بحث في هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 31 مارس 2020

كيمونو تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة ميسرة عفيفي


كيمونو
تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا
ترجمة ميسرة عفيفي
لقد رأيت الحلم التالي:
كان المكان على ما يبدو مطعما يقدم مختلف الأطعمة. ويجلس عدد كبير من الناس في قاعة واسعة. وكان كل منهم يرتدي ما يعن له من ملابس غربية أو ملابس يابانية.
ولم يكن الأمر مجرد ارتدائهم الملابس بل كان كل منهم يتأمل ملابس الآخرين ويحاول أن يُقيّمها تقييمًا عشوائيًّا.
"إن ثوبك قديم الطراز، ألا يبدو وكأنه أنتيكة من عصر المذهب الطبيعي؟"
"إن كيمونو اليوكي ذلك رائع! فله مذاق إنساني لا يمكن وصفه"
"ما هذا؟ ألا ترى أن المعطف الذي ترتديه لا يُظهر حركاتك؟"
"انظر إلى تلك البذلة المصنوعة من القماش المخطط، إنه نموذج للبرجوازي البائس"
"وَيّ! لقد أدهشتني بارتدائك حزاما يشبه ما يتمنطقه الحكواتي!"
"كما هو متوقع، عندما ترتدي كيمونو أوشيما، تكاد أن تكون من طبقة أبناء منطقة طوكيو الراقية المترفين"
كانوا يتبادلون مثل تلك الأقوال بحماس.
ثم بعد ذلك لمحتُ رجلا نحيفا غريب المنظر يجلس في آخر مقعد. كان ذلك الرجل بكيمونو مريب ملصق به علامة سوداء عتيقة الطراز. ويبدو أن ذلك الكيمونو كان منذ قليل ضحية لمختلف أنواع النقد. وفي التو والحال كان الأستاذ الشاب عمرا الذي يطيل شعر رأسه يجادله قائلا:
"ألا يلعب ذلك الكيمونو كما هي عادته؟"
كان ذلك الأستاذ ولا أدري ما هي نيته، يرتدي زيًّا دينيًّا أبيض وكأنه راهب في جماعة الدومنيكان. ويُقال إن بلزاك كان يرتدي مثل ذلك الزي أثناء عمله. ولكن كان كتفا الرجل الذي يرتديه الآن ليس في حجم كتفي بلزاك العريضين، ولذا كان الرداء يبدو واسعا جدا عليه.
لم يزد الرجل النحيف عن الابتسام ابتسامة متكلّفة وظل جالسا في صمت.
"لا أستطيع التكلم عنك لأنك دائما ترتدي نفس الملابس"
كانت تلك كلمة تقييم ألقاها أحد العظام الأصغر سنًّا، يرتدي كيمونو لا يتضح هل هو من طراز أوشيما أم من طراز مَيْسين. ولكن كيونو ذلك العظيم نفسه، يبدو أنه يرتديه منذ زمن طويل للغاية، فكانت ياقة الكيمونو قد تهرأت من كثرة العرق.
ومع ذلك لم يرد الرجل الذي يرتدي الكيمونو المصنع من الكتان بأية كلمة. وعند النظر لذلك الحال، يبدو لي ذلك الرجل شخصا لا حول له ولا قوة.
ولكن في المرة الثالثة، كما هو متوقع أنزل الرجل الذي يرتدي البذلة ذات الخطوط الواسعة عريضة الكتفين، تقييمه وهو يبتسم في سخرية مع بعض التعاطف قائلا:
"لماذا لا ترتدي الكيمونو الذي كنت ترتديه المرة السابقة؟ إنك بذلك تعود القهقري لما كنت عليه في الماضي، ولكن كيمونو الكتان هذا لائقا عليك إلى حد ما. أرجو منكم جميعا أن تتذكروه عندما جاء وقد بدّل ملابسه. ثم أرجو منكم أن تشجعوه على أن يبدل ملابسه من الآن فصاعدا"
كان ثمة اتجاه من بين الجمع الحاشد يعطيه صيحات التشجيع "هيا، هيا"، وفي جانب آخر اتجاه بالغضب القائل: "يجب الأخذ عليه بيد من حديد، لا يجب أن يسود سلوك مدح الأصدقاء"
أخيرا غادر الرجل النحيف القاعة في عجلة وهو يحك رأسه بيده. ثم عاد إلى بيته ذي الطابقين رديء التهوية في الضواحي.
في ذلك البيت تتدلى أنواع متعددة من الكيمونو معلقة في الطابقين السفلي والعلوي من أجل التهوية. ولمع شيء اعتقدتُ أنه قشر جلد ثعبان أو ما شابه، فإذا به درع مصفح وواقي حديدي.
جلس الرجل النحيف في ذلك الكيمونو، متربعا بكبرياء وعدم مبالاة، ثم بدأ ينفث دخان تبغه في سكينة تامة.
وأظن أنه قال شيئا وقتها، ولكن للأسف الشديد لا أتذكر ما قال بعد أن استيقظتُ الآن. إنه لمن عظيم أسفي أن أنسى تلك الجملة التي قالها رغم كتابتي حكاية ذلك الحلم.


كارمن تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة: ميسرة عفيفي


كارمن

تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا*
ترجمة: ميسرة عفيفي

هل كان ذلك قبل الثورة؟ أم بعدها؟
... لا إنه بالتأكيد لم يكن قبل الثورة. والسبب في أن ذلك الأمر لم يكن قبل الثورة هو أنني أتذكر بوضوح أنني سمعت دعابة دانتشينكو عنها في ذلك الوقت.

في ليلة حارة جوها مشبع بالرطوبة والأمطار الغزيرة، كان صديقي المخرج المسرحي "ت" يجلس في الشرفة العليا للمسرح الإمبراطوري ممسكا في يده بكوب من المياه الغازية متحدثا إلى دانتشينكو. نعم دانتشينكو، ذلك الشاعر الضرير ذو الشعر الذهبي.
"إنه تغير هائل حقا. أن تأتي فرقة الجراند أوپرا الروسية كل هذه المسافات لتقيم عروضها في طوكيو"
"السبب في ذلك هو أن البلاشفة متطرفون"

كان ذلك الحوار على ما أتذكر بعد مرور خمسة أيام من الافتتاح ... وهي الليلة التي صعدت فيها كارمن على خشبة المسرح. كنتُ شديد الإعجاب بإينا بورسكايا التي كان من المفترض أن تلعب دور كارمن. كانت إينا واسعة العينين ذات أنف صغير مشدود وجسد طاغي الحس. وبالطبع كنت أتلهف شوقا لرؤية إينا في دور كارمن. ولكن عندما ارتفع الستار عن الفصل الأول لم تكن إينا هي من تقوم بدور كارمن. كانت الممثلة التي تقوم بالدور فقيرة الحس بعينين زرق وأنف نافر. أحسسنا، أنا و"ت" بخيبة أمل هائلة ونحن جالسون في ذات الشرفة تصطف صدورنا الموسومة ببدلة "التوكسيدو" الرسمية.
"كارمن ليست إينا المفضلة لدينا"
"سمعتُ أن إينا اليوم في راحة. والسبب في ذلك رومانسي جدا"
"ماذا حدث؟"
"يبدو أن مركيزا من الدولة الإمبراطورية القديمة جاء في إثر إينا ووصل طوكيو أول أمس. ولكن إينا في غفلة منه أصبحت الآن في كنف تاجر أمريكي. ويبدو أن الماركيز عندما عرف ذلك أصيب باليأس فانتحر ليلة أمس بشنق نفسه في غرفته بالفندق"
وأنا أستمع إلى هذه الحكاية تذكرت أحد المواقف. في وقت متأخر من الليل كانت إينا تلهو بأوراق لعب "الكوتشينة" يحيط بها عدد من الرجال والنساء بغرفة من غرف أحد الفنادق. كانت إينا التي ترتدي زيًّا باللونين الأسود والأحمر تبدو وكأنها تقرأ الطالع على طريقة الغجر، قالت وهي تبتسم لـ "ت": "دعني هذه المرة أقرأ لك حظك" (أو ربما قالت. فبالطبع لم يكن أمامي أنا الذي لا أعرف من اللغة الروسية إلا كلمة "دا" غير الاعتماد على ترجمة "ت" الذي يتحدث اثنتي عشرة لغة) وبعد أن قلبتْ ورق اللعب ونظرت عليه قالت:
"أنت أكثر سعادة من هذا الرجل. ستستطيع الزواج بمن تحب"
كانت تقصد بعبارة "هذا الرجل" رجلا روسيًّا يقف بجوارها ويتحدث مع شخصٍ آخر. ومن سوء الحظ أنني لا أتذكر وجه أو هيئة وملابس "هذا الرجل".
الشيء الضئيل الذي أتذكره هو زهرة القرنفل التي كان يضعها على صدره. ألا يكون "هذا الرجل" هو من أنهى حياته منتحرا بسبب فقدانه حب إينا؟ ...
"معنى هذا أنها لن تصعد على المسرح هذه الليلة!"
"حسنا ألا نخرج من هنا لنشرب كأسا؟"
بالطبع كان "ت" كذلك، من أشد معجبي إينا.
"تريث، دعنا نشاهد فصلا آخرا ثم نذهب"
على الأرجح كان الوقت الذي تحدثنا فيه مع دانتشينكو هو أثناء تلك الاستراحة بين الفصلين.
استمر معنا الملل في الفصل التالي كذلك. ولكن بعد جلوسنا على مقاعدنا بخمس دقائق تماما دخل الشرفة المقابلة لنا من الجهة الأخرى خمسة أو ستة أجانب. بل وكان من يتقدمهم هي إينا بورسكايا بلا أي شك. جلست إينا على المقعد الذي في مقدمة الشرفة، وبدأت تراقب خشبة المسرح وهي تستخدم مِرْوَحة مصنوعة من ريش الطاووس. ليس هذا فقط بل إنها كانت تتحدث وتضحك بمرح ومتعة مع مرافقيها الأجانب (من المؤكد أن بينهم سيدها الأمريكي).
"إنها إينا"
"حقا، إنها إينا"
وفي النهاية لم نغادر شرفتنا حتى آخر فصل حيث يحتضن خوسيه جثة كارمن وينهار باكيا وهو يصرخ "كارمن! كارمن!"
والسبب بالطبع أننا كنا نشاهد إينا بورسكايا أكثر من مشاهدة الأوپرا. كنا نشاهد كارمن الروسية التي لا يهمها مطلقا أنها قتلت "هذا الرجل".

#    #    #

بعد ذلك بيومين أو ثلاثة كنت أجلس ليلا مع صديقي "ت" على طاولة في أحد المطاعم.
"هل لاحظتَ أن إينا منذ تلك الليلة تضع ضمادة على خنصرها الأيسر على ما أتذكر؟"
"أجل أعتقد أنها كانت تضع ضمادة"
"بعد عودة إينا إلى غرفتها بالفندق في تلك الليلة ..."
"توقف! لا يجب عليك شرب هذا"
قمتُ بتنبيه صديقي "ت". فقد كان داخل الكأس الذي عكس ضوء المكان الخافت توجد حشرة جعران صغيرة ملقاة على ظهرها وتحرك أرجلها. سكب صديقي نبيذ العنب الأبيض على أرضية المحل. وأكمل حديثه بملامح مستهجنة.
"قامت بتكسير صحن خزفي بطرقه على الحائط واستخدمت شقفتين منه بديلا عن الكاستانيت غير عابئة بالدم الذي يسيل من إصبعها. ..."
"وهل رقصت مثل كارمن؟"
وعندها جاء إلى طاولتنا نادل أبيض الشعر بملامح وجه لا تلائم مطلقا حماسنا وهياجنا ثم وضع طبق السالمون فوق الطاولة بهدوء. ...

(10 أبريل من العام الخامس عشر لعصر تايشو [10/4/1926م])

* ريونوسكيه أكوتاغاوا عملاق الأدب الياباني وصاحب الراشومون أشهر قصة يابانية في العصر الحديث والتي أخذ المخرج الشهير أكيرا كوروساوا اسمها وجزء منها مع قصته الأخرى "في غابة" "أو "في علم الغيب" ليصنع منهما ذلك الفيلم الرائع "راشومون" الذي حاز على جائزة الأسد الذهبي لأحسن فيلم في مهرجان فينسيا السنيمائي عام 1951 وكذلك على جائزة الأوسكار التقديرية لنفس العام كأول فيلم ياباني يفوز بهاتين الجائزتين، وُلد أكوتاغاوا عام 1892 أي في العام الخامس والعشرين من عصر ميجي أي بعد ربع قرن من بداية حركة التحديث والتنوير اليابانية التي بدأت بإعادة الساموراي مقاليد السلطة والحكم إلى الإمبراطور. درس أكوتاغاوا الأدب الإنجليزي بجامعة طوكيو الإمبراطورية وبدأ في الكتابة والنشر وهو لا زال طالبا بالجامعة. يقول عنه أحد أصدقائه إن كان يستطيع قراءة ألف صفحة يوميا. انتحر أكوتاغاوا في سن الخامسة والثلاثين وهو في أوج مجده بتعاطي كمية كبيرة من الأقراص المنومة. بعد موته بثمان سنوات أطلق صديق عمره الكاتب والناشر "كان كيكوتشي" جائزة أدبية باسمه لتصبح أشهر جائزة أدبية في اليابان. هذا وقد ترك أكوتاغاوا ما يزيد على المئتين وخمسين عملا أغلبها قصص قصيرة. وتعتبر أعماله قمة الأعمال الأدبية اليابانية التي كُتبت في بدايات القرن العشرين والتي لا تزال لها بريقها ورونقها حتى الآن. في هذه الأقصوصة يصنع أكوتاغاوا عالما سحريا عبارة عن سيرة ذاتية وخيال أصيل / المترجم.

الاثنين، 30 مارس 2020

مسرحية: الشباب والموت تأليف: ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة: ميسرة عفيفي


الشباب والموت

مسرحية: ريونوسكيه أكوتاغاوا
ترجمة: ميسرة عفيفي



لا تُستخدم أية خلفيات من أي نوع.
يظهر على المسرح اثنان من الخصيان وهما يتحدثان لبعضهما البعض.
- ستلد ستة من الأميرات في هذا الشهر أيضا. وإذا عددنا غيرهن من ذوات الحمل ربما يصل العدد إلى عشرات.
- ألا تعرف من فعل ذلك؟
- لا، لا أحد يعلم. فالأميرات يقمن في قصر الحريم ولا يمكن دخوله لأحد سوانا، هذا أمر مستحيل الحدوث. ومع ذلك من العجيب أن تستمر الأميرات في ولادة الأطفال شهرا بعد شهر.
- أما من احتمال لتسلل أحد الرجال إلى داخل القصر؟
- أنا أيضا في البداية فكرتُ في ذلك. ولكن مهما زدنا عدد جنود الحراسة، لا تتوقف الأميرات عن ولادة الأطفال.
- ألم تعرف شيئا بسؤال الأميرات؟
- هذا هو الأمر الغريب. فعند سؤال الكثيرات منهن وتقصي الأمر، عرفنا أن رجلا يتسلل إلى داخل القصر. ولكنهن يقولن إنهن يسمعن صوته فقط ولا يستطعن رؤيته.
- حقا! إنه أمر عجيب!
- إنها حكاية تشبه الأكاذيب! ولكن تلك على أي حال هي المعلومة الوحيدة المتعلقة بذلك الرجل المتسلل، لذا يجب علينا بطريقة ما التفكير في وسيلة للحماية منه. ما رأيك أنت؟
- ليس لديّ فكرة ألمعية بشكل خاص. ولكن على أي حال مجيء ذلك الرجل حقيقة، أليس كذلك؟
- بلى إنها حقيقة.
- حسنا، ما رأيك لو نثرت رمالا فوق الأرض؟ سيختلف الأمر لو كان ذلك الرجل يأتي طائرا في الهواء، ولكن إن كان يأتي مشيا على قدميه فمن المفترض أن يترك آثار أقدامه فوق الرمال.
- جميل جدا. تلك فكرة مدهشة. وإذا تتبعنا تلك الآثار فستدلنا عليه، ويمكن أن نلاحقه ونقبض عليه.
- كما يقال التجربة خير برهان، لنفعل ذلك ونرى ما سيحدث.
- لنفعل ذلك على وجه السرعة. (يغادر الاثنان خشبة المسرح)


عدد كبير من خادمات القصر ينثرن الرمال.
- حسنا لقد نثرنا الرمال في كل مكان
- لا، ما زال ذلك الركن متبقيا دون رمال. (تنثر رمالا في الركن)
- هيا ننثر في الممر. (تغادر جميعهن المسرح)


يجلس شابان تحت إضاءة الشموع
ب: لقد مر عام كامل منذ بدأنا التردد على ذلك المكان.
أ: الزمن يمر سريعا، لقد كنا حتى عام واحد مضى لا نتكلم إلا الكلام المكرر عن الجوهر والخير الأكثر علوا.
ب: الآن نسينا حتى الحديث عن الأنا العليا.
أ: أنا أيضا قلتُ لفلسفة الأوبانيشاد: "الوداع" منذ زمن بعيد.
ب: في ذلك الوقت كنتَ تفكر في أمر الموت والحياة بجدية كبيرة.
أ: ماذا! الأمر فقط أنني كنتُ وقتها أتحدث عما أفكر فيه. أما عن التفكير نفسه، فأنا الآن أكثر تفكيرا في ذلك الأمر.
ب: حقا؟ ولكنني منذ ذلك الوقت لم أعد أفكر في الموت البتة.
أ: إن كنت تستطيع ذلك، فهو أمر جيد.
ب: ولكن أليس من الغباء التفكير في أمر لن تفهمه مهما فكرت؟
أ: سيأتي الوقت ويموت كلانا.
ب: ليس بعد. فلن نموت خلال سنة أو سنتين.
أ: من يدري؟
ب: ربما يموت المرء غدا. ولكن لو قلقت من ذلك، لن تستطيع الاستمتاع بشيء واحد على الإطلاق.
أ: أنت مخطئ ألا تعتقد أن المتعة التي تأتي دون توقع الموت هي متعة لا معنى لها؟
ب: لتكن بلا معنى أو لا تكن، ولكني لستُ بحاجة لتوقّع الموت.
أ: لكن ألا يعني ذلك؛ العيش مفضلا خداع الذات؟
ب: ربما كان ذلك صحيحا.
أ: لو كان الأمر كذلك فلا حاجة بك لتعيش حياتك الحالية. فحتى أنت، ألا تعيش مثل هذه الحياة من أجل تدمير الخديعة؟
ب: على كل حال أنا حاليا فقدت أية رغبة في التفكير، ومهما قلتَ أنت، فلن أتغير عما أنا عليه الآن.
أ: (بأسى) إذا كان الأمر كذلك فلا عليك.
ب: لقد تأخر الليل أثناء هذا الجدال الفارغ. ألم يحن وقت رحيلنا؟
أ: بلى.
ب: حسنا ناولني تلك العباءة التي نرتديها فتختفي هيئتنا. (يأخذ أ: العباءة ويناولها له. وعندما يرتدي ب العباءة يختفي عن الأنظار. ويتبقى صوته فقط) حسنا هيا بنا نذهب (يرتدي أ: العباءة وبالمثل يختفي ويظل صوته فقط) وندى الليل يتساقط.


يُسمع صوتيهما فقط في الظلام الدامس
صوت أ: ظلام حالك.
صوت ب: كنتُ على وشك أن أطأ على طرف عباءتك.
صوت أ: صوت الرياح شديد.
صوت ب: أجل، فلقد وصلنا أسفل الشرفة.


ظلام خافت. نساء عاريات بعدد كبير منهن الواقفة والجالسة والنائمة
- لم يأتِ بعد هذه الليلة.
- لقد أوشك القمر أن يأفل.
- ليته يأتي سريعا.
- لقد فات الوقت المفترض أن نسمع فيه صوته. أليس كذلك؟
- أنا أشعر بعدم الاكتفاء لأنه صوت فقط.
- أجل ولكن رغم ذلك أنا أحس بلمساته.
- أول الأمر كنت خائفة.
- أنا قضيت الليلة كلها أرتعش من الخوف.
- وأنا كذلك أيضا.
- ولكن رغم ذلك يقول لا ترتعشي! أليس كذلك؟
- أجل، أجل.
- كنت أخاف أكثر وأكثر.
- هل أنهت الأميرة التي هناك حملها؟
- أجل منذ زمن بعيد.
- لا بد وأنها في غاية السعادة.
- طفلها رائع جدا.
- أنا أيضا أريد أن أصير أما.
- أنا لا أرغب بتاتا في ذلك وليس لدي أي نية.
- حقا؟
- أجل، أليس شيئا كريها؟ أنا فقط أحب تدليل الرجال لي.
- حقا!
صوت أ: الليلة ما زالت الإضاءة مشتعلة. إن بشرتكن في غاية الجمال وهي تتلألأ خلف الغلالة الشفافة التي على أجسادكن.
- ماذا! هل وصلت؟
- تعال هنا.
- الليلة تعال لي هنا.
صوت أ: أراكِ تضعين حلقة ذهبية حول ذراعك.
- أجل، وماذا في هذا؟
صوت ب: لا شيء. إن رائحة عطر الياسمين تفوح من شعركِ.
- أجل.
صوت أ: أما زلت ترتعشين؟
- إنها رعشة السرور.
- تعال هنا.
- هل ما زلت عندك؟
صوت ب: يا للدونة يديكِ.
- دللني وقت ما تحب.
- لن أدعك الليلة تذهب لأخرى.
- أكيد. هذا جيد.
- آه ... آه.
صار صوت المرأة يتحول تدريجيا إلى تأوهات هامسة ولم يعد يُفهم ما تقول. صمت.
فجأة يظهر من مكان ما عدد كبير من الجنود حاملين في أياديهم حراب. صوت الجنود:
- ثمة هنا آثار أقدام.
- وهنا أيضا.
- انظر، هنا كذلك.
- هنا هرب من هنا.
- لا تدعه يهرب.
تحدث فوضى، فتهرب النساء جميعهن وهن يطلقن صرخات عالية. يتابع الجنود آثار الأقدام ويلاحقونها هنا وهناك. تُطفأ الإضاءة ويظلم المسرح.


يظهر أ وب بالعباءة ومن الناحية المقابلة يظهر رجل ملثم بقناع أسود.
ظلام خافت
أ وب: من هناك؟
الرجل: حتى أنتما، لم تنسيا صوتي، أليس كذلك؟
أ وب: من أنت؟
الرجل: أنا الموت.
أ وب: الموت؟
الرجل: لا يجب أن تندهشا لتلك الدرجة. فأنا موجود من الأزل، وموجود الآن وسأظل موجود إلى الأبد. وعلى الأرجح ربما أنا فقط من يمكن القول عنه إنه "موجود" حقا.
أ: وما غرضك من المجيء؟
الرجل: من المفترض أن غرضي واحد دائما.
ب: وهل أتيت من أجل ذلك الغرض؟ آه، أأتيت من أجل ذلك الغرض؟
أ: حقا؟ هل أتيت من أجل ذلك؟ لقد كنت أنتظرك. الآن حقا يمكنني رؤية وجهك. هيا خذ روحي.
الرجل (موجها حديثه إلى ب): وأنت أيضا هل كنت تنتظر مجيئي؟
ب: كلا أنا لا أنتظرك. أنا أريد أن أعيش. أرجوك دعني أستمتع بالحياة فترة. فأنا ما زلت شابا. ما زالت الدماء الحارة تجري في عروقي. أتوسل إليك أن تدعني أستمتع بحياتي فترة قصيرة أخرى.
الرجل: أنت تعرف أنني لم أتأثر ولو مرة واحدة لرجاءٍ من أحد.
ب (يائسا): هل موتي محتوم؟ آه، يا ويلي. لِمَ يجب أن أموت؟
الرجل: أنت ميت منذ أن وعيت الحياة. ومن الأفضل أن تعتقد أن مكوثك حيًّا حتى الآن ما هو إلا رأفة مني بحالك.
ب: ليس حالي وحدي. فحمل عبء الموت منذ الميلاد هو مصير البشر أجمعين.
الرجل: أنا لم أقل ما قلت قاصدا ذلك المعنى. ألم تنسني أنت حتى اليوم؟ ألم تعش حياتك دون أن تستمع إلى أنفاسي؟ لقد حاولت أن تقضي على كل أنواع الخداع بطلب المتعة ولم تعرف أن ما تطلبه من متعة هي ذاتها مجرد خداع. في الوقت الذي نسيتني فيه، كانت روحك تجوع. والروح الجائعة، كما هو متوقع تسعى في طلبي. فمحاولتك تجنبي كانت على العكس استدعاء لي.
ب: آه.
الرجل: أنا لا أُميت كل شيء. على العكس أنا ألد كل شيء. أنت نسيتني، نسيت الموت أصل كل شيء. ونسياني يعني نسيان الحياة. ومن ينسَ الحياة يجب أن يموت.
ب: آه. (يسقط صريع الموت)
الرجل (ضاحكا): إنسان غبي (مخاطبًا أ) لا تخف. اقترب مني قليلا.
أ: أنا أيضا أنتظر. فأنا لست جبانا لأخافك.
الرجل: لقد كانت لديك رغبة في رؤية وجهي. إن الفجر على وشك المجيء. فلتتأمل وجهي جيدا.
أ: هل هذا هو وجهك؟ لم أكن أعتقدُ أن وجهك بهذا الجمال.
الرجل: أنا لم آت لأخذ روحك.
أ: لا فأنا أنتظرك. أنا إنسان لا أعلم أي شيء سواك. إنسان لا حيلة له في امتلاكه روح. أرجوك خذ روحي. أنقذني من ألمي.
صوت ثالث: لا تنطق بهذا الغباء. انظر إلى وجهي جيدا. إن الذي أنقذ روحك هو عدم نسيانك لي. ولكني لا أعترف بصحة كل أفعالك. انظر إلى وجهي جيدا. هل عرفت خطأك؟ استمرارك في الحياة من الآن سيعتمد على جهدك الذاتي.
صوت أ: أرى أن وجهك يرجع تدريجيا إلى الشباب.
الصوت الثالث: (بهدوء) الشروق. من الأفضل أن تأت معي إلى العالم الكبير.
يُرى الرجل ذو القناع الأسود يرحل مع أ في ضوء الفجر الخافت.


يسحب الجنود جثة ب العارية التي بها الكثير من الجروح.

– نقلا عن السيرة الشعبية للبوديساتفا ناغارجونا –
(اليوم الرابع عشر من الشهر الثامن للسنة الثالثة لعصر تايشو [14/8/1914])