها، فقد المنطاد قدرته على الارتفاع، وسقطنا في عرض المحيط.
صرختُ أنا وتشين بيأس: آه!
ولكن، لدهشتنا الشديدة، لم نغرق في أعماق المحيط.
- يا إلهي!
- ما هذا!
كان المنطاد، الذي سقط جانباً على سطح الماء، يطفو بهدوء بدلاً من أن يغرق.
تبادلنا النظرات ونحن نكافح للبقاء فوق الماء.
قلتُ:
- المنطاد لا يغرق!
فأجاب:
- هذا صحيح.. لعل السبب هو طبقة الشمع التي طُلي بها الكتان.
- لا بد أنه كذلك. لنحاول الصعود فوقه.
- حسناً.
تركنا الصندوق الشبكي وتسللنا فوق المنطاد الذي انبسط على سطح الماء كأنه بساط. وبما أنه كيس كتاني ضخم، فقد حملنا نحن الاثنين دون عناء.
صفقنا بأيدينا فرحاً:
- هذه عناية إلهية!
قلتُ:
- لقد خطط الدكتور لهذا الأمر بنظره البعيد، من الطبيعي أن يحدث هذا.
فأجاب:
- تماماً، إنه يبدو الآن كأنه قاربٌ من الجلد.
وما إن شعرنا بالنجاة حتى غلبنا النعاس فجأة.
توسطنا قارب المنطاد واستلقينا.
قلتُ:
- أكاد أموت جوعاً.
فرد عليّ تشين:
- لا تكن مدللاً. إذا فكرت في الدكتور ومن معه وهم يدورون كالخُذْرُوف في تلك الدوامة، ستدرك أننا لا نملك حق الشكوى.
- معك حق.
- الدكتور والعجوز المريب عالمان عظيمان حقاً. لا أريد لهما الموت في ذلك البحر الملعون.
- أوافقك تماماً. أتمنى من كل قلبي أن نجد وسيلة لإنقاذهما.
- أجل ... ليتنا نعثر على طائرة تمر من هنا؛ فربما يتمكن طاقمها من إنقاذنا جميعاً ...
- هل يمكن للأمور أن تسير بهذه المثالية؟
- لكن القدر يا صاحبي لا يمكن التنبؤ به. بينما نحن تائهون هكذا، من يدري، قد تمر طائرة فوقنا في أي لحظة.
- هذا كلام أشبه بالأحلام.
- أتعتقد ذلك؟
بسبب الإرهاق الشديد، استسلمنا نحن الاثنان لغفوة قصيرة.
وفجأة، ويا للمفاجأة المذهلة! بعد مرور عدة ساعات، وفي مساء ذلك اليوم نفسه، بدأ يتردد في الآفاق البعيدة فوق موقع انجرافنا صوت محرك طائرة قوي وحيوي.
- آه! إنها طائرة!
- انظر! ألم أقل لك؟ لقد جاءت أخيراً! وافرحتاه! وافرحتاه!
قفزتُ من مكاني أصرخ من شدة الفرح.
عملية إنقاذ فاشلة
كانت الطائرة التي أنقذتنا طائرة ضخمة تابعة للبحرية اليابانية، من وطننا العزيز. كانت في مهمة اختبار للطيران في أعالي البحار، حين رصدونا ونحن ننجرف فوق ذلك القارب الجلدي الغريب.
لم يكتفِ ضباط الطيران البحري اللطفاء بإنقاذنا وحملنا على متن الطائرة، بل تقاسموا معنا مؤنهم النادرة المحمولة. كانت لفائف السوشي المجففة وحلوى اليوكان المحفوظة في أكياس مطاطية تشبه قطرات الماء لذيذة للغاية، لدرجة أنني كنت أتناولها بتلذذٍ واضح. نظر إليّ أحد الضباط مبتسماً وقال:
- أيها الصغير، هل الطعام لذيذ إلى هذه الدرجة؟
- بالطبع، فقد كنت جائعاً جداً!
- لكن احذر، فالمبالغة في الأكل تُربك المعدة!
قلتُ لأحد الضباط:
- يا صاحب السعادة ...
فضحك وقال:
- صاحب السعادة! أشكرك كثيراً على هذا التعظيم.
يبدو أن رتبة (نقيب بحري) لا تستوجب دعوته بلقب صاحب السعادة.
- إذن، أصحح قولي: أيها النقيب، نحن ممتنون لإنقاذك لنا، ولكن نرجوك أن تنقذ شخصين آخرين أيضاً.
- شخصان آخران؟
- نعم، كما أخبرتكم، هناك عالمان على متن سفينة أشباح عالقة في دوامة البحر الملعون، أرجوكم أنقذوهما بأسرع وقت. هذه الطائرة الضخمة تتسع لشخصين إضافيين بالتأكيد.
أجاب الطيار:
- أوه، هذان الاثنان ... بالطبع نود إنقاذهما، ولكن هل تعرف يا صغيري اتجاه تلك الدوامة الكبرى؟
- في الحقيقة.. لقد هربنا منها ونحن في حالة ذهول، لذا لا أعرف الاتجاه تحديداً، لكنها ليست بعيدة جداً.
رد الطيار بكل حماس:
- حسناً، فهمت!
وهكذا، بدأت طائرتنا البحرية المتفوقة والمجهزة للرحلات الطويلة بالتحليق بنا على ارتفاع منخفض نسبياً. رحنا نبحث شرقاً وغرباً، وجنوباً وشمالاً، نجوب المحيط بحثاً عن ذلك المكان المسحور، عن الدوامة الكبرى، لكن العثور عليها لم يكن بالأمر السهل.
- ماذا يا صغيري؟ لا أثر لأي دوامة كبرى في هذه النواحي!
- ولكننا خرجنا منها لتوّنا، أنا متأكد!
- ربما كنت تحلم؟
- مستحيل، لم يكن حلماً!
- على أية حال، سنواصل البحث قليلاً. يجب أن نجدها قبل حلول الظلام، وإلا فلن نتمكن من إنقاذهما.
بينما كانت الطائرة تواصل تحليقها المنخفض، بدأ يتردد من مكان ما صوت هادر ومروع.
- ها هو يا صاحب السعادة! إنه صوت الدوامة الكبرى!
ناديتُه بلقب صاحب السعادة مرة أخرى دون وعي.
فضحك قائلاً:
- صاحب السعادة ثانية؟ هههه، أوه، حقاً، إنه صوت مرعب! انظروا، ها هي الدوامة الكبرى!
صاح الضابط وهو ينظر للأسفل. وبالفعل، كان هناك مسطح مائي يمتد لنحو ميل مربع يدور بعنف وهياج مروعين. كانت المياه تدور ببطء عند الأطراف، وتزداد سرعتها وجنونها كلما اقتربت من المركز.
- يا له من مشهد مهيب!
- لم أكن أتخيل وجود مكان بهذه الخطورة هنا.
تسمّر الطيار ومساعده في مكانهما للحظات، مأخوذين بمهابة المشهد ورعبه.
صحتُ بلهفة:
- أتوسل إليكما، أنقذا الدكتور ومن معه بسرعة!
وأضاف تشين:
- أسرعا وإلا سيكون مصيرهما الموت!
- حسناً، فهمت!
أومأ الضابط برأسه بقوة، وأمعن النظر ثانية نحو المركز المفترض للدوامة، ثم قال:
- لا أثر لأي سفينة أشباح هناك يا صغيري!
فزعنا أنا وتشين ونظرنا للأسفل، وبالفعل، سفينة الموت تلك أو سفينة الأشباح التي كان من المفترض أن تكون عالقة في قلب الدوامة تدور كالخُذْرُوف، لم يكن لها أي أثر!
- أرأيت؟ لقد كان الأمر مجرد حلم كما قلت لك.
قال تشين بنبرة حزينة:
- كلا، لقد كانت عالقة في تلك الدوامة يقيناً، ومن على ظهرها انطلقنا بمنطادنا. الدكتور لا يزال هناك، أرجوكم ساعدونا!
- لكنني لا أرى أي سفينة على الإطلاق، فأين اختفت؟
مهما حلقت الطائرة في دوائر منخفضة فوق المياه الهائجة، لم نتمكن من العثور على أثر لسفينة الأشباح.
تمتم تشين في النهاية بيأس:
- آه، لعلها كانت حقاً سفينة أشباح!
فسألتُه مستنكراً:
- إذن، هل تريد القول بأن ذلك العجوز المريب، ذلك العالم الفذ في وظائف الأعضاء، كان مجرد شبح؟
فأجاب:
- أليس الأمر مريباً؟ إذا كانت سفينة الأشباح سفينة حقيقية للأشباح، فلا بد أن ذلك العجوز ذا الرداء الأبيض كان شبحاً هو الآخر.
قلتُ له:
- إذن، هل أنت شبح أيضاً؟
- ماذا تقصد؟
- لقد قُتلتَ على ظهر تلك السفينة حين أطلق ذلك البحار الذي يشبه النمر الرصاص على صدرك من الخلف، لقد شاهدتُ ذلك بعيني! أن تعود للحياة مرة أخرى فهذا أمر لا يصدقه عقل، ربما تكون أنت أيضاً شبحاً!
- رد تشين بحدة:
- هـ ... هذا مستحيل! لقد قُتلتُ فعلاً، لكن ذلك العجوز ذا الرداء الأبيض أجرى لي عملية جراحية واستبدل قلبي، وبذلك عُدتُ للحياة.
- إذن، أنت تؤمن بعبقرية ذلك العجوز وقدراته؛ وبناءً على ذلك، من الخطأ أن تسميه شبحاً. فما دمتَ أنت لست شبحاً، فكذلك ذلك العالم ليس شبحاً، وبالطبع الدكتور الذي ابتكر الجزر الصناعية ليس شبحاً هو الآخر.
- إممم.. هذا مضحك حقاً، لقد بدأتُ أفقد قدرتي على الفهم.. انتظر لحظة! ربما كانت سفينة اللصّوص تلك وحدها هي الشبح.
- في هذه الحالة، أنا أوافقك الرأي؛ فأن تختفي فجأة من وسط تلك الدوامة الهائلة، فهذا يعني أنها كانت فعلاً سفينة أشباح.
في هذه الأثناء، كانت الطائرة قد ابتعدت مسافة كبيرة.
قلتُ للنقيب وأنا لم أفقد الأمل بعد:
- أيها النقيب، أرجوك ابحث في مركز الدوامة مرة أخرى.
فأجاب الضابط:
- البحث المتكرر لن يجدي نفعاً. لقد فتشنا المكان بثماني أعين (أعين الطاقم الأربعة) ولم نجد شيئاً، من الأفضل أن تستسلم للأمر الواقع.
- لكنني أشعر بخسارة شديدة لفقدان أولئك العلماء!
- نحن أيضاً نأسف لخسارة شخصيات عظيمة كهذه في البحر الملعون؛ فهم علماء أفذاذ، أحدهم ابتكر جزراً صناعية، والآخر اكتشف طريقة استبدال القلوب وحفظ الحياة للأبد.
- وفوق ذلك، هم أصحاب فضل كبير علينا.
- هذا صحيح تماماً. ولكن بما أنهم وقعوا ضحية لسفينة الأشباح وبلعتهم الدوامة إلى أعماق البحر، فلا نملك إلا الرضا بالقدر. لعل الدكتور ومن معه قد فجروا السفينة بالبارود فغرقت.
- أجل، ربما حدث ذلك فعلاً.
أكمل الضابط قائلاً:
- عليكما الآن أن تدرسا بجد واجتهاد، لتصبحا في المستقبل علماء عظماء تبنون جزراً صناعية لخدمة أوطانكم دون عناء، وتكتشفون للبشرية جمعاء طرق حفظ الحياة.
- أعدك بأنني سأخترع جزراً صناعية حتماً.
وقال تشين:
- وأنا سأريكم كيف سأصبح عالماً كبيراً يجري عمليات استبدال القلوب ببراعة.
أومأ الضابط برأسه قائلاً:
- أحسنتما، فهذا هو السبيل الوحيد لرد الجميل للعالمين الراحلين. ثابرا واعملا بجد.
- حاضر!
- سنفعل!
كانت الطائرة البحرية قد غادرت بالفعل سماء البحر الملعون وتلك الدوامة الكبرى، وهي تحلق الآن باتجاه الغرب فوق المحيط الواسع الذي غلفه ضباب المساء.
سألتُ النقيب:
- سيدي النقيب، هل هذه الطائرة مستوردة من ألمانيا؟
- كلا، إنها صناعة وطنية.
- يا للروعة! هل تستطيع اليابان حقاً صناعة طائرات بهذه الكفاءة؟
- بالطبع، وهناك طائرات أعظم قيد التصنيع. هذه الطائرة صممها معهد أبحاث الطيران بجامعة طوكيو الإمبراطورية، ويمكنها عبور المحيط الهادئ ذهاباً وإياباً دون توقف.
- يا له من أمر مبهج!
- عليك أيها الصغير أن تدرس بجد لتصنع طائرات تتفوق عليها.
- سأفعل بالتأكيد، لا تقلق!
- وإياك أن تركب سفينة لصوص مرة أخرى!
- لقد خُدعت من البحارة في يوكوهاما. لن أذهب إلى شمال المحيط الهادئ ثانية، بل سأكرس كل وقتي للدراسة.
- جيد. وأنت أيضاً يا تشين، ادرس بجد واجتهاد.
- سأفعل!
- يجب على الصين واليابان أن يتعاونا ويصبحا أكثر قوة. من أجل سلام الشرق، لا بد من المضي قدماً يداً بيد.
قال تشين:
- لقد تأثرتُ بصبر وشجاعة وشهامة صديقي ياماجي. لقد شعرتُ في هذه المغامرة من أعماق قلبي أن اليابانيين والصينيين يجب أن يكونوا أصدقاء كالإخوة.
علق الضابط:
هذا هو الكلام! لقد كان ذلك أكبر مكسب لكما. إن الصداقة بين ياماجي وتشين ستكون وتداً يربط بين اليابان والصين بصداقة أبدية.
كانت الطائرة المتميزة تحلق بهدوء في سماء المحيط الهادئ متجهة نحو اليابان، حيث يشمخ جبل فوجي المهيب. وبعد انتهاء هذه المغامرة الغريبة التي استمرت لأكثر من أربعة أشهر، نسيتُ تعبي ونعاسي، وامتلأتُ بالنشاط ورحتُ أصفرُ بنغمات مرحة وأنا عائد إلى وطني.
بعد عودتي إلى اليابان، رويتُ للناس قصة الجزر الصناعية التي صنعها الدكتور العجوز، وعملية استبدال القلب التي أجراها العجوز ذو الرداء الأبيض، وقصة سفينة الأشباح والدوامة الكبرى في البحر الملعون، ولكن لم يصدقني أحد. كانوا يسخرون قائلين مستحيل! كيف يمكن لهذه الخرافات أن تحدث؟ لذا، لو أخبرتهم أنني هربتُ من سفينة اللصوص وركبتُ على ظهر حوت ضخم منجرفاً في المحيط، لربما انفجروا ضحكاً.
أنا الآن أعمل كمساعد في مختبر كيميائي يشرف عليه دكتور مشهور في العلوم في اليابان. وفي يومٍ ما، سأقوم بالتأكيد باختراع جزيرة صناعية، وعندها فقط، سيصدق الناس مغامراتي ويعرفون أنها كانت حقيقة.
[1] نُشرت هذه الرواية في عدد أغسطس من عام 1937م لمجلة شباب اليابان، وهي رواية خيال علمي ومغامرات، وهي من تأليف الكاتب ماساشي تيراجيما (1893 – 1952)، وهو كاتب اشتهر بكتابة قصص المغامرات والخيال العلمي للشباب في عصر شوا. وتدور الرواية حول مغامرة شاب ياباني يُدعى ياماجي وصديقه الصيني تشين، اللذين يجدان نفسهما على متن سفينة غامضة عالقة في دوامة هائلة في عمق المحيط، حيث يلتقيان بعلماء عباقرة يقومون بتجارب مذهلة مثل زراعة واستبدال القلوب وبناء جزر صناعية من الجليد. وتنتهي القصة بنجاة الصديقين بواسطة طائرة عسكرية يابانية، وعودتهما بآمال كبيرة أن يصبحا علماء يخدمون الوطن ويحققون السلام والتعاون بين الشعوب. تُعد هذه الرواية من الأعمال التي تعكس تطلعات اليابان العلمية في تلك الحقبة (قبل الحرب العالية الثانية)، ممزوجة بروح المغامرة والخيال الجامح / المترجم.