د. عبد الوهاب المسيرى الفردوس الأرضى دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية الحديثة
د. عبد الوهاب المسيرى
الفردوس الأرضى
دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية الحديثة
الإهداء
ومن غيرك أهديها هذه الكلمات؟
مقدمة
الفردوس والتاريخ
يعيش الإنسان جزءًا من الطبيعة شأنه فى هذا شأن الكائنات العضوية الأخرى: يولد ويموت، ينطبق عليه ما ينطبق عليها من قوانين طبيعية حتمية، إن دخل النار احترق، وإن ألقى بنفسه من شاهق دقت عنقه، وأن تعرض للبرد هلك، وحينما تفسد خلايا جسمه فهو يتحلل ويتحول إلى تراب تذروه الرياح.
ولكنه إلى جوار هذا يعيش فى بناء مستقل عن الطبيعة من صنع يديه، هذا البناء هو التاريخ، ولذا فالإنسان لا يخضع لقوانين الطبيعة وحدها وإنما يخضع لقوانين التاريخ أيضًا، وهى قوانين مغايرة لقوانين الطبيعة رغم ارتباطها بها ورغم اعتماد البيئة التاريخية على البيئة الطبيعية. والتاريخ هو تراكم خبرات الإنسان فى مجابهته الطبيعة، ولذا فهو يمنح الإنسان من المعرفة والوعى ما يمكنه من التحكم فى الطبيعة وتوظيفها لصالحه. هذه الازدواجية هى ما يسمى الوجود الإنسانى: أن يعيش الانسان داخل جسده «الطبيعى» يحمل وعيه «التاريخى» والجسد والوعى ارتباطهما منفصلان الواحد عن الآخر فبينما يؤكد الأول انتماءه لعالم الحيوان، يؤكد الثانى انتماءه لما هو غير حيوانى. وبين هذا الشد والجذب يعيش الإنسان أيامه الأرضية لا مخرج له منهما كفرد أو كجماعة.
وهذا الشد والجذب فى نظرى هو مصدر جدلية الوجود الإنسانى، فالإنسان قد ترك الطبيعة الدائرية وسقط فى التاريخ وحدوده ولا يمكنه إلا تقبل هذا الأمر. ولكنه مع هذا قلما يقنع بما هو قائم وإنما يثور ضده دائمًا ويحلم بما هو أفضل خاصة حينما ينظر إلى ذاته، فيرى الإمكانات الهائلة داخله وداخل وجوده الإنسانى. وحلم الإنسان هذا يدفعه للثورة والتمرد. ولقد كان الحلم بالعصر الذهبى دائمًا استعارة لحالة من الكمال الإنسانى نطمح لها ونحاول تشييدها عالمين مسبقًا بأن الكمال لن نصل إليه، لأن الكمال من سمات الوجود الإنسانى الجدلى، ولذا كان على الإنسان على المستويين الفردى والجماعى أن ينشد الخلاص، ولكنه الخلاص داخل حدود، إذ كان يفصل دائمًا بين النسبى والمطلق باحثًا عن المطلق خارج التاريخ، ويظل التاريخ هو مجال المحاولة والخطأ. والفكر الثورى يصدر عن رغبة أو حلم فى الحياة الأفضل، ولكن الرؤية الثورية الحق تعترف بأهمية التاريخ وحدوده رغم محاولتها توسيع هذه الحدود، وهى تؤمن بأن الإنسان لا يمكنه حل جميع التناقضات لأن حل بعض التناقضات ينتج عنه تناقضات أخرى أى أن التاريخ لا نهاية له، ولن نصل بتاتًا إلى لحظة السكون التى يتحقق فيها الفردوس الأرضى والتى ينتفى فيها الجدل ويتداخل فيها المطلق والنسبى ويصبح التاريخ دائريًّا مثل الطبيعة. والرؤية الثورية الحق لا تريد «العودة» إلى البراءة الأولى وإلى التكامل المطلق وإنما تحاول الوصول إليها جزئيًّا وتدريجيًّا من خلال حدود التاريخ ودون أى محاولة لتدميره. وقد لخص ماركس لب الموقف بتعريفه للحرية على أنها معرفة قانون الضرورة، فالوصول للبراءة الأولى أو الحرية المطلقة (الطبيعية) مستحيل باعتبار أن قوانين الضرورة الطبيعية تتحكم فينا. ولكن يظل الاقتراب الجزئى ممكنًا عن طريق التحكم النسبى فى هذه القوانين بواسطة الوعى والتاريخ الإنساني، ويظل الفردوس الذى لا حدود له حلمًا وليس كيانًا أرضيًّا متحققًا ساكنًا أزليًّا صوفيًّا. إذ أنه لا حرية إنسانية خارج القانون والحدود.
ولكن فى العصر الحديث فى الغرب، وبانتشار الفلسفات البورجوازية بتقديسها للأشياء، بدأ يظهر نوع جديد من الحساسية اسمه «الحساسية الفردوسية» هو فى صميمه نوع من الغيبية العلمية. والغيبية العلمية لا تختلف كثيرًا عن الغيبية التقليدية فى ادعائها الإطلاق لنفسها وفى نفيها للجدل وفى محاولتها تصفيته. فالغيبية الدينية التقليدية كانت فى جوهرها احتكارًا للحقيقة المطلقة النهائية ولسبل الخلاص، ولذا كان على المؤمن أن يتبع هذه الحقيقة حتى يصل إلى الفردوس، أما الذين كانوا يقاومون هذا الخلاص فقد كانت تُفرض عليهم العقيدة فرضًا عن طريق العنف. والغيبية العلمية الجديدة تدعى لنفسها احتكار الحقيقة المطلقة، بل أنها تنسب لنفسها القدرة على تحقيق الفردوس فى الأرض «الآن وهنا» بإشباع كل رغبات البشر، ذلك إن استسلم الناس لها وأسلموا لها القياد، متبعين آخر الأساليب العلمية التى لا يعرفها بطبيعة الحال إلا العلماء وذلك حتى يتسنى الوصول فى أسرع وقت من خلال أقصر طريق إلى الفردوس الموعود.
وهذا من ناحية المنطق خطر للغاية، فهو ثورى فى مظهره رجعى فى جوهره، فهو فى مظهره يحل النجاح العاجل فى الدنيا محل أى نجاح آجل غيبى فى الآخرة، كما أنه يؤكد أهمية السعادة الدنيوية المباشرة. ولكنه فى جوهره ينطوى على رفض للمواضعات الاجتماعية وللحدود التاريخية، كما أنه ينطوى على رفض لفكرة التناقض التى هى عماد أية رؤية ثورية تاريخية. فالإيمان بالتناقض هو إيمان بحيوية الواقع وبمقدرة عقل الإنسان الخلاق على التفاعل معه وتخطيه. ويسرى هذا المنطق الفردوسى فى كثير من الرؤى البورجوازية الفلسفية وفى كل الرؤى العلمية الميكانيكية البسيطة التى تفترض أن الإنسان كمًّا محضًا لا يختلف عن الكائنات الطبيعية الآخرى وأنه يعكس بيئته بشكل مباشر وبسيط، وهى بذلك تنكر أن الإنسان كيفٌ مركبٌ فريدٌ أو أنه يصنع البيئة التاريخية التى تشكل وجدانه، وأنه بذلك يقف على طرف نقيض من الحيوانات التى تعيش فى البيئة الطبيعية خاضعة لقوانينها الحتمية. والحساسية الفردوسية تستند الى ميكانزمات الاقتصاد الصناعى الرأسمالى الذى يعتمد على فكرة التوازن الميكانيكى الدائم بين العرض والطلب، ولكن مما يسعر من حدتها فى الوقت الحالى ظهور المرحلة الاستهلاكية فى الرأسمالية التى تفترض وجود إنسان بسيط غير مركب عنده كم بسيط من الرغبات يمكن إشباعها، ولذا بدلًا من الحلم بالبراءة الأولى ومحاولة تنفيذها جزئيًّا فى الواقع ظهرت الرغبة المجنونة فى تحقيق الفردوس الأرضى الآن وهنا، وظهرت الدولة الاستهلاكية المنظمة التى تدعى أنها ستحقق كل الرغبات وتقضى على كل التوترات، واختفى مفهوم الممارسة الإنسانية الجماعية المسترشدة بحكمة التاريخ الواعية والخاضعة لقوانين المحاولة والخطأ.
وأعتقد أن ظهور العالم السوفييتى زخاروف يدل على أن التيار الفردوسى الرجعى ليس بمنأى عن الدولة الاشتراكية، فهذا العالم السوفييتى يطالب بتخطى الخلافات الأيديولوجية وبتوحيد جهود علماء العالم لإسعاد البشر كما لو كان علماء العالم عندهم الصيغة السحرية الفردوسية القادرة على شفاء كل الأمراض متناسيًا أن العلماء قد يعالجون تفصيلات الوجود المادى (الطبيعى) للإنسان، أما وجوده التاريخى المرتبط بقوانين التاريخ وبقضية العدالة والتنظيم الاجتماعى فهذا ما لا يمكن للعلم معالجته. إن العلم يتعامل مع عالم الطبيعة وحسب، وحينما يتعامل مع الإنسان فإنه يتعامل معه على أنه كائن طبيعى، أما الإنسان ككيان تاريخى مركب فهذا هو مجال الفلسفة والأيديولوجية.
وهذا التصور الفردوسى للإنسان ليس حكرًا على فلاسفة الرأسمالية والتكنولوجيا وإنما هو جزء من تصورات المواطنين فى الحضارات الصناعية فى الغرب، وقد عبر هذا المفهوم عن نفسه فى فكرة «التقدم» السريع والدائم نحو الفردوس العلمى المنظم الذى يعيش فيه الإنسان كالأطفال فى تناسق تام مع الطبيعة وكأنه آدم قبل السقوط وقبل أن يكتسب معرفة الخير والشر. فالتقدم العلمى أصبح هدفًا فى حد ذاته بغض النظر عن العائد المعرفى أو الإنسانى له وبغض النظر عن مقدار البؤس أو السعادة التى يجلبها للبشر.
وأصبحت مضاعفة الإنتاج أمرًا مرغوبًا فيه دون أى اعتبار لحاجات الإنسان الحقيقية (كما ظهرت عبر التاريخ) ودون أى احترام لإمكانيات البيئة الطبيعية، أى أن هدف الإنتاج لم يعد إشباع الرغبات الإنسانية وإنما أصبح هو ذاته الهدف والمثل الأعلى وهذا هو قمة الاغتراب. وتدور عجلة المصانع فى سرعة خرافية لتنتج سلعًا وأشياء لا يريدها الإنسان ولكنها فى دورانها تلوث البيئة بالأحماض والعادم الصناعى فتدمر الإنسان من الخارج، ثم تغرقه فى السلع والتفاصيل وتدمره من الداخل.
وقد كان منطق التقدم وبأى ثمن هو المنطق السائد حتى عهد قريب فى العالم الغربى، بل وفى العالم بأسره. ولكن يبدو أن مشكلة البيئة فى المجتمعات الصناعية قد بدأت فى التفاقم، ولذا ولأول مرة فى تاريخ التقدم فى الغرب يدخل عنصر كيفى عليها وبدأ المفكرون بل والمواطنون العاديون يتحدثون عن «تكاليف» التقدم وعن تلوث البيئة، وهل مجرد «انتاج» سلعة ما هو «تقدم»، أم أن التقدم والتخلف يقاسان بمقاييس تقع خارج نطاق الأشياء والكم وأنه لا يمكن استخلاص هذه المقاييس إلا من ظاهرة الإنسان نفسه ومن بيئته التاريخية ذاتها؟ وإذا كان الحديث عن تلوث البيئة (الطبيعة الخارجية) أصبح أمرًا شائعًا فى الغرب، فإن الحديث عن تدمير الإنسان (الطبيعة البشرية) سيصبح هو الآخر أمرًا مطروحًا عما قريب لا محالة.
وفى أثناء إقامتى فى الولايات المتحدة (١٩٦٣ ~ ١٩٦٩ ثم ١٩٧١) لاحظت أن هذا التيار الفردوسى المُعادى للتاريخ والأيديولوجيا الملتزم بفكرة التقدم العلمى بأى ثمن، هو البناء الكامن وراء كثير من الأفكار سواء بين أعضاء اليمين أو اليسار. وقد وجدت أنه قد يكون من المفيد أن أسجل انطباعاتى وأكتب دراساتى منطلقًا من إيمانى بالإنسان على أنه كائن طبيعى – تاريخى: كائن يحلم دائمًا بالفردوس لكنه يعيش فى التاريخ. وقد لاحظت أن الإنسان فى الولايات المتحدة يهرب من التاريخ ليعيش فى الفردوس، ولكن – وهذا هو ما خبرته – من يهرب من التاريخ ليعيش فى الفردوس ينتهى به الأمر إلى الحجيم، فالإنسان الذى يهرب من معرفة قانون الضرورة والذى يرفض فكرة الحدود التاريخية ليمرح فى فردوس اللاحدود سينتهى به الأمر فى عالم الصدفة العبثى الذى لا يحكمه قانون – والجحيم هو الصدفة والعبث – تمامًا مثل إنسان روسو الحر يتحول بالضرورة إلى إنسان داروين الذى تأكله الذئاب من الحيوانات الطبيعية أو من البشر الطبيعيين. إن الإنسان وجود جدلى: جسد وروح «اعمل لدنياك (وجسدك) كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك (وروحك) كأنك تموت غدًا». والمجتمعات الاستهلاكية التى تظن أنها قادرة على إشباع جميع رغبات الإنسان والتى تعرف هذه الرغبات بشكل كمى، مسقطة احتياجاته الروحية من الاعتبار، أقول هذه المجتمعات تتجاهل ازدواجية الإنسان وتسبب البؤس للبشر.
وقد كتبت هذه الدراسات وسجلت هذه الانطباعات حتى أنقل تجربتى للقارىء العربى، ويلاحظ أننى ركزت بعض الشىء على تشابه التجربة الأمريكية بالتجربة الإسرئيلية، كما تعرضت لتاريخ ووجود الأقلية اليهودية فى الولايات المتحدة. وقد شرحت فى عدة دراسات فى هذا الكتاب أسباب تركيزى على هذا الموضوع لكننى يمكننى أن أضيف هنا أن الديانة اليهودية حلولية تخلط بين المطلق والنسبى ولا تركز على فكرة البعث فى عالم آخر، وتزخر بأفكار مثل عودة الماشيح وآخرة الأيام، وهى أفكار تؤكد فكرة الفردوس الأرضى، أقول إن اليهودية بهذا تنمى فى تابعيها هذه الحساسية وتجعلهم مؤهلين أكثر من غيرهم لأن يتقبلوا قيم المجتمعات الاستهلاكية. وأنا لم أعرض لهذا الجانب من بناء اليهودية الفكرى فى الدراسة الحالية لأن هذا ليس مجاله، واكتفيت بعرض نتائجه. (ويمكن للقارئ الذى يريد الإلمام بالموضوع أن يعود لموسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية).
وأرجو ألا يفهم من دراستى أننى أقلل من القيمة الإنسانية والإيجابية للحضارة الغربية فأنا من يعترف بفضل هذه الحضارة على العالم ككل وعلىّ أنا كفرد. ولكننى اجتزأت خاصية سلبية أساسية فى الحضارة الأمريكية (والحضارة الاستهلاكية عامة) وهى معاداتها للتاريخ. وهذا الاجتزاء والتركيز على عنصر واحد دون سواه ضرورة دراسية وتكتيك منهجى مشروع، خاصة إذا كان هذا العنصر له دلالة ومركزية بالنسبة للظاهرة ذاتها وإذا كان له دلالة عميقة بالنسبة لنا فى الوقت ذاته.
ولقد قمت بمقارنة هذا العنصر فى الحضارة الأمريكية بنقيضتها العربية لا لأفاضل بين الحضارتين وإنما لأوضح للقارئ ما أعنى، وحتى تترسخ فى وجدانه نقط الخلاف الرئيسة بين نمطنا الحضارى والنمط الحضارى فى الغرب. ولعل إحساسنا بالاختلاف الذى قد يشعرنا بشىء من التفوق الإنسانى لا بد وأن يشعرنا أيضًا بكثير من النقص فى حضارتنا التى يغلها التاريخ وتقيدها التقاليد، والتى هى أحوج ما تكون للحلم بالفردوس وبالبراءة الأولى حتى يشعر الإنسان بجسده بعض الشىء ويشعر بنفسه ككيان منفصل. فإذا كانت الحضارة الأمريكية تحول الفرد إلى جزيرة «فردوسية» منغلقة على ذاتها، فالحضارة العربية تحوله إلى قطرة «تاريخية» فى المجتمع ليس لها حدود على الإطلاق. وهذا ما يمكن أن نتعلمه من أمريكا شريطة ألا نفقد هويتنا.
وأرجو ألا يُشتمّ من هذا الكتاب أننى معاد للعلم والتكنولوجيا، فأنا لست بهذه السذاجة، وأنا من المؤمنين أنه لا يمكن أن تقوم قائمة لأى حضارة عربية معاصرة إلا بأخذ مقولة العلم والتكنولوجيا فى الاعتبار، وأى بناء فكرى يتجاهل هذا العنصر هو بناء فى سذاجة النسق الدينى التقليدى الذى يحاول أن يتجاهل الجانب الطبيعى للإنسان، وهو أيضًا فى سذاجة النسق العلمى التجريبى الذى يحاول أن يتجاهل الجانب التاريخى أو الروحى للبشر. ولذلك فأنا أرى أنه لا بد من العلم، ولكن فى الوقت ذاته لا بد وأن يقف العلم عند حدوده لا يدعى لنفسه ما لا يملك. فزخاروف غير قادر على حل مشاكل مواجهة العالم الثالث للإمبريالية عن طريق اختراع صنف جديد من الصابون أو عن طريق إرسال إنسان إلى القمر أو عن طريق التوصل لأكثر المعادلات الرياضية تعقدًا، أى أننا يجب ألا نفاضل بين العقل والبطن بل ألا نقارن بينهما فهما ينتميان إلى مجالين منفصلين رغم اتصالهما.
وقد يقال إن مثل هذه الدعوة فى «المرحلة الراهنة» فيها خطورة لأننا فى مجتمع متخلف أحوج ما يكون للعلم والتكنولوجيا، وفى هذا المنطق شىء من الصدق، ولكن مع هذا لا بد وأن نستفيد من أخطاء الآخرين وقصورهم،ونحن أمامنا فرصة ذهبية في عالمنا العربى ولا داعى لتكرار أخطاء الآخرين، فمن يرتكب خطأ ما فإنه بطل مأسوى، أما من يرتكب أخطاء الآخرين فهو مهرج. لا داعى إذن للحديث عن العلم بشكل مجرد كما لو كان هو الذى سيحل مشاكلنا، لأنه لن يفعل، وإنما الذى سيحلها العثور على الصيغة الملائمة لنا، والتى عن طريقها سندخل العلم والتكنولوجيا على العالم العربى بتراثه التاريخى الإنسانى الرائع، دون أن نضحى بهذا التاريخ ونلقى به فى البحر كما يطلب منا البعض.
بهذه الأفكار عدت من الولايات المتحدة وكتبت هذه الانطباعات والدراسات[1].
الباب الأول
البرجماتية الأمريكية والبرجماتية التلمودية
1- صهيون الجديدة فى الولايات المتحدة وإسرائيل
لا يملك الدارس للوجدان الأمريكى والصهيونى إلا أن يلاحظ التشابه والتطابق بينهما على الرغم من أن الحضارة الأمريكية لا يزيد عمرها عن بضعة قرون بينما تتباهى الحضارة اليهودية الاسرائيلية بتاريخ قديم قدم الإنسان. ولعل أهم صفات التشابه بين الوجدانين أن كلاهما يرفض التاريخ بعناد وإصرار، أو على الأقل يحوله إلى أسطورة متناهية فى البساطة. وقد بدأ التاريخ الأمريكى حينما استقل البيوريتانيون سفنهم وهاجروا من أوروبا إلى العالم الجديد أى أرض الميعاد هربًا من المشاكل التى أثارها «التاريخ الأوروبى». والبيوريتانيون أو المتطهرون هم لفيف من البرتستانت المتطرفين الذين وجدوا أنه من العسير عليهم البقاء داخل الكنيسة الإنكليزية لأنها – حسب تصورهم – لم تبتعد بما فيه الكفاية عن النمط الكاثوليكى فى العبادة بما فيه من طقوس وتماثيل وزخاف، وطالبوا «بتطهير» العبادة المسيحية من كل هذه العناصر الداخيلة التى لم يأت لها ذكر فى العهد القديم أو الجديد. إن «العودة» للبساطة الأولى كانت الهدف الأسمى للمتطهرين الذين حاولوا تشييد مدينتهم الفاضلة (أو صهيون الجديدة كما كانوا يسمونها) حسب المثل والقواعد التى وضعها وطبقها المسيحيون الأوائل (ولم لا، أليسوا هم النخبة الصالحة التى ورثت رؤى العهد القديم والجديد؟). ولذا يمكننا القول إن الوجدان البيوريتانى يرفض التاريخ المسيحى كله، بل يرفض أية رؤية تاريخية على الإطلاق لأن العودة «للبساطة الأولى» (وهى نقطة سكون ميتافيزيقية غير متطورة أو متغيرة) تصبح واجب كل فرد فى كل زمان ومكان.
ولا يزال أثر هذا التصور البيوريتانى واضحًا على الوجدان الأمريكى، فالرفض الكامل للتاريخ يظهر بصورة متكررة فى الأعمال الأدبية والفنية الأمريكية مثل قصائد إميلى ديكنسون وأشعار والت ويتمان شاعر الديمقراطية الأمريكية فى القرن التاسع عشر الذى كان يرى أن كل تاريخ العالم لم يكن سوى هراء ووهم وأنه كان مجرد تمهيد لظهور أمريكا، وأن كل مآسى التاريخ تكتسب معنى وبعدًا جديدًا وتصبح ذات دلالة حينما يصل تاريخ البشرية إلى «نهايته» الأمريكية السعيدة، التى هى فى الوقت ذاته نقطة البداية الحقيقية للحياة الفردوسية الأمريكية، ولهذا السبب يطلب ويتمان فى شعره من المهاجرين الأوروبيين أو المواطنين الأمريكيين الجدد أن يلقوا من على كاهلهم عبء الحضارة الأوروبية ليبدأوا من جديد من نقطة الصفر، فى الأرض العذراء الجديدة، وفى الفردوس الأرضى الأمريكى.
وهذا التصور الفردوسى لأمريكا ليس قاصرًا على الأدباء والشعراء وحدهم، بل أنه فكرة لها فعاليتها فى الحياة اليومية الأمريكية، ففى برامج التلفزيون الأمريكى كثيرًا ما نجد أن الشخصيات المركبة الشريرة تحمل اسمًا أوروبيًّا واضحًا مثل فابريزى أو بلجارد أما الشخصيات البريئة الطيبة فهى عادة تحمل اسمًا أنجلوساكسونيًّا مثل جون أو سميث (وحبذا لو كان جون سميث)
والرفض البيوريتانى الأمريكى للتاريخ الأوربى يقابله الرفض الصهيونى الإسرائيلى للتاريخ اليهودى فى الدياسبورا (الشتات) فالصهاينة يرون أن الوجود اليهودى فى أى حضارة غير يهودية ظاهرة شاذة وعلامة على المرض الروحى، ولذلك فهم أيضًا يعودون «للبساطة الأولى» أيام كان اليهود يعيشون ككيان قومى مستقل فريد لم تدخل عليه الشوائب (التاريخية) غير اليهودية المختلفة. والصهاينة يرون أن التاريخ اليهودى يؤدى إلى النهاية الإسرائيلية السعيدة، وفى الفردوس اليهودى الجديد يحمل كل المواطنين أسماء عبرية لها رنين خاص (على عكس يهود الحركة الإصلاحية فى أوروبا الذين تخلوا عن أسماءهم العبرانية وسموا أنفسهم بأسماء أوروبية لا تميزهم عن الشعوب التى ينتمون إليها). إن أسطورة العالم الجديد الذى يتحلى بالبساطة والبراءة والذى هو أقرب إلى الفردوس الأرضى تسيطر على الوجدانين الأمريكى والصهيونى.
ولعل هذا يفسر نظرة كثير من الصهاينة والإسرائيليين إلى دولة إسرائيل على أنها كيان ميتافيزيقى يحقق نبؤات العهد القديم، وبالتالى فهى لا علاقة لها بالشرق الأوسط أو الأدنى أو الأقصى، وكما قال أحد محررى النيويورك تايمز إن على الإنسان أن يستوعب سفر أشعيا استيعابًا كامًلا ليفهم سياسة إسرائيل الخارجية! فمفهوم «أرتس إسرائيل» التوسعى أو «إسرائيل العظمى» التى تضم الأرض الواقعة بين نهر مصر والفرات هو مفهوم دينى (أو قل إذا شئت) لا علاقة له بالزمان أو المكان.
ولم يختلف فهم البيوريتان لمدينتهم الفاضلة كثيرًا عن فهم الصهاينة لإسرائيل فهم كانوا مقتنعين تمام الاقتناع أنهم إنما هاجروا من أوربا للعالم الجديد لينشئوا «مدينة على التل» تنظر إليها كل الأمم وتحاكى أفعالها وبذا يعم الخير ويأتى الخلاص.
وكان المفهوم البيوريتانى للتاريخ مفهمومًا دينيًّا ضيّقًّا يرى فى كل شىء علامة مرسلة من الله يستشهد بها على شىء ما، وكما هو الحال مع الإسرائيليين نجد أن البيوريتانيين استخدموا هذه «العلامات» الربانية فى كل أعمالهم العدوانية من إبادة للهنود الحمر واحتلال لأراضى الغير. وقد استمر هذا التزاوج بين الأحلام الدينية والأحلام القومية التوسعية حتى القرن التاسع عشر، فوالت ويتمان كان يؤمن بالفتوحات التوسعية الأمريكية (فى المكسيك وغيرها) بنفس إيمان المسيحى «بالسر الإلهى» على حد قوله، كما كان يحلم بأمريكا العظمى التى تمتد من كندا إلى كوبا ومن القطب إلى خط الاستواء، وكان يسمى حلمه التوسعى هذا بأنه «رؤيا عذبة»، أما أوسوليفان المفكر الأمريكى التوسعى فقد كان يسمى هذا التوسع بأنه «القدر الجلى»، وهو قدر لأنه مكتوب على الأمريكيين ذوى الرسالة الخالدة وهو جلى لأنه واضح للعيان ولا جدل فيه. بل أنه حتى الآن لا تعدم أن تجد من يستخدم هذه النغمة الدينية التبريرية مثل الكاردينال سبلمان الذى كان يسمى الجنود الأمريكيين فى فيتنام «جنود المسيح»، ومثل الجنرال الأمريكى الذى دمر قرية فيتنامية «كى ينقذها». إن الجنرال الأمريكى مثل الجنرال الإسرائيلى عنده إحساس بأنه صاحب رسالة خاصة وأنه قد «اختير» لتنفيذها، ولذلك فهو يقوم بالتخريب والتدمير والفتح والغزو والنهب فى منتهى البراءة ودون أن يهتز له جفن.
وعقلية الريادة تسيطر على كل من الصهاينة والأمريكيين، فالبيوريتانيون «اكتشفوا» أمريكا ثم انتشروا فيها عن طريق إنشاء مستعمرات ذات طابع زراعى عسكرى. والمستوطنون الصهاينة هم الآخرون «اكتشفوا» فلسطين واحتلوها بنفس الطريقة، وعقلية الرائد عقلية عملية تفضل الفعل على الفكر، والنتائج العملية على الاعتبارات الخلقية، إنها عقلية الكاوبوى (وهو شخصية تعشقها الجماهير الإسرائيلية التى تدمن الأفلام السينمائية من جميع الأنواع): الكاوبوى الذى ينتصر لأنه أطلق مسدسه فى الوقت المناسب وقبل خصمه بثوان قليلة، ثم يمسح فوهة مسدسه وهو يقبل عشيقته حتى لا يضيع وقته فيما لا يفيد، وقمة الفعل هو دائمًا ذبح الخصم «أنا أذبح (خصومى) لا كروسى يهودى أو فرنسى يهودى بل كيهودى يهودى، هذا هو مناى» (كما يقول أحد أبطال القصص الإسرائيلية)
ولعل نقطة التشابه الأساسية بين الوجدانين الأمريكى والصهيونى الإسرائيلى هو العنف العنصرى، فرفض التاريخ نتج عنه تعام عن الواقع وتجاهل لكل تفاصيله، ولذلك وقع البيوريتانيون والصهاينة فى تناقضات رؤياهم المثالية القبيحة، رؤيا عالم جديد برىء بسيط لا يمكن أن يشيد إلا عن طريق العنف والإبادة «إبادة الهنود الحمر والفلسطينيين»، الفردوس والجحيم فى آن واحد.
ولعل هذه المقطوعة الوصفية مفتاح لفهم نقط التلاقى بين الوجدانين الصهيونى والأمريكى. «كان الرجال يمسكون بالمحراث بإحدى أيديهم والبندقية بالأخرى، وكانوا يعدون من المحظوظين أن لم يتلف عدوهم المتوحش نتاج عملهم الشاق إما فى الحقول أو فى مخزن الغلال»
فى هذه المقطوعة تختلط الصور الفردوسية وصور الإخصاب بالصور الجهنمية وصور الدمار، فالرجال يحرثون الحقول وينقلون نتاج عملهم إلى مخازن الغلال، ولكن عدوهم المتوحش يقف لهم بالمرصاد كأنه الثعبان فى الجنة يدمر الثمار والحصاد لذا يمتزج المحراث بالسيف والزراعة بالحرب، وهذا يذكرنا بالكيبوتس وبمؤسسات إسرائيل الزراعية العسكرية. ولكن المقطوعة السابقة ليست وصفًا للكيبوتس بل هى مقتبسة من القصة المعنونة «دفن روجر ملفن» للكاتب الأمريكى ناثانيل هورثون (من كتاب القرن التاسع عشر الأمريكيين) وهى قصة تعالج حياة المستوطنين الأمريكيين الأوائل. وليس من قبيل المصادفة أن شعار «أرض بلا شعب وشعب بلا أرض» قد تبناه كل من البيوريتانيين والصهاينة، وليس من قبيل المصادفة أيضًا أن المجتمعين الإسرائيلى والأمريكى من أكثر المجتمعات عنصرية إن كان من ناحية الواقع الاقتصادى أو البنية الحضارية. وقد يكون مما له دلالته وطرافته، أن مؤسسى الجمهورية الأمريكية بعد إعلان الاستقلال قد فكروا فى جعل اللغة العبرية لغة الدولة الرسمية باعتبار أن الجمهورية الوليدة هى صهيون الجديدة، ولكن الاعتبارات العملية جعلتهم يعدلون عن تهيؤاتهم.
وقد يقول البعض إن مثل هذه المقارنة قد تكون طريفة ولكنها لا يمكن أن تؤخذ على محمل الجد وذلك بسبب الفروق الاقتصادية والجغرافية الواضحة بين البلدين، وفى هذا شىء من الصدق خاصة إذا حاولنا الوصول إلى نتائج تفصيلية استنادا إلى هذا التشابه الذى لاحظناه بين المجتمعين. ولكن فى الوقت ذاته يجب ألا نهمل الدروس العامة التى يمكن أن نستخلصها من دراستنا لتطور الحضارة الأمريكية، فمن المعروف أن هذه الحضارة لا تزال متأثرة إلى حد ما بالأوهام والأساطير والرؤى البيوريتانية على الرغم من مرور عدة قرون وعلى الرغم من التحولات العديدة التى طرأت على بيئة المجتمع الاقتصادية. وهناك ما يشبه الإجماع بين مؤرخى الحضارة الأمريكية، ومن بينهم عميدهم بيرى ميللر، على أن دراسة الحضارة الأمريكية دون استيعاب الوجدان البيوريتانى أمر غير مجد ولا طائل من ورائه لأنه لا يمكن الإحاطة إحاطة كاملة بجوهر هذه الحضارة وروحها دون الرجوع للإطار الأول الذى صاغه البيوريتانيون. إذا كان الأمر كذلك يمكننا أن نخلص إلى أن الأفكار الأسطورية الزائفة لها تأثير عميق على الوجدان الإنسانى وعلى سلوك البشر، وأن هذه الأفكار رغم زيفها قد تعمر طويلًا وقد تأخذ أشكالًا عديدة مما يدعونا إلى عدم التفاؤل بخصوص الجماهير الإسرائيلية ضحية الأساطير الصهيونية، فهى ستبقى أسيرة هذه الأساطير والرؤى بعض الوقت. ولذا يجب ألا نتوقع أن أزمة اقتصادية أو اثنتين أو أن انتصارًا فدائيًا أو اثنين سيزلزلان كيانها، بل ينبغى علينا أن نتوقع خوض حرب طويلة ومريرة عسكرية أو حضارية وذلك قبل أن يتحرر الإنسان الإسرائيلى من أوهامه الصهيونية الطوباوية وقبل أن يرضى بأن يعيش فى دولة علمانية غير عنصرية.
وعلى المستوى الإعلامى يجب أن نضع فى اعتبارنا أنه من اليسير على الشعب الأمريكى فهم العقلية الإسرائيلية والتعاطف مع الشعب الإسرائيلى وقيمه اللاأخلاقية من عنصرية وعنف نظرًا للتشابه بين وجدان الشعبين. وهذه النتيجة ليست فيها أية دعوة لليأس، وإنما هى مجرد تأكيد على عنصر موجود بالفعل، أن لم نعترف به هزمنا وتفشل خططنا أما اعترافنا به فيساعدنا على معرفة حدود ومدى أى حملة إعلامية نقوم بها. إن الشعب الأمريكى وقادته الذين تسيطر عليهم عقلية الرائد والكابوى لا يفهمون سوى منطق القوة ولا يحسون إلا بالنتائج العملية المباشرة، ولذلك فالإعلام الذى لا تسنده قوة أو وضع قائم بالفعل ما هو إلا دعوة للأخلاق الحميدة لا ينصت لها إلا ذوو النوايا الطبية، وحتى هؤلاء سينسونها وينسوننا بعد دقائق.
أما أنابيب البترول التى تحمل الأرباح الطائلة لأرض الميعاد الأمريكية فهى لا تنسى فى عالم الحق والبترول والفضيلة.
2- فابريكة الإنسان الجديد
من نقط التشابه الرئيسية بين المجتمعين الإسرائيلى والأمريكى أن كليهما مجتمع استيطانى يتكون من المهاجرين الذين عليهم أن يطرحوا على أنفسهم هويتهم القديمة ليكتسبوا هوية قومية جديدة بمجرد وصولهم إلى نيويورك أو حيفا. واكتساب الهوية الجديدة هو مشكلة المشاكل بالنسبة لكل المجتمعات الاستيطانية الرافضة للتاريخ وللتراث والتى تفبرك «تراثًا جديدًا» يدور حول أسطورة بسيطة يؤمن بها «الإنسان الجديد». فأمريكا استحدثت أسطورة «آدم الجديد الديمقراطى» الذى يأتى إلى الأرض أو الجنة العذراء ليقيم فيها ويستلهم كل ما فى التراث العالمى من إيجابيات وينفتح على كل الحضارات. والصهاينة فبركوا أسطورة «اليهودى الخالص» المتفتح على الحضارة اليهودية الخالصة والذى يهاجر إلى أرض الميعاد اليهودية ليحارب فى جيش يهودى ويزرع فى حقل يهودى ويقرأ فى كتاب يهودى (وربما يحب على الطريقة اليهودية، ويقتل بالطريقة نفسها)
ولكن هل نجحت الفابريكة الحضارية فى كل من إسرائيل وأمريكا؟ ومرة أخرى يمكننا أن نستخلص من دراستنا للوضع الحضارى فى أمريكا الدروس والعبر التى قد تهدى خطانا فى دراستنا للمجتمع الاسرائيلى. ونظرة واحدة على المشهد الأمريكى وعلى أسطورة بوتقة الصهر الحضارية، حيث ينصهر المهاجرون الجدد فى كلٍ أمريكى واحد جديد، نظرة واحدة تبين أن البوتقة لم تحقق المتوقع منها.
وقد ظلت هذه الأسطورة مسيطرة على الوجدان الأمريكى حتى عهد قريب طالما كانت السيادة «للواسب» (اختصار وايت أنجلوساكسون بروتستانت أى بروتستانتى أبيض ينحدر من أصل أنجلوساكسونى)، ولكن حينما بدأت الأقليات الأخرى فى التململ انهارت الأسطورة كلية. ويمكن القول إن الأسطورة لم تكن أبدًا حقيقة اقتصادية اجتماعية، وإنما كانت مفهومًا له فعالية عاطفية قوية، ولكن حتى هذه الفعالية العاطفية قد تلاشت إلى حد كبير فى الآونة الأخيرة. وقد بدأت الأسطورة فى التصدع العلنى بظهور دولة إسرائيل وانحسار التيار اليهودى الإصلاحى فى أمريكا، فحينما بدأت الحركة الصهيونية فى أواخر القرن التاسع عشر لاقت مناوءة عنيفة من اليهود الأمريكيين الذين كانت تسيطر عليهم آنئذ اليهودية الإصلاحية المطالبة بالفصل بين القومية والدين، وبتحويل الولاء اليهودى إلى ولاء دينى خالص. ولكن بازدياد الهجرة من شرق أوربا (وجماهير شرق أوربا اليهودية كانت ذات أصول بورجوازية صغيرة ونشأت فى مجتمعات متخلفة حضاريًّا كما كانت تسيطر عليه تيارات دينية رجعية محافظة). بازياد هذه الهجرة قويت شوكة الصهيونية واشتد عودها ووجدت مرتعًا خصبًا بين صفوف تلك الجماهير، ومن ثم بدأت محاصرتها للتيار الإصلاحى الذى انتهى به الأمر إلى تأييد ظهور إسرائيل تأييدًا فاترًا فى بداية الأمر ثم تأييدًا مهووسًا محمومًا على الطريقة الصهيونية التقليدية التى لا تعرف من الألوان إلا الأبيض والأسود ولا ترى أى ظلال أو أبعاد خفية.
وبعد سقوط الأقلية اليهودية الأمريكية فى قبضة الفكر الصهيونى عزف اليهود الأمريكيون نغمة جديدة تدور حول «فرادة الشخصية اليهودية» و«استقلالها» وحول وحدة الوجود اليهودى. واتضح هذا فى التعليم اليهودى فأصبحت المناهج الدراسية تؤكد عزلة اليهود واضطهادهم وتبين عنصر الاستمرار فى التاريخ اليهودى مما يحول الوجود اليهودى فى «الدياسبورا» إلى وجود هامشى، كما بينت هذه المناهج أهمية «حلم العودة» باعتباره القوة الدافعة وراء التاريخ اليهودى كله وباعتبار إسرائيل تتويجًا لهذا التاريخ، أى أن التعليم اليهودى في أمريكا كان يحاول تقوية الوعى اليهودى على حساب الوعى الأمريكى، بل أن ازدواج الولاء نفسه وجد من يدافع عنه بين الصهاينة على أنه مسألة طبيعية ومنطقية للغاية (وبالطبع كان هناك أصوات يهودية معارضة مثل الناقد الأدبى ليونيل تربلنج والعالم النفسى الشهير إريك فروم والحاخام إلمر برجر، ولكنها أصوات خافتة غير مسموعة، تمامًا مثل أصوات المفكرين اليهود المنتمين لليسار الجديد والذين يعارضون الوجود الإسرائيلى)
وحينما ظهرت حركات السود التحررية في الخمسينات أخذت في بداية الأمر خطًا ليبراليًّا يتفق مع أسطورة البوتقة، فطالب الزنوج بالمساواة الاقتصادية والسياسية كما حاولوا الاندماج فى المجتمع الأمريكى لأن التصور السائد آنذاك أنه «مجرد إنسان جلده أسود»، لا يختلف فى وعيه ولا وجدانه عن «الواسب» ولكن فى منتصف الستينات أعلنت جماعة سنك السوداء برنامجًا ثوريًّا جديدًا يرفض الاندماج كمثل أعلى ويطالب بالمساواة الاقتصادية والانفصال الحضارى والروحى فى نفس الوقت، وظهرت عبارات وشعارات جديدة مثل «القوة السوداء» أو «السواد الجميل» واختفى مصطلح نجرو (زنجى) ليحل محله مصطلحات جديدة مثل الأفروأمريكان (الأفريقى – الأمريكى) أو مجرد بلاك (أسود)، وهى مصطلحات تؤكد ازدواج الولاء، وأن انتماء السود الحضارى ليس انتماء أمريكيًّا خالصًا. وأخذت الأمور فى التطور وأعيدت كتابة تاريخ أمريكا من وجهة نظر «سوداء» وشاهدت الولايات المتحدة حركة لإحياء التراث الفكرى والأدبى لأمريكا السوداء ولاكتشاف أبطال سود من المناهضين للاندماج. وهذا الضرب من التفكير ينحو منحى «قوميًّا» يذكرنا بالاتجاه الصهيونى، فهو يدور حول فكرة أن الرجل الأسود رجل فريد وله وعى مستقل كما إنه يستند إلى الإيمان بوحدة الوجود الأفريقى. ولكن يجب أن نتذكر أن «عودة» الأفرو – أمريكان عودة روحية وحسب لأنه يتقبل وجوده كعضو فى المجتمع الأمريكى ويحاول أن ينمى ذاته الفريدة داخل هذا المجتمع وليس خارجه، على عكس التصور الصهيونى الذى يرفض أى وجود يهودى خارج أرض الميعاد.
ولأن هذا التفكير الأسود ينحو منحى قوميًّا، كان ولا بد وأن يصطدم بالفكر الصهيونى فى الولايات المتحدة، فالصهاينة يرون أن الفرادة حكر على اليهود دون الأغيار، وأن الاضطهاد الدائم والحقيقى موجه نحو اليهود وحدهم، هذا على الرغم من النجاح العلمى والحضارى المذهل الذى أحرزته الأقلية اليهودية فى الولايات المتحدة. وهذا يفسر لماذا تؤيد المنظمات الصهيونية واليهودية الجماعات الاندماجية بين السود، ولماذا تمدها بالمعونة المالية وتحجبها عن الجماعات الثورية الأمر الذى يسعر العداوة بين اليهود والثوريين السود. أضف إلى هذا أن مالكى المحلات والمنازل فى الأحياء السوداء عادة ما يكونون من اليهود لأن معظم هذه الأحياء كانت فى الماضى «جيتو» يهودى للمهاجرين اليهود الفقراء الذين فتح الله عليهم فى أرض الميعاد الأمريكية الحقيقية، فانتقلوا خارج الجيتو وإن ظلوا محتفظين بمحالهم التجارية ومنازلهم الخربة البالية التى يستأجرها السود نظير أجور عالية لأنه ليس من السهل عليهم السكنى فى أى مكان آخر. ومما يساعد على تعميق هذا الاتجاه أن رأس المال اليهودى بتراثه الجيتوى الطويل، واليهود المعاصرين بعقليتهم وخبرتهم الجيتوية ينجذبون إلى الأعمال والاستثمارات الهامشية فى المجتمع، وهى على أى حال الأعمال والاستثمارات الوحيدة المتاحة أمامهم فى مجتمع مستقر ومتكامل اقتصاديًّا مثل المجتمع الأمريكى.
لكل هذه الأسباب أصبح اليهودى هو العدو المباشر المرئى للجماهير السوداء المضطهدة فاضطرمت حدة الصراع بين أهم أقليتين عنصريتين فى الولايات المتحدة وزاد من وعيهما بذاتهما القومية، الأمر الذى نتج عنه التصدع الكامل للبوتقة إياها ومن هنا سرى الوعى العرقى بين الأقليات القومية الآخرى سريان النار فى الهشيم فتجد الآن جماعات للدفاع عن حقوق الإيطاليين (ويرأس الممثل فرانك سناترا إحداها) مهمتها الدفاع عن الأمريكيين المنحدرين من أصل إيطالى ومنع أى محاولة للتشهير بهم كجماعة قومية أو تشويه صورتهم، وقد نجحت بالفعل هذه الجماعات فى أن تضع حدًا لتصوير المواطن الأمريكى – الإيطالى فى التلفزيون الأمريكى على أنه شخص تافه لا ضمير له يهتم بمظهره أكثر من اللازم، وينتمى عادة إلى تنظيم المافيا الإجرامى. والأيرلنديون هم الآخرون بدأوا فى تجميع قواهم لتأييد جيش التحرير الأيرلندى، وقد قابلت أحد زملائى السابقين فى الجامعة فوجدته متحمسًا بشكل مضحك لهذا الجيش يرسل بكل مدخراته له، ويدرس التراث الأيرلندى واللغة الأيرلندية (الجاليك) بحماس يذكرنى بحماس الصهاينة تجاه كل ما هو يهودى، ويتحدث باحتقار شديد عن الكتاب والشعراء الأمريكيين – أقول بشكل مضحك لأن صديقى هذا لم يكن عنده أى اهتمام سياسى منذ ثلاث سنوات، كما أنه لم يكن حتى يفكر فى زيارة أرض ميعاده الأيرلندية.
حينما ذهبت إلى نيويورك عام ١٩٧١ لم أقابل بشرًا أو أفرادًا، كما لم أجد بوتقة أو آتونًا بل قابلت جماعات قومية متنافرة أو مواطنين حددت هويتهم بشكل قومى ضيق – فهم إما سود أو يهود أو أيرلنديون، لقد قابلت أفرادًا يبذلون قصارى جهدهم فى تحديد ذاتهم خارج الدائرة الحضارية الأمريكية، ويرفضون فكرة بوتقة الصهر التى يجلس بها الواسب وحيدًا ولكنه مع ذلك يمسك بكل حبال الاقتصاد الأمريكى ويصفر فى سعادة واضحة على الرغم من أحزانه القومية والحضارية، فهو لا يزال يمتلك كل الاحتكارات الأمريكية الأساسية كما أنه لا يزال المورد الرئيسى المعتمد لكل رؤساء الجمهورية.
وقد شاهدت عددًا من الأفلام الأمريكية الجديدة التى تلاحظ فيها هذه العنصرية الواضحة والتى تؤكد انتماء شخصياتها القومى، فهناك بالطبع الأفلام التى تؤكد فرادة اليهود مثل فيلم «عازف على السطوح» الذى يعالج الدائرتين: دائرة اليهود الصغيرة وهى هذه المرة جيتو ريفى فى روسيا تحيطها الدائرة الواسعة، دائرة الأغيار. واليهود داخل دائرتهم يعزفون الموسيقى ويتزوجون ويتناسلون فى سعادة واضحة وإن كان وجودهم المتناسق وجودًا مهددًا بالانهيار، ومن هنا كان العازف على السطوح هو رمز هذا الوجود. وحينما تظهر أول شخصية غير يهودية فى صورة جندى روسى، يقول نكتة معادية للسامية، فإننا نعرف على التو لم لا يمكن أن يكتب للوجود اليهودى الثبات والدوام. يرقص اليهود رقصات رومانتيكية إنسانية، أما الرقصات الروسية الشعبية فهى تبدو فى هذا الفيلم وكأنها إحدى رقصات الحرب، واليهود يقفون وسط دائرة الراقصين لا حول لهم ولا قوة، حتى قديسوا الكنسية الروسية، ذوو الوجوه البيزنطية النحيفة المستطيلة، هم أيضًا عيونهم قاسية لا رحمة فيها لليهود. ولكن الفيلم (عن عمد أو عن غير عمد) يبين عنصرية اليهود راسخة الجذور، فبطل الفيلم بائع اللبن اليهودى يغفر لاثنتين من بناته تزوجت إحداهما من خياط يهودى فقير مفضلة إياه على خطيبها الغنى، وتزوجت الأخرى بثورى يهودى بدون علم أبيها، يغفر لهما الأب لأن الزوج فى كلتا الحالتين يهودى يتحرك داخل الدائرة الصغيرة، أما الثالثة فلا غفران لها ولا صفح لأنها تزوجت من مسيحى. ورغم أن هذا المسيحى يعلن عن استنكاره للعنف الموجه ضد اليهود إلا أن هذا لا يغير من موقف الأب فى شىء، فالانتقال من الدائرة الصغيرة إلى الدائرة الكبيرة هو الموت بعينه (وبالفعل تقوم بعض العائلات اليهودية بمراسم الدفن لبناتها اللائى يتزوجن من فرد غير يهودى)
ومن الأفلام العنصرية الأخرى التى رأيتها فيلم «القط فريتز» وهو فيلم جميع شخصياته من الحيوانات ولكن من بين القطط التى تلعب الأدوار الرئيسية يوجد قط بروتستانتى وقط يهودى (كلمة قط فى العامية الأمريكية تعنى أيضًا رجل) وشاهدت أيضًا فيلم «بيتى سووب» الذى يحكى قصة استيلاء الزنوج على شركة إعلانات أمريكية والمفارقات التى تنتج عن ذلك، أما فيلم «شيئًا اللاتينى» فيحتفى بالأقلية البورتوريكية وتراثها الكاثوليكى اللاتين – أمريكى، وفيلم «مارجو» يسخر من الكنائس البروتستانتينية فى جنوب الولايات المتحدة. بل أن هذه العنصرية زحفت على أفلام الجنس التى تحاول معالجة عالم الجنس منفصلًا عن التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية، ففيلم «فيكسن» الذى يروى قصة امرأة شبقة لا يسلم منها أحد يظهر فيه زنجى ثورى وكندى ماركسى!
من كل ما تقدم يمكننا أن نخلص إلى أن الكل الأمريكى المتجانس لا وجود له، فهذا الإنسان الجديد البرىء من الشر والتاريخ والمعرفة لم يقدر له أن يخرج من البوتقة مبتسمًا كأنه فى إعلان تلفزيونى وخرج بدلا منه الصهيونى مزدوج الولاء، والأفروأمريكى حامل لواء قارته السوداء والمدفع الرشاش والأيرلندى الكاثوليكى الذى يرفع علم بلاده الأيرلندية، ويحاول التفوه ببضعة حروف من لغة بلاده الأصلية وكأن كل حرف يحمل رسالة ذات معنى عميق.
إذا كان هذا هو الحال مع الولايات المتحدة، فما هو الحال مع صهيون الجديدة الإسرائيلية، وهى صهيون لا يزيد عمرها الرسمى عن عشرين عاما تقريبًا ولا يزيد وجودها التاريخى عن ذلك كثيرًا؟ من المعروف أن ظاهرة التفتت القومى (التى يواجهها المجتمع الأمريكى الآن بصورة مخففة) هى أخشى ما يخشاه حكام إسرائيل وهى ظاهرة تطل برأسها فى فترات السلم النسبية التى تعيشها إسرائيل (مثل الفترة بين ٥٦ و١٩٦٧) وتعبر عن نفسها فيما يسمى بالأمتين الإسرائيليتين: إسرائيل اليهود الشرقيين وإسرائيل اليهود الغربيين. ولكن داخل كل «إسرائيل» يوجد جماعات قومية صغيرة لا تزال إلى حد ما مزدوجة الولاء، فالإسرائيليون المنحدرون من أصل ألمانى يكتشفون أنهم ألمان والإسرائيليون الفرنسيون فرنسيون مما يدل على أنهم لم يكتسبوا الهوية الإسرائيلية اليهودية الخالصة، وهذا يذكرنا بالفشل الذى لاقته بوتقة الصهر الأمريكية.
ولكن ثمة فروق أساسية بين البوتقتين، فالحصار الحضارى العربى المستمر يساعد الجماهير اليهودية المهاجرة إلى إسرائيل على الذوبان فى فابريكة الصهر الإسرائيلية خاصة وأن هذه الفابريكة ليست ديمقراطية أو ليبرالية أو تلقائية بل هى أمريكية واعية بذاتها تعمل حسب خطة وبرنامج محدد، كما أن عملية فبركة تراث يهودى خالص من تراث الدياسبورا المتنوع أمر أيسر كثيرًا من خلق تراث أمريكى من نقطة الصفر. ولعل بعث اللغة العبرية فى العصر الحديث من أهم الأدلة على أن بوتقة الصهر الإسرائيلية قد تصيب من النجاح ما لم تصبه أختها الأمريكية. ولكن مع ذلك يبقى عديد من الأسئلة التى تحتاج إلى إجابة: هل سيصاب المجتمع الإسرائيلى بمرض التفتت القومى أم أنه سينجح فى أن يظل جسمًا متماسكًا رغم أنه دخيل؟ وما هو الدور الذى تلعبه طبقة «الواسب» اليهودية فى إسرائيل، يهود شرق أوربا الذين يشغلون معظم القيادات الفكرية والسياسية والحزبية؟ هل سيندمجون فى المجتمع الإسرائيلى حتى يصبح له حركته المستقلة عن أوربا والغرب، أم أن بوتقة الصهر الإسرائيلى ستنتج مواطنين موزعى الولاء بين واقعهم الإسرائيلى ووطنهم الأصلى؟ وما هى إمكانيات الاستفادة من التناقض العرقى فى إسرائيل وهو تناقض له فعالية تفوق أحيانًا فاعلية التناقضات الاجتماعية والطبقية المختلفة؟
هذة هى بعض التساؤلات التى أثارتها رؤيتى للتفتت العرقى فى الولايات المتحدة، وهى تساؤلات قد يكون من المفيد أن يحاول بعض باحثينا الإجابة عنها.
3- لغة التعامل مع الواقع
حينما يتناول المصرى طعامه فهو يتناول وجبة ساهمت آلاف السنين من التاريخ المصرى فى طهوها، ولهذا السبب نحن لا نقدم الكوسة المسلوقة (والعياذ بالله) إلا للمرضى، أما الأصحاء فهم يأكلونها إما بالبشملة، أو محشية بالأرز أو اللحمة المفرومة أو كليهما، أو قد تقدم مطبوخة بالصلصة والسمن البلدى وهذا أضعف الإيمان. على العكس من هذا حينما يقرر المواطن الأمريكى تناول طعام العشاء (الوجبة الرئيسية فى الولايات المتحدة) فزوجته عادة ما تقدم له كمية لا بأس بها من البطاطس المسلوقة أو المقلية مع شريحة كبيرة من اللحم المشوى على الفحم (على طريقة أبائنا الأوائل)، أو المطبوخ على نيران البوتاجاز (دون الإخلال بالبنية البدائية لعملية الطهى)، فإذا أراد الأمريكى التنويع فإنه قد يأكل الهامبورجر وهو نوع من اللحم المفروم المحمر والمخلوط بالحد الأدنى من الخضراوات والتوابل وهو عادة يؤكل إما بالخبز أو البطاطس الحتمية. وحينما يسأم الأمريكى رتابة حياته الغذائية ويفكر فى تناول طعام جيد له مذاق خاص فهو عادة يتناول وجبة أجنبية (صينية أو فرنسية) نتاج تاريخ بلد آخر ولذلك فمن أيسر الأمور تناول طعام أجنبى بل وشراء مواده الخام فى أى مدينة أمريكية.
وأنا لا أبحث هنا عما إذا كان الأكل المصرى أفيد أو أصح من الأكل الأمريكى أم لا، وإنما أشير إلى طريقة «صنع» هذا الأكل وإلى أن الطريقة المصرية فى الطهو أكثر تركيبًا من الطريقة الأمريكية، وهذا ينطبق على الفول المدمس الشهير، الذى يترك على نار دافئة طوال الليل حتى ينضج ثم يضاف له بعد ذلك الزيت والملح والليمون.
وإذا ما نظرنا إلى علاقة الرجل بالمرأة وبالأسرة فى المجتمعين المصرى والأمريكى للاحظنا نفس الاختلاف، فالرجل الأمريكى حينما ينظر إلى امرأة فإنه يرى امرأة وحسب على قدر ما من الذكاء والحسن، فإذا أراد التعرف عليها فلا داعى للمؤامرات والمناورات والتلمحات، وإذا قرر الزواج منها فهو يتزوجها – إن هى وافقت – دون ضجيج أو صخب (ويطلقها بنفس البساطة). وهو عادة ما يذكر هذا الأمر لأسرته (الأب والأم والأخوة والأخوات، فالأعمام والأخوال وأولادهم ليسوا من الأسرة). وقد يدعوهم لحفل زفافه ولكن هذا لا يتم إلا من باب العلم بالشىء وحسب لأنه لا يبغى رضاهم ولا يخشى سخطهم، فعلاقته بأسرته قد انقطعت بعد بلوغه السادسة عشرة واقتصرت على المقابلات فى أعياد الكريسماس ثم تظل تضمر إلى أن تظل قاصرة على تبادل بطاقات المعايدة الخالية من أى محتوى إنسانى شخصى، فالرسالة المكتوبة على البطاقة عادة ما تكون مطبوعة، بمعنى أنها ليست رسالة شخصية تعبر عن علاقة خاصة وإنما هى إقرب إلى التقرير العائلى العاطفى. لقد أصبت بالغثيان حينما تسلمت تقريرًا عاطفيًّا عائليًّا من هذا النوع أرسله لى أحد أصدقائى يخبرنى فيه (ويخبر مائة شخص آخر) أنه وزوجته وأولاده يرفلون فى حلل السعادة وأنهم يخصوننى بالسلام! إن علاقات الأمريكى الاجتماعية من البساطة إلى درجة أنه يمكنه أن يكتفى بالتقرير بدلا من الخطاب الخاص التقليدى. وكم كنت أصاب بالذعر الشديد لرؤية هؤلاء الأمريكان «المرنون» وهم يودعون أمهاتهم وآبائهم فى بيوت العجزة، وهى بيوت شيدت لتسد حاجة نشأت فى المجتمع الأمريكى نتيجة لتفكك الأسرة الأمريكية. فعندما تبلغ سن الخامسة والخمسين فأنت لا تقطن مع ابن من ابنائك، كما أنك لا يمكنك أن تعيش فى منزل بمفردك لأنه سيكون مكلفًا وكبيرًا ولذا تنتقل إلى أحد هذه المنازل المزودة بكل وسائل الراحة العصرية من سرائر نظيفة إلى أجهزة تكييف هواء إلى أسطوانات إلى حجرات فسيحة تجلس فى إحداها لتنظر إلى التلفزيون بقية أيامك الأرضية (لقد تحقق الفردوس الذى هو فى صميمه جهنم السوداء)
أما المصرى فإنه حينما ينظر إلى امرأة فهو يرى امرأة ويرى طبقة اجتماعية وتاريخًا طويلًا، فإذا قرر التعرف على المرأة – الطبقة فيجب عليه أن يعرف خلفيتها العائلية لأن هذا سيحدد تكتيك وإستراتيجية الهجوم، وإذا قرر الزواج فالزواج لا يتم على سنة الله ورسوله وحسب بل حسبما تقتضيه الطقوس الاجتماعية من شبكة ومهر ومقابلات بين الأسر للتعارف والتباهى. وهذا المصرى بعد تزوجه يبقى على علاقته بأمه وأبيه وأخيه وبأم زوجته وأبيها وأخيها، وعلى الزوج والزوجة أن يقسما وقتيهما بالعدل والقسطاس فى زيارة الأقارب – أقاربها وأقاربه، والويل كل الويل لمن لا يبقى الموازين الدولية الدقيقة. فإن أراد المصرى أن يطلق – لا قدر الله – فإنه يكتشف أن الطلاق هو أبغض حلال عند الله وأن المجتمع لن يتركه وشأنه قبل أو بعد الطلاق، فرسل الصلح وفاعلو الخير ولله الحمد كثيرون، وحينما تهرم الأم أو الأب فأننا لا نرسلهما إلى أى فردوس أرضى (فهذه المؤسسة العلمية المعروفة باسم «بيوت العجزة» غير معروفة بعد فى مجتمعنا المتخلف)، بل على المصرى أن يبقى على علاقته بأبويه، يرسل لهما النقود ويحارب ضد زوجته التى ترى أنه يبالغ بعض الشىء فى كرمه، كما تحارب هى ضده حتى تبقى على علاقتها الوثيقة مع أمها (أى حماته المصرية الشهيرة) التى تنغص عليه عيشته دائمًا. إن الفرد المصرى لا وجود له خارج هذه الشبكة الهائلة من الطقوس الاجتماعية والقيم الدينية، فوجوده وجود اجتماعى تاريخى بالدرجة الأولى، ووجود فردى بالدرجة الثانية.
ولعل هذا البعد التاريخى للوعى المصرى هو ما يفسر ظاهرة غرام السيدات المصريات الزائد بالماكياج (بغض النظر عن انتمائهن الطبقى). فالماكياج هو محاولة للبعد عن البساطة الأولى، إنه ارتداء لقناع الفن فوق وجه الطبيعة وهو ضرب من الطقوس الاجتماعية التى تحول الظواهر البيولوجية إلى ظواهر اجتماعية وتاريخية وإنسانية. أما السيدات الأمريكيات فنادرًا ما يضعن هذه العطور والمساحيق الساحرة بهذاالسخاء، وإن وضعنها فذلك لا يتم إلا فى مناسبات خاصة جدًا (وليس لمجرد الذهاب لحضور المحاضرات فى الجامعة مثلًا). ولاحظت فى زيارتى الأخيرة أن ثمة ضيقًا شديدًا بالثياب من أى نوع، ورأيت فى الطرقات شبانًا وشابات يرتدون بالفعل الحد الأدنى من الملابس (الأمر الذى يذكرنا مرة أخرى بآبائنا الأوائل). فالتخفيف من الثياب فى أمريكا ليس الغرض منه إثارت الفتنة (كما هو الحال فى بعض الحضارات!) وإنما الغرض منه هو التبسيط، ولذلك فالمرء يفزع من منظر الفتيان والفتيات منكوشين الشعر المرتدين الهلاهيل والخرق.
وبحث المواطن الأمريكى العادى عن البساطة الأولى الطبيعية قبل تحولنا إلى مخلوقات اجتماعية تاريخية يتضح أيضًا فى كرهه العميق للمدينة وزحامها. وحينما كنت أذكر لأصدقائى أننى لا يمكننى أن أحيا إلا فى مدينة نيويورك أو على الأقل بالقرب منها كانوا لا يفهمون ما أعنى على درجة الدقة، فالحياة المثلى بالنسبة للأمريكى العادى هى الحياة بجوار الطبيعة أو «فى الريف» بهدوئه الفردوسى على حد قولهم. وعلى الرغم من أن هذا الأمريكى العادى يعيش عادة فى منزل من دورين تحيطه حديقة صغيرة محاطة بالسياج والأشجار، وعلى الرغم من أن مراكز الاستبضاع تبعد عادة عن مناطق السكنى بضعة كيلومترات (وهذا هو الجنون بعينه فى نظرى) إلا أن هذا الأمريكى العادى دائم التململ أو الشكوى من الزحام، لأنه يود أن يحيا بمفرده، مثل إنسان روسو الذى يعيش على الفطرة والطبيعة دون أن تفسده الحضارة والمدنية. وقد يقال إن الأمريكى العادى يود أن يحيا على الفطرة على أن يكون معه عربتان وثلاجة وغسالة أتوماتيكية وجهاز تسجيل وفتاحة علب كهربائية وفى هذا بعد عن الطبيعة. ولكن دخول هذه الأشياء لا يفسد بساطة حياته، فالتاريخ والمجتمع، وليس الآلات، هما اللذان يأتياننا بالخبرة التى يفسدها علينا فردوس البراءة الأولى.
وإذا قارنا سلوك الأمريكى بسلوك المصرى فى هذا المضمار للاحظنا مرة أخرى الفروق الواضحة، فطموح الإنسان المصرى يتلخص فى يقطن بالقرب من أهله وعشيرته وأسرته، ويا حبذا لو كان الجميع فى القاهرة فى قلب العروبة النابض!
ولأن الوجدان الأمريكى يمرح فى براءته الأولى غير مثقل بالتاريخ نجد أن الأمريكى لا يؤمن بأية مقدسات أو حرمات أو طقوس، فكل شىء بالنسبة له خاضع للبحث بل والتجزؤ، كأن الكل الحى يعادل جماع أجزائه الميتة. بل أن التاريخ نفسه (أو ما هو موجود منه) يتحول إلى شىء أو موضوع للتأمل أو إلى لحظات زمنية متتالية وليس كيانًا حيًّا مركبًا يمتزج فيه الحاضر بالماضى بالمستقبل، ولعل هذا يفسر ولع الأمريكيين بالتصنيف وتقسيم التاريخ إلى مراحل متمايزة أو خانات ضيقة. فالقرن العشرون يقسم إلى أوائل القرن ثم العشرينات الرومانتيكية فالثلاثينات الثورية فمرحلة الحرب العالمية الثانية فعصر أيزنهاور والمكارثية فعصر كاميلوت (بلاط الملك أرثر المشهور بجون كنيدى!)، بل إننى فوجئت فى زيارتى الأخيرة حينما شاهدت فيلم «القط فريتز» أن الفيلم يعالج أواخر الستينات وكأنها جزء من الماضى السحيق الذى انقطعت كل وشائج صلاته بالحاضر، عصر كانت تعيش فيه شخصيات يفترض الفيلم أنها مختلفة تمام الاختلاف عن شخصيات أوائل السبعينات! إن الوجدان الأمريكى هو حقًا وجدان الرفض للتاريخ والتراث بل وأى فكر مسبق عن الواقع، وجدان تسيطر عليه الفلسفة البرجماتية أو الذرائعية سيطرة كاملة.
وتنطلق هذه الفلسفة من افتراض أن العالم ليس فيه نظام واضح، إذ أنه شىء نسبى متغير (وهذه الفلسفة تذكيرنا بالسفسطائى القديم الذى كان يعلم الناس نظير مبلغ يدفعونه أن العالم فى حالة سيولة دائمة وأنك لا تستطيع أن تستحم فى نفس النهر مرتين). هذه السيولة التامة جعلت من المجتمع الأمريكى مجتمعًا علمانيًّا بمعنى الكلمة، لا تسيطر عليه أية آراء كلية عن طبيعة الإنسان والكون. وعلمانية المجتمع الأمريكى الكاملة وتحرره من الوعى الأخلاقى التاريخى جعلت العقل الأمريكى ديناميكيًّا إلى أقصى الحدود، متطلعًا إلى معرفة كل شىء بغض النظر عن الاعتبارات الخلقية أو الجمالية أو حتى النتائج العملية أو الإنسانية لهذه المعرفة. وعلى سبيل المثال كتب مؤلف أمريكى دراسة عن «حسابات» جورج واشنطن، مؤسس الدولة الأمريكية ليبثت أنه كان مختلسًا، وكنت أعرف صديقًا ماركسيًّا يكتب كتابًا عن حياة فلاديمير إليتش الجنسية وصديقة تكتب بحثًا عن الشذوذ الجنسى بين البلاشفة، وصديقًا ثالثًا يكتب عن عدد صور الدم فى المسرحيات الشعرية الإنجليزية فى القرن السابع عشر. وقد يكون من المفيد أن نعرف إن كان واشنطن مختلسًا أم لا، وإن كانت حياة فلاديمير إليتش الجنسية سوية أم لا، ومدى شيوع الشذوذ الجنسى بين البلاشفة وصور الدم فى المسرحيات الشعرية الإنجليزية فى القرن السابع عشر، ولكن كل الاستناجات التى سنصل إليها مجرد تفاصيل مبعثرة إن لم توضع داخل إطار تاريخى فلسفى شامل.
ولكن الأمريكى لا يشغل باله بهذه الأفكار لأنه لا يجب أن يصدع رأسه بالتفكير فى الحقيقة، وإنما يحاول دائمًا أن يفعل ما يريد وما تميله عليه الاعتبارات النفسية الذاتية أو العملية المباشرة («اعرف نفسك» كان هذا هو شعار سقراط والفلسفة القديمة، أما إمرسون الكاتب البورجوازى الأمريكى وجرى هوفمان زعيم الهيبى فهما يناديان بفعل الشىء الذى يرضيك – فتحقيق الذات وليس معرفة الذات هو الخير الأسمى)
إن المجتمع الأمريكى مجتمع ذرائعى لا يشغل نفسه بالحقيقة النسبية التاريخية ولا يبحث إلا عما يزيد من راحته وهنائه الماديين، والباحث عن الحقيقة سيجدها فى كل ما يزيد الانتاج وما يثبت كفاءته بغض النظر عن قيمته الإنسانية، وهذا تعريف كمى للحقيقة يحولها إلى حكم يمكن تجزئته وقياسه، وهو تعريف «ديمقراطى» لأنه يساوى بين كل الأشياء وينفى كل تدرج فى عالم المعرفة والقيمة، فليس هناك أعلى ولا أسفل، ولا يمين ولا يسار، والماديات تساوى المعنويات، والروح تساوى الجسد، والجميل لا يختلف عن القبيح، والجاهل لا يختلف فى عمله وحكمته عن العالم، فالمعيار الوحيد هو النجاح. ويتغنى ويتمان بالذات الأمريكية الديموقراطية بهذه المساواة قائلًا:
أنا شاعر الجسد وأنا شاعر الروح،
ملذات الفردوس معى وآلام الجحيم معى.
إنه لا يفرق بين الموت والحياة أو حتى بين الإنسان والحيوان لأنه حينما ينظر إلى الحيوانات فهو يرى أن نفس القانون يسرى عليه وعليهم، وهذا هو منتهى المساواة الكونية!
ولكن رغم كل هذه «الديمقراطية» فإن الدارس للحياة السياسية الأمريكية يلاحظ أنها تسودها روح من المحافظة والرجعية، فاليسار الأمريكى، رغم نشاطه لا يزال وافقًا على الهامش سجين أسوار الجامعات، أما الحياة السياسية الحقيقية فيسيطر عليها حزبان ليس لهما برنامج سياسى واضح ولايختلف الواحد عن الآخر اختلافًا ذا بال، هذا عكس الحياة السياسية فى البلاد الرأسمالية الغربية حيث أن اليسار قوى نسبيًا له وزنه الذى يحسب له حساب كما هو الحال فى إيطاليا وفرنسا، وفى بلاد تتسم بالتنوع الحزبى كما هو الحال فى إنجلترا وألمانيا الغربية.
وتتضح رجعية الحياة الحضارية الأمريكية فى موقف الكنائس التى لا تزال مواقع ارتكاز لليمين الأمريكى، خاصة كنائس الجنوب، بينما نجد أن ثمة حوارًا دائرًا بين بعض الفرق المسيحية فى أوروبا وبعض المفكرين الماركسيين. وقبل الستينات كان من المستحيل تقريبًا أن تجد أستاذًا جامعيًا فى أمريكا يعتنق الفكر الماركسى علانية، وأذكر أنه عام ١٩٦٤ حينما كنت أدرس للدكتوراه فى جامعة رتجرز أن ألقى البروفسور جينوفيزى أستاذ التاريخ الأمريكى محاضرة استنكر فيها التدخل الأمريكى فى فيتنام، فقطع برلمان الولاية كل المعونات المالية عن الجامعة التى اضطرت إلى إنهاء عقده على أثر ذلك (ولكن يجب أن أشير إلى أننى لاحظت فى زيارتى الأخيرة أن عدد الأساتذة اليساريين الذين يشغلون وظائف دائمة قد زاد بشكل ملحوظ، ولكن هذا لا يغير من الصورة العامة للمجتمع الأمريكى)
فما هو سر هذا التناقض بين العلمانية والديمقراطية من جهة، والرجعية والمحافظة من جهة أخرى؟ أعتقد أنه من الممكن فهم هذا التناقض إذا ما تفحصنا الرؤية البرجماتية ذاتها، فالرؤية البرجماتية بجعلها «النجاح» المعيار الوحيد على أى شىء وبإلغائها التاريخ والتراث جعلت الحقيقة الوحيدة المقبولة، الحقيقة السائدة أو الحقيقة التى تسهل لنا التعامل مع الواقع كما هو وليس كما ينبغى أن يكون، وهى لهذا رؤية محافظة مغالية فى المحافظة. أما الرؤية الثورية فهى على العكس من ذلك لا بد وأن تطرح تصورًا جديدًا للواقع مخالفًا لما هو قائم، وإلا ففيم ثوريتها؟ هذا التصور يستند إلى تحليل علمى للواقع وللتاريخ ولكنه فى الوقت ذاته يجب أن يتخطاهما، لأن الفكر الثورى يحاول أن يزود المجتمع بإطار جديد يسمح للإنسان بأن يحقق إمكانياته بشكل أفضل. فالمنطق الثورى يفترض دائمًا وجود تناقض جدلى بينما هو كائن وما ينبغى أن يكون. فالقديم يحتوى جرثومة فنائه التى هى نفسها بذرة الميلاد الجديد، والعقل الإنسانى الواعى الخلاق يحتوى الواقع والأشياء ويتخطاهما. هذا الجدل قد صفى تمامًا فى إطار الفكر البرجماتى وحل محله جدل دائرى زائف تسيطر فيه الأشياء والماديات المصمتة على عقل الإنسان، فالمطلوب فى الإطار البرجماتى الضيق أن يتعامل المرء بنجاح مع الواقع. ولكن التعامل مع الواقع المادى بالشروط التى يميلها هذا الواقع لا يؤدى إلى تحولات راديكالية وإنما ينجم عنه تقدم أو تمدد أفقى كمى دائرى لا تختلف فيه نقطة البداية عن نقطة النهاية. إن البرجماتية رؤية مادية لا روح ولا حياة فيها، فهى تفترض خضوع عقل الإنسان للأشياء وحدودها ولا تسمح لهذا العقل بتخطيها وتفترض عدم وجود ذات إنسانية مركبة تحمل عبء وعيها التاريخى فى مقابل موضوع يكتسب فحواه ودلالته من الإدراك الإنسانى المركب له، وإنما يوجد شىء يخشع أمامه الإنسان فى صمت كأنه أمام وثن أو صنم.
ومن أصدق الأدلة على فشل الرؤية البرجماتية ورجعيتها حرب فيتنام، فرجال الحرب الأمريكيين فى البنتاجون عندهم أدق عقول إلكترونية فى العالم (أو أدق آلات حاسبة إلكترونية لأن العقل من هبات الله للإنسان)، كما أن لديهم تفاصيل تخص كل كبيرة وصغيرة فى فيتنام وجنوب شرق أسيا. وهم يغذون الحاسب الإلكترونى بهذه التفاصيل فليفظ لهم نتيجته العلمية الآلية بسرعة باهرة. استمروا فى الحرب فاحتمالات النجاح أعلى من احتمالات الفشل. فتتحرك آلة الحرب الضخمة وتدك القرى الفيتنامية فى دقة آلية متناهية وحماس برجماتى شديد، ولكن الأرنب لا يخرج من القبعة ولا يتحقق الفردوس ويظل النجاح فى فيتنام حلمًا يعذب الوجدان الأمريكى. إن ما ينقص الكومبيوتر هو ما ينقص البرجماتية، أعنى الرؤية التاريخية الشاملة، وهى رؤية لا يمكن إلا للعقل البشرى الواعى الخلاق الوصول إليها، فهو وحده القادر على إدراك الرؤى المركبة والمختلفة كيفيًّا عما هو كائن. هذه الرؤى التى يسرى فيها نبض التاريخ والحياة تختلف اختلافًا جوهريًّا عن الأجزاء المفتتة الميتة التى يلتهمها الكومبيوتر فى نهم وشراهة، وهى رؤى تساعد الإنسان على الانسلاخ عن واقعه المباشر المبعثر وعن الحركة الدائرة المتكررة التى لا معنى لها، حركة عالم السلع والإصنام.
4- فلسفة الكاوبوى والحالوتس:
دراسة فى العنف البرجماتى
كان أستاذى البروفسور دافيد وايمر يطلب منى دائمًا أن أقرأ أعمال الفيلسوف وليام جيمس، فيلسوف البرجماتية الأمريكية. وحينما ذهبت فى عام ١٩٧١ أعطانى مختارات من كتاباته كى أقرأها. ولكنها كانت مفاجأة لى أن أجد أن العالم الذى انتقى المختارات وقدم لها هو هوارس ماير كالن تلميذ وليم جميس والمفكر الصيهونى مؤلف كتاب (Utopians At Bay) فقررت على التو أن أقرأ كلا من المختارات والكتاب كى أدرس كيف يفكر البرجماتى الصهيونى وكيف يدرك الواقع. وتعاملى مع البرجماتية لم يبدأ من خلال صفحات الكتب، وإنما فى فناء جامعة كولومبيا عام ١٩٦٣ حينما كنت أجلس ذات مرة بمفردى أمام المكتبة تحت تمثال الألما ماتر وإذا بفتاة تأتى وتحيينى وتسألنى عن جنسيتى فأخبرتها عربى مصرى، فابتسمت وقالت إنها خمنت ذلك من البداية، فسألتها عن جنسيتها فأخبرتنى أنها يهودية، ودهشت لأنها أخبرتنى عن دينها وليس عن جنسيتها. ثم استمر الحديث إلى أن وصلنا بطبيعة الحال للمسألة الفلسطينية واللاجئين، وساعتها كان تحفظى إزاء إسرائيل ليس تحفظًا سياسيًّا (باعتبار أنها قاعدة للإمبريالية) وإنما أخلاقيًّا (باعتبار أنها الدولة التى طردت الفلسطنيين) ولذا أخبرتها أنه يمكن حل المشكلة بإعادة اللاجئين لديارهم، ففوجئت بثلما شنكل تتحدث عن تخلف العرب العلمى والتكنولوجى وأنه لذلك لا أحقية لهم فى فلسطين. لقد سقط الحق التاريخى والإنسانى فجأة وحل محله فكرة السلاح والبقاء للأصلح. وبعدها أينما سرت وأينما تحدثت عن فلسطين، كان هذا الشعب الأمريكى البرجماتى لا يتحدث إلا عن فوهة المسدس ومن أسرع من من؟ ومن قتل قبل من؟ حقًا هذا زمن الحق الضائع كما يقول الشاعر المصرى.
لكل هذا ترتبط البرجماتية فى ذهنى بالعنف الذى لا عقل له، وحينما قرأت فى كتاب المختارات، تحققت من أن فلسفة جميس رغم غطائها الإنسانى المرن البراق تخفى الحد الأقصى من العنف. والفلسفة البرجماتية اشتقت اسمها من الكلمة الإغريقية «براجما» أى فعل، فهى فلسفة تدعى أنها تدرس السلوك الإنسانى دون أوهام نظرية عن التاريخ أو الحقيقة وأنها تشجع الفعل وتقلل من أهمية التنظير، ويبدأ هذا الفيلسوف الرقيق المؤمن بالفعل بطرح التقاليد جانبًا – التقاليد الخاصة بطرق التفكير وعادات الحياة، وذلك حتى يؤكد استقلالية الفرد وحقه فى أن يحرز النجاح ودرجة التميز والامتياز التى تقع داخل مجاله، حسب تصوره، وبالطريقة التى تناسبه وبجهوده الخاصة، وحسب درجة المخاطر الذى يخوضها أثناء صراعه الذى لا نهاية له فى أن يعيش فى هذا العالم المتغير الذى لم يخلق من أجله، هذا العالم الذى لا ضمان فيه لأى شىء. وكان جميس يؤكد فى مذكراته وأحاديثه أنه سيقوم بأداء واجبه مؤملًا أن الأشياء الخارجية هى الأخرى ستقوم بأداء واجبها حتى يعم التناسق. ولكن دون أى ضمان أنها ستفعل، وغياب الضمان، حسب تصوره، هو جوهر التجربة الإنسانية الحقة، إذ لا بد وأن ينطوى موقف الإنسان فى الحياة على عنصر من التوتر النشط.
هذا عالم تحفه المخاطر إذن، لا قوانين فيه ولا روابط، وهنا تبرز أهمية الإرادة الفردية المتحررة من أية قيود أو أغلال. فالحقيقة هى ما تعرفه أنت عن الواقع، والحياة اليومية نراها ونلمسها ونشمها ونتذوقها والتى نكافح ضدها ونعمل معها ليست سوى تجربتنا لها. بل أن الأمر لهو أعمق ذاتية من هذا، فنحن، حسب تصور جميس، لو آمنا بفكرة ما لأننا شئنا ذلك، فهذا ليس بالضرورة خداعًا فالواقع هو رؤيتى وقناعتى (وتزعم البرجماتية أنها فلسفة عملية واقعية) وما العالم سوى تيار من التغير الذى لا نهاية له، ونحن الذين نقرر هذا أو ذاك. والمعرفة، كل المعرفة، حسب هذه الفلسفة نسبية وذاتية لا وجود لها خارج أذهاننا، والحقيقة ليست شيئًا موجودًا فى الأفكار والرؤى ذاتها وإنما هى شىء يحدث لها أثناء استخدامنا إياها فى المواقف العملية المختلفة، وبذا يصبح الإنسان حرًا فى أن يصدق أو لا يصدق أى شىء طالما أن تصديقه أو عدم تصديقه لا يتناقض مع تجربته ومعرفته العملتين (وهما مختلفتان اختلافًا بينًا عن وعيه الاجتماعى التاريخى)
أما القيم الإنسانية العالمية الشاملة التى تتسم بشىء من الثبات فهى فى الواقع قيم اتفقنا نحن وضعيًّا على أنها عالمية وشاملة، بينما هى فى حقيقة الأمر ليست كذلك، فكل شىء نسبى متغير والشىء الحقيقى ليس هو الشىء العقلانى (المطلق) كما يقول هيجل، وليس هو ما يتفق مع القيم الأخلاقية والدينية كما تقول معظم الأديان السماوية، وليس هو ما تعبر عنه القوى الكامنة الوليدة داخل المجتمع الإنسانى كما ينادى ماركس وإنما الحقيقى هو ما ينجح. إن أى شىء ينجح فى أن يحرز مكانة خاصة به وفى أن يفرض نفسه على تيار التغير تصبح مكانته قائمة وثابتة، فالطبيعة تلد كل شىء ولا تتحيز لأى شىء، ولا يوجد أى شىء أحق من أى شىء آخر أو فضيلة أهم من فضيلة أو رذيلة أخرى. كل شىء لا يزال فى دور التكوين، والتغير والنمو هما سمة كل شىء سواء فى حياة الإنسان أو فى الشىء العابر الذى لا يعيش إلا لعدة ثوان. وليست الطبيعة الخارجية وحدها هى المتغيرة والمتقبلة، فالطبيعة الإنسانية هى الأخرى ليست أقل تغيرًا ... الخير والحقيقة والجمال والعقلانية ليست أمورًا أساسية، فهى ليست أمورًا معطاة وإنما هى مرتبطة بالنتائج، بل أنها أمور تظهر فى النهاية بعد أن نكون مارسنا ما أردنا ممارسته.
على قمة هذا التغير الدائم وعلى قمة هذه الحرية الكاملة يقف «العبقرى». ويميز الفيلسوف البرجماتى بين البشر والعباقرة، فبينما يقوم المجتمع بصناعة الأفراد العاديين، عليه تقبل العباقرة «كمعطى» – تمامًا كما يتقبل داروين «الطفرات» فى الطبيعة، فهى ليست جزءًا من التطور العادى. وحتى إذا كانت مرتبطة بها نابعة منها فهى على الأقل مرحلة مختلفة كيفيًّا عن بقية المراحل التى سبقتها. وعلاقة العبقرى بالبيئة تكاد تكون علاقة غير جدلية فهو بمثابة الخميرة التى تقوم بتغيير البيئة – تمامًا كما يغير وصول نوع طبيعى جديد التربة الطبيعية ويغير اتزانها النباتى والحيوانى.
إن العبقرى هو الحجر الصلب الوحيد الذى يقف أمام التيار المتغير، بل أن العباقرة يعيدون تنغيم العلاقات الاجتماعية السائدة على نطاق كبير أو صغير، «وثروة الأمم» ليس فى كفاح جماهيرها ضد الطبيعة ولا حتى في البيئة الطبيعية ذاتها وإنما «هو عباقرتها»
هذا العالم البرجماتى الهادئ العملى، إن هو إلا عالم نيتشوى داروينى يمور بالتغير الذى يعمى الأبصار ويجرف كل شىء فى طريقه إلا العبقرى – إنه ولا شك عالم البقاء للأكثر عبقرية أو للأصلح. ونحن لا نبالغ إذا قلنا إن هذا هو جوهر رؤية جيمس للإنسان، فحسب تصوره، الإنسان هو الحيوان الوحيد الذى يفترس أبناء نوعه، إذ أن الإنسان قد تكيف وإلى الأبد مع حالة الحرب ولا يمكن لسنوات السلام مهما طالت أن تمحو من الوجدان الإنسانى الرغبة فى الحرب. (لقد ولدنا كلنا لنحارب)، بل أن الحرب هى الطبيعة البشرية فى ذروتها. والمجتمع سيصاب حتمًا بالعفن دونها، دون ذلك (البذل الصوفى للدم) كما يسميه جيمس، وما سمو العقل بين سائر البشر إلا نتيجة الرغبة فى السيطرة، أن تذبح الآخرين أو تذبح. يا إلهى! ماذا حدث للهدوء البرجماتى المرن العملى – والذى يتباهى به البرجماتيون ويتفاخرون؟ لقد ظهر نيتشه وداروين (والسفك الصوفى للدماء)، نعم (الصوفى) فى كتابات البرجماتى، كما لو كنا فى عالم بدائى رهيب – عالم روسو بعد أن سقطت أقنعته المتحضرة. نقول نيتشه وداروين ولكن فى تصورى أن داروين هو البنية الكامنة الحقيقية والتعبير الفلسفى عن رؤية نيتشه وجيمس، فداروين، أو لكى نتوخى الدقة، الداروينيون، حينما ينظرون إلى ظاهرة الإنسان، فهم لا يضفون عليها أى خصوصية، وإنما يرون الإنسان على أنه كائن طبيعى تنطبق عليه كل القوانين الطبيعية، شأنه فى هذا شأن أى كائن آخر دون أى تمييز خلقى أو تاريخى أو جمالى – والقانون الذى يحكم الجميع هو قانون «البقاء للأصلح». وقد ورث نيتشه هذا المفهوم وطوره وجعله أساس تطور المجتمع الإنسانى وليس الوجود الطبيعى وحسب.
وجيمس ينتمى لهذا النمط من المفكرين البورجوازيين الذين يضعون الإنسان أمام خلفية طبيعية، مسقطين الخلفية التاريخية تمامًا، أو إذا أبقوها فهى تظل على مستوى الحد الأدنى أو القشرة، أو من قبيل الديكور وليس إلا. ونحن إذا استعرضنا آراءه التى عرضنا لها من قبل لوجدنا إن الخط الرئيسى فيها هو نزع الإنسان من سياقه التاريخى. فهذا الإنسان الذى يعيش فى خطر فى عالم دائم التغير، لا ضمان فيه، هذا الفرد الذى يفعل ما يشاء والذى لا يعرف إلا ما يجرب والذى لا يوجد داخل نسق متكامل من القيم والافتراضات والذى يتطور حسب قوانين تشبه قانون تطور الطبيعة من مساواة عمياء بين كل الأفراد إلى طفرات كيفية تفرق بينهم، هذا الفرد هو ولا شك إنسان الطبيعة، الذى لا توجد أية قيود عليه، ولكنه فى الوقت ذاته لا يمارس أية حريات لأنه يعيش فى عالم الصدفة – والحرية المطلقة والصدفة هما نفس الشىء. هذا الاستقطاب الحاد لا يحمسه إلا شىء واحد، العنف – البقاء للأصلح – المسدس – الردع التكنولوجى – أسعار البورصة أو العبقرى كمعطى طبيعى ... إلخ ... إلخ.
فى داخل هذا الإطار الفلسفى لا بد وأن ينشأ نمط إنسانى يجسد هذه الفضائل أو هذه الرذائل أو هذه الصفات التى لا هى بالفضائل ولا بالرذائل لأنها قانون طبيعى يعلو على الخير والشر إن أردنا استخدام المصطلح النيتشوى. وهذه الشخصية فى كتابات جيمس هى الرائد الأمريكى أو الكابوى المؤمن بمقدراته الخارقة للعادة على إخضاع أى شىء وعلى غزو البرية العذراء (ونلاحظ الخلفية الطبيعية لسلوك الرائد فهو يتحرك دائمًا خارج التاريخ أو على هامشه)
ويؤكد كالن محرر مختارات جيمس وتلميذه الصهيونى أن موقف جيمس من الواقع بل من الوجود الأمريكى ككل يشبه موقف الرائد الأمريكى من عدة وجوه، فالشعب الأمريكى يستجيب للواقع استجابة حرة لم تقررها من قبل عادات اجتماعية أو أية عادات خاصة استجلبوها من أوروبا معهم، فهم قد طرحوا هذا التاريخ جانبًا ليدخلوا فى علاقة مع عالم لم يسبق له مثيل، عالم محفوف بالمخاطر ولا يمكن التنبؤ به. الدخول فى تجربة لا تعرف نتائجها مقدما – هذا هو جوهر تجربة الرجل الأبيض فى أمريكا. إن الرجل الأبيض فى أمريكا هو الرجل البرجماتى بالدرجة الأولى والسوبرمان الحق والكابوى الذى لا يهاب شيئًا ويبنى بيته بجوار البركان، كما يخاطر بكل شىء فيفقد كل شىء أو يربح كل شىء – الصدفة والحرية المطلقة مرة أخرى (وليس الحرية النسبية المقيدة من خلال معرفة قانون الضرورة)
ولكننا لو تعمقنا قليلًا فى هذه البنية الداروينية النيتشوية لنصل إلى أساسها الاقتصادى لوصلنا إلى شخصية التاجر، فالرائد هو التاجر الأعظم الذى يتاجر بكل شىء ويخاطر بكل شىء حتى حياته وجسده. بل إنه يكاد يقترب من العاهرة فى هذا، فالعاهرة هى الإنسان – السلعة التى تصل إلى منتهى التموضع والانحراف الكامل عن الذات الإنسانية حيث يدخل الإنسان فى علاقة موضوعية كاملة مع الآخرين ليس فيها خير ولا شر، ويكون هو نفسه (الذات الخلاقة) الموضوع الذى يستهلك، وتكون الذات الأخرى موضوعًا آخر، باعتبار أنه مصدر للمال وحسب. الرائد يترك تاريخه وتراثه وقيمه وأسرته ويحمل مسدسه وجسده ليدخل فى صراع مع الآخرين يكون هو الصائد أو الفريسة. وفى هذا الإطار يمكننا أن نفهم الجوهر الرأسمالى الكامن وراء عبارات برجماتية نشطة مثل «المخاطرة»، «الممارسة الحرة»، «عالم بلا ضمان»، «الصدفة»، «الحرية الكاملة»، «مشروع لا تعرف نتائجه مقدمًا».
ولعل الفارق الوحيد بين الرائد والعاهرة، يكمن فى أن الأول يحمل مسدسًا ويرتدى ملابسه (والردع المسلح هو أدنى مستويات الحضارة، فقد فصل الإنسان عن الطبيعة وتحول من فريسة إلى صياد حينما اكتشف السلاح)، أما العاهرة فهى تعود للطبيعة بالفعل فهى لا تحمل سلاحًا ولا ترتدى ملابس، ولكن يظل الفارق بينهما طفيفًا، على مستوى الحد الأدنى، الذى يفصل بين الطبيعة والتاريخ. نحن هنا فى سوق الأوراق المالية – فى السوق الذى لا نقابل فيه بشرًا وأن نتصارع معهم فنصرعهم أو يصرعونا. إن الرائد هو حقًا التاجر الأعظم أو البرجوازى دون أقنعة.
وقد نشأت البرجماتية فى تربة الرأسمالية الناهضة الواثقة من نفسها والمؤمنة بأخلاقيتها أو لاأخلاقيتها المبنية على التنافس والصراع والفردية. ومن هنا كانت مثاليتها وعمليتها المفرطة، فهى مثالية مفرطة بسبب عمق إيمانها بمقدرة الرأسمالى الفرد على أن يأتى بالعجب العجاب وأن يخلق فائض القيمة من العدم بأفكاره الذكية ومقدرته على المناورة والبيع بأسعار مرتفعة. وهى مثالية فى التزامها بفطرة الفرد الحر الروسوى الذى يسير بمفرده ويوقع على ورقة تعاقدية هو كل ما يربطه بالمجتمع أو الدولة، والدولة هى القيد الوحيد الذى ارتضاه لنفسه ليحقق لنفسه الأمن، أى أنه حتى بعد أن يوقع العقد، ظل هو المحور والمركز (ولنقارن هذا بفكرة الممارسة الجماعية عند ماركس أو فكرة العمل الإنسانى الجماعى كمصدر لكل قيمة، فالإنسان كجماعة قد خلق نفسه ولا وجود له خارج هذه الجماعة. ولذا تظل فكرة الحدود التاريخية من صميم المفهوم الماركسى للحرية)
والرأسمالية رغم مثاليتها المفرطة عملية مفرطة لأنها ترتكز على السوق الذى يحدد كل القيم حسب دوراته اللامتناهية، وحسب ما تمليه قوانين العرض والطلب الذى لا يمكن لإنسان التحكم فيها. أى أن الإنسان صانع كل شىء لا يملك فى الوقت ذاته من أمره شيئًا، ولكن الرأسمالية فى مثاليتها وعمليتها، أى فى حديها الأقصى والأدنى تظل منفصلة عن فكرة القيمة ومرتبطة بفكرة الثمن والعرض والطلب والشراء بأرخص الأسعار والبيع بأغلاها وهكذا. ولعل هذا يفسر إيمان المجتمعات الرأسمالية المجنون بفكرة التقدم – التقدم دائمًا وبأى ثمن ونحو أى اتجاه وبغض النظر عن مقدار السعادة أو البؤس الذى يحيق بالبشر – لكن التقدم والحركية والسلام، إلى أن يصبحا هدفًا فى حد ذاتهما تمامًا مثل دائرية الطبيعة العبثية التى تتحرك دون توقف. هذا الاستقطاب العميق، هذا المزيج الخرافى بين الحرية والحتمية، والمثالية والعملية، هذه العودة للطبيعة الروسوية – الداروينية – النيتشوية، وهذا التعالى الكامل على الأخلاق، وهذا الالتزام اللاعقلانى بالحركة «الطبيعة» هو أيضًا البنية الكامنة فى الفكر الصهيونى. فالصهيونية أيضًا فى جوهرها محاولة لتعرية فلسطين من تاريخها وتحويلها لمجرد «أرض» شىء ينتمى إلى عالم الطبيعة أكثر من انتمائه لعالم التاريخ، وهى أيضًا محاولة لإسقاط حق الإنسان الفلسطينى التاريخى فى أرضه (باسم التقدم) حتى يصبح مثل الهنود الحمر، إنسانًا طبيعيًّا كونيًّا لا تحده حدود وبذا يمكن اصطياده كالفريسة دون أى هلع أو وجل أخلاقيين. بل وتحول الصهيونية اليهود أنفسهم إلى مخلوقات مثالية لا تاريخية آلية فى بساطة الظواهر وتحددها (وإن كانت الصهيونية تحول فلسطين إلى أرض، وإلى «أرتس إسرائيل» فى ذات الوقت، ولذا فالفلسطينيون يذبحون باسم التقدم التكنولوجى والتلمود فى ذات الوقت)
ويقول بعض دارسى البرجماتية إن إنكار الأمريكيين لقيمة التاريخ مرده أنهم نشأوا فى العالم الجديد وليس فى العالم القديم، وإن الهنود الحمر كانوا يعيشون فى اتساق مع الطبيعة وإن حضارتهم ذاتها لم تصل إلى وعى تاريخى بذاتها، ولذا كان من الحتمى على اليانكى أن ينكروا التاريخ فى بلد لا تاريخ له. ولكننا نعتقد أن لا تاريخية الوجدان الأمريكى تعود إلى بناء البرجماتية الكامن ذاته، فالهنود الحمر رغم أنه لم يكن عندهم وعى بالتاريخ، إلا أنهم كانوا يشكلون نوعًا من الوجود التاريخى، كما أن الاستيطان الأسبانى البرتغالى (الكاثوليكى) فى أمريكا اللاتينية لم يكن مبنيًّا على إنكار التاريخ، ولعل الاستيطان الصهيونى فى فلسطين أكبر دليل على أن إنكار التاريخ جزء من بناء البرجماتية ذاته، فالصهيونى لم يكن عنده عذر، ففلسطين كانت عربية وجزءًا من تاريخ عربى قديم متماسك. ومع ذلك نجده يصر على القول بإنها أرض بلا شعب (وإن كان وضع أمريكا الخاص قد ساعد ولا شك على تدعيم أسطورة الفردوس اللاتاريخى)
وهذه النزعة اللاتاريخية اللاأخلاقية – المثالية / العملية التى تسمى البرجماتية والصهيونية تظهر فى صفحات كتاب البروفسور البرجماتى الصهيونى كالن «المثاليون فى مأزق». ويلاحظ كالن العلاقة الوجدانية الوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة بل والتشابه البنيوى بينهما. فهو فى بداية كتابه يؤكد لقارئه أن كلا من إعلان استقلال إسرائيل والولايات المتحدة هما تعبير عن مسيرة الإنسان نحو الحرية، ونحو مزيد من التقدم. وهو فى كل صفحة من صفحات الكتاب يعرفنا بنفسه على أنه «أمريكى» يلاحظ بعيون أمريكية، ونجده أمام إحدى مستعمرات الناحال يتذكر كتابات جيمس. وهو فى أول صفحة من صفحات الكتاب يذكر لنا قصة طريفة لا بد وأنه، مثلنا، يعرف مغزاها العميق. فقد قابل البروفسور الصهيونى مهاجرًا من البلاد العربية يعرف التلمود معرفة كاملة ويتحدث العبرية بلكنة عربية أفريقية! وقد أصر عالمنا التلمودى أن يمسك بيد البروفسور الصهيونى اليُمنى وليست اليسرى لأسباب تلمودية لا أعرفها، ثم يتحدث كالن عن أسباب هجرة التلمودى الإسرائيلى: «وبغض النظر عن الأفراح والأتراح، ترك الرجل هو وأسرته المنفى والأسر (أى بلاده العربية) وهاجر إلى الحرية فى إسرائيل ... ومما لا شك فيه أن الماشيح سيأتى بعد هذه الخطوة (تجميع المنفيين)» (لا يخبرنا البروفسور الصيونى اليانكى عن رأيه فى هذه الأحلام التلمودية). وحينما عرف التلمودى إياه أن البروفسور أمريكى الجنسية حاول تقبيله على حاجبه (لأسباب تلمودية لا أعرفها أيضًا) ولكن تسببت مقاومة البروفسور لهذه الهجمة أن التلمودى اكتفى بتقبيله على كتفه وحسب واستمر فى تقبيله عدة قبلات. وفى فيض هذه العواطف التلمودية البرجماتية نعرف أن هذه قبلات زواج بين الأيدولوجيتين البرجماتية الصهيونية والبرجماتية الأمريكية. فقد أخبر العالم التلمودى البروفسور اليانكى، والدموع تترقرق فى عينيه، أن يهود الولايات المتحدة هم وسيلة الله التى أدت إلى خلاصه. يهود الولايات المتحدة إذن وتمويلهم للصهيونية هم البناء التحتى البرجماتى للبناء الفوقى التلمودى لتخرج بنية مدهشة تسمى صهيون أو يسرائيل أو إسرائيل أو الدولة الصهيونية أو مدينة إسرائيل أو الدولة اليهودية أو دولة اليهود، سمها ما شئت فإن ما يهمنا هو تلاقى العقليتين.
لا يكف كالن عن التفلسف فى كتابه فهو أستاذ فلسفة لا يمكنه أن يلاحظ الأشياء دون أن يضعها فى نسق فلسفى كامل. وعالم كالن مثالى/عملى برجماتى حتى النخاع، فحق اليهود فى فلسطين أمر منطقى للغاية بسبب شعورهم القوى والجارف بمركزية إسرائيل فى حياتهم، فأينما ذهبت فى العالم تجد اليهود يتطلعون لأرتس يسرائيل ويحلمون بها، وهم فى الوقت ذاته يذكرونك بأن هتلر قد يحدث فى أى مكان. وبسبب هذه «الحالة الشعورية» تصبح فلسطين من حق اليهود وليس العرب. ومما أدهشنى، أنا الأيديولوجى المتعنت، رفض البروفسور البرجماتى لاستخدام بعض المقاييس البرجماتية ليتحقق من مدى قوة هذا الشعور وهل هو حقيقى أم زائف أليس من الواجب أن تخضع كل الأحاسيس للقياس، فإذا كان شعور اليهود فى المنفى والأسر حقيقيًّا وقويًّا فعلًا، فلم يمكث غالبية يهود العالم فى ديارهم المهددة بالهتلرية؟ وإذا كان حق العودة يستند إلى قوة الشعور فاعتقد أن الفلسطينيين أثبتوا أيضًا قوة شعورهم!
وفكرة الحقوق التى تستند إلى حالة شعورية تستند بدورها لرؤية غريبة للتاريخ، فالتاريخ هو أيضًا بالنسبة للبروفسور حالة شعورية وإيمان وحسب. ومن المثير للدهشة أن البروفسور البرجماتى يتفق فى هذا مع صديقه التلمودى، فالتلمود قد ساوى بين عقائد اليهود وتاريخهم المقدس وتاريخهم الحقيقى. فإن أخبر الله اليهود فى التوراة أنه قد وعدهم أرتس يسرائيل فقد أصبحت هذه الرقعة من الأرض أرضهم عبر التاريخ. إن التاريخ كما يقرر البروفسور كالن «هو الماضى كما يتذكره الإنسان». ولكن التاريخ كوجود ذاتى أو كذكرى وحسب هو الأسطورة بعينها. فالتاريخ ليس مجرد تذكؤنا إياه وإنما هو كيان موضوعى نحاول نحن استرداده من الماضى، واسترداد الماضى شىء ووجوده فى الذهن شىء آخر. وإذا كان التاريخ هو الأسطورة التى نتذكرها أو الكتاب المقدس الذى نؤمن به، فالعالم الخارجى يختفى وندخل فى عالم الرؤى والفردوس والمثل الأعلى التى لا يسندها سند. ويقتبس كالن من أعمال ثورو المفكر الأمريكى الترانسندتتالى البورجوازى الذى يقول: «إن بنيت قلاعك فى الرمال، لا تندم على ما فعلت فهذا هو المكان الذى يجب أن تبنيها فيه، وما عليك الآن إلا أن تضع قاعدة تحتها» تمامًا مثل الجدل الهيجيلى الذى يقف على رأسه. ولو نقّب عالمنا الصهيونى قليلًا فى كتابات هرتزل لوجد عشرات العبارات التى لا تختلف من قريب أو بعيد عن عبارة ثورو. فالزعيم الصهيونى كان دائم الحديث عن المثل الأعلى، عن الفكرة التى سيضع تحتها أساسًا راسخًا فيما بعد.
ويحاول كالن أن يشرح لنا فكرته عن التاريخ كذكرى فى إحدى عباراته التى لها جرس يذكرنا بأقوال الأنبياء فى العهد القديم: «تحولت الرغبة إلى نبوءة والنبوءة بدورها تحولت إلى ذكرى والذكرى أعيد تشكيلها إلى وعد والوعد تحول إلى مشروع». وبغض النظر عن موضوع الرغبة، فإن كل ما يهمنا هو إدراك الواقع والتعامل معه، فالرغبة تحولت إلى نبوءة وتاريخ، باعتبار أن الذكرى هى التاريخ والذكرى والوعد والمشروع ترجمت نفسها إلى مشروع استيطان فلسطين أو تعميرها أو تفريغها من سكانها.
يذوب التاريخ إذن فى وجدان من يرغب ويصبح بلا حدود، ثم يظهر جيل من حملة التراث اليهودى «المثاليون» الذين يحلمون ويفرضون حلمهم دون أى اعتبار لأى تاريخ، فالتاريخ هو ما تشاء (ولنذكر أنفسنا دائمًا أن البرجماتية – كما يقال – فلسفة عملية!). والطوباويون الذين يشير إليهم عنوان الكتاب هم الإسرائيليون – كل الإسرائيليين. ويخبرنا كالن أن اليوتوبيا حالة عقلية، وهذا أمر لا جدال فيه. ولكن ما ينساه البروفسور هو أن اليوتوبيا – مثل الحالات الحقلية – أنواع، فهناك الفردوس السماوى الذى نحلم به ونحمله فى قلوبنا أينما سرنا ولا نتوقع أبدًا تحقيقه هنا، ولذا فنحن نضع فيه آمالنا، كل ما لم وما لن يتحقق «الآن» و«هنا» فهو حلم فردوسى كامل، نحن فى أمس الحاجة إليه رغم استحالة تحقيقه ... ولكن هناك اليوتوبيا الثورية التاريخية، وهى أيضًا تستند إلى حلم ولكنه حلم ينبع من الواقع ويعود إليه، محدود بحدوده الزمانية والمكانية وبإمكانياته الحقيقية، وحيث أنه حلم نابع من الواقع ليعود إليه لا يحق لى أن أطلق لوجدانى العنان وإنما يجب أن أظل داخل حدود الزمان والمكان. فاليوتوبيا إذن حالة عقلية فى بعض وجوهها، ولكن الحالة العقلية درجات. ولكن كالن البرجماتى (نعم البرجماتى) لا يعرف حدودًا، فاليوتوبيا هى مادة الأشياء التى نأمل فيها، وتقوم شاهدًا على أشياء منظورة دون أن تحدها الحدود. وفى إسرائيل الموعودة يكتشف هذا اليانكى الصهيونى، أن كل الرجال والنساء هنا طوباويون وأن أرض بيلاه (الفردوس) «هى الرؤية التى لم تتجسد بعد فى أى مكان ولا أى زمان، ولم تتحقق فى الواقع فى أى مكان ولا فى أى زمان على الأرض ولكنها دائمًا على وشك التجسد فى هذا المكان: هنا، وفى هذا الزمان: الآن». إن الفردوس الذى يريده كالن هو الفردوس الآن وهنا – وهو بهذا يكون أمريكيًّا حتى النخاع. وإذا كان هناك أى شك فى مكان الفردوس الذى يحلم به كالن، فإنه يزيله تمامًا إن بعض الأديان قد حددت اليوتوبيا على أنها «غد» سماوى لن يلحق به الإنسان بتاتًا فى يومه الذى يعيشه. ولكن توجد أديان آخرى ترى أن «غد» إن هو إلا يوم يعمل ويحارب من أجله المؤمنون ويحاولون تحقيقه فى أيامهم الأرضية كى يستمتعوا بحاضر فردوسى. هؤلاء المؤمنون يحاولون يومًا بعد يوم أن يشيدوا مدينتهم الفاضلة التى يحلمون بها الآن وهنا. إنهم يريدون أن يحيوا فردوسهم وهم أحياء وليس بعد موتهم. الفردوس السماوى كما يرى الصهيونى قابل للتحقيق إذن!
والطوباويون الإسرائيليون يقومون بالفعل بتشييد الفردوس السماوى الأرضى (بأموال يهود الدياسبورا). وهم فى محاولتهم هذه لا يفصلون بين المعجزات الإلهية ومبادىء وممارسات رجال العلم فى معهد وايزمان أو التخنيون، وعن طريق هذا التزاوج والتداخل بين المقدسات الدينية المطلقة والحقائق العلمية النسبية، يتحقق الفردوس (المؤسس على جثث الفلسطينيين والنابالم)
ويبدو أن الطوباويين أكثر تواضعًا من البرجماتى الصهيونى نفسه، فقد أخبره أحدهم «إننا بشر عاديون، نحارب مثل أى شخص آخر». ولكن أجاب الفيلسوف: «كلا وألف كلا (العبارة السابقة إضافتى العربية الخطابية) ألا يوجد ما يميزكم عن الآخرين؟ هل كفاحكم مثل كفاح المصريين أو الروس أو الهنود أو الأمريكان؟ هل هذا يعنى أنكم تحاربون من أجل لقمة العيش وحسب؟ كلا وألف كلا (إضافتى الخطابية مرة أخرى) نعم تحصلون على لقمة العيش ولكن لقمة العيش هذه لا تغذى الجسد الذى يكد ويعرق، وإنما تغذى تفرد الروح، هذا التفرد الذى تعبر عنه كلمات مثل «يهودى» و«إسرائيلى»، ثم تعود مرة أخرى للذكريات والرؤى اليهودية التى توحد هذا الشعب اليهودى». ثم نكتشف أن هذه الذكريات لها بريق صوفى خاص فهى تحول الخبز الذى يتناوله الإسرائيليون إلى ما يشبه الخبز المقدس الذى يتناوله المسيحى فى صلواته على أنه جسد المسيح؛ أى أن المجتمع الإسرائيلى تحول إلى ما يشبه التجربة الدينية والفردوس السماوى – آمين. لقد تداخل النسبى والمطلق تداخلًا كاملًا وانتهى الجدل والتاريخ. ما ينساه أو ربما ما لا يعرفه هذا البرجماتى ذو الحواس الخمس، هذا الفيلسوف الذى يساوى بين المعجزات الإلهية والمنجزات الآلية وبين الفردوس السماوى والرخاء الأرضى أن التجربة الدينية تجربة فردية يمارسها الفرد حتى لوكان ينتمى لجماعة، كما أن التجربة الدينية لا تغطى جوانب الحياة، فالحياة ليست صافية ولا فردوسية ولا مطلقة، وإدعاء مثل هذا الصفاء وهذه الفردوسية وهذا الإطلاق لإسرائيل هو جوهر الغيبية العلمية، فهو يضفى الإطلاق والكمال على ما هو قائم بالفعل، وعلى قوانين الحركة السارية فى المجتمع، بحيث لا يمكن إخضاعها لأى نقاش – أى أنها غيبية تخفى الجدل تحت قناع العلمية.
لقد وصلنا إذن لأرض المطلق البرجماتى الذاتى، ولكن قبل أن نستمر فى رحلتنا مع كالن لا بد وأن نعرض للجانب الآخر للمطلق البرجماتى وهو المطلق البرجماتى الموضوعى، إذ يبدو أن طريقة الإدراك البرجماتى تؤدى إما إلى هذا أو إلى ذاك أو إلى هذا وذاك فى ذات الوقت. فالبرجماتية فلسفة الإرادة المطلقة تدعى أيضًا أنها تؤمن بالحقائق الموضوعية والحقائق الموضوعية وحدها والتى لا تقبل النقاش (أكاد أقول والتى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها). وقد يبدو أن هناك تباينًا واضحًا بين المطلق البرجماتى المثالى والمطلق البرجماتى الموضوعى، ولكن بقليل من التمحيص نكتشف أن المثالية هى الوجه الآخر للموضوعية الميكانيكية. فالرصد البرجماتى للواقع مبنى على فصل العناصر عن بعضها وعن ماضيها وبالتالى عن وزنها الفعلى ثم يقوم الدارس بعد ذلك بتبويبها. فلو نظرنا للصراع العربى الإسرائيلى من منظور برجماتى محض للاحظنا أن هناك طرفين للصراع: واحد عربى وآخر إسرائيلى، ثم للاحظنا أن العرب عندهم مطالب فى فلسطين وكذلك الإسرائيليين، وأن العرب عندهم بعض الحق وكذا الإسرائيليين. ومن هنا نصل إلى درجة من الحيادية الرهيبة، فالموجبات هنا تحيدها الموجبات هناك، والسلبيات تحيدها نظيرتها من السلبيات. وإذا نظرنا إلى سيناء بنفس المنظور فسنصل إلى نفس الدرجة من الحيادية والإتزان، فإذا قال العرب إن سيناء لنا، فالإسرائيليون يدعون نفس الشىء وإذا قالوا إنها تاريخيًّا تابعة لمصر، دلل الإسرائليون على عكس هذا بالاشارة إلى أن سيناء كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية حتى أواخر القرن التاسع عشر، وأنهم الآن يمتلكونها. فالرصد البرجماتى هو عملية تراكم كمية للمعلومات لا رأس لها ولا قدم وإنما ينتج عنها كوم هائل لا اتجاه له، وهو لا اتجاه له لأن مضمونه لم يحدد عن طريق العناصر الكيفية الموجودة خارج البناء ذاته. فالصراع العربى الإسرائيلى يتكون من عرب حقًا وإسرائيليين ولكن العرب هم أصحاب المنطقة تاريخيًّا وفعليًّا وهم الأغلبية الساحقة التى كانت تقطن فى فلسطين ولا يزالون هم الأغلبية الساحقة التى تحيط بفلسطين وتؤيد الفلسطينيين فى مطالبهم، إذ لا يمكن فصل فلسطين عن المنطقة، ولذا فالإسرائيليون ليسوا جانبًا فى الصراع وإنما هم العنصر الدخيل الذى فرضته الإمبريالية الغربية. إذا نظرنا للقضية بهذا المنظار التاريخى لاختل التوازن ولتحدد الاتجاه ولاكتسب كم المعلومات البرجماتية رأسًا وعقلًا واتجاهًا. ونفس الشىء ينطبق على سيناء، فلو عدنا لمسار تاريخها ككل لاكتشفنا أن المصريين عبر تاريخهم كانوا يهتمون بسيناء ويرسلون لها الجيوش والحكام لأنها هى درع مصر الشرقى. وحتى حينما كانت سيناء تابعة للإمبراطورية العثمانية كانت مصر هى الأخرى تابعة لنفس الإمبراطورية، والوجود الإسرائيلى لا يتعدى ست سنوات وهو يأخد شكل تحصينات عسكرية لا يمكن أن تقاس بالتاريخ الطويل الممتد. وإذا أدخلنا هذه العناصر اختلت الحيادية البرجماتية مرة أخرى، ولكن البرجماتى لا يفعل، فهو يريد تحييد الواقع كى يفعل ما يريده معه وكى يفرض عليه الاتجاه الذى يروق له. (وقد أدهش العالم السياسى البرجماتى كيسنجر الكثيرين بالسؤال عن سيناء ومن الذى يمتلكها). وبذا نجد أن الرصد البرجماتى الموضوعى للواقع لا يختلف عن التحليق المثالى عنه، فكلاهما الغرض منه هو تذويب الواقع، أو كى نتوخى الدقة، تذويب اتجاه الواقع حتى يصبح لا اتجاه له فنفعل به ما نشاء والدارس للدعاية الصهيونية يجد أنها تستند إلى تبريرين، واحد منهما مغال فى المثالية (حق اليهود الأزلى فى العودة ورغبتهم فى ذلك) والآخر عملى مغال فى العملية (سياسة الأمر الواقع)، وكلاهما يتجاهل الوجود التاريخى لفلسطين وشعبها. وطريقة الطرح الصهيونية – البرجماتية تفتح الباب على مصراعيه للعنف، فإذا كان برنامجك السياسى هو أهواؤك، وإذا كان الأمر الواقع هو المحك، إذن فالبقاء للأصلح – الأصلح الذى يطمع فى كل شىء ويفتح نيرانه على كل من يجرؤ على الوقوف أمامه. يقول الأخلاقيون إن هذه شريعة الغاب ويقول المتفلسفون أمثالى إنها داروينية نيتشوية، ويقول النابالم على أجساد الفلسطينيين وخط بارليف إنها الجاهلية الأولى عادت من جديد.
والطوباويون – كما يبدو – هم تجسيد البرجماتية من قديم الأزل، فقد اشتقوا أسمائهم فى بداية التاريخ من الصراع (الواقعى) والقداسة (المثالية)، فاسم يسرائيل كما يخبرنا البرجماتى المتصوف يعنى المتصارع مع الرب، فهو شعب يعيش فى صراع دائم مع الطبيعة القاسية من رمال وتلال ومستنقعات يواجهونها بنفس الإيمان الذى يواجهون به الطبيعة البشرية المعادية لهم – طبيعة جيرانهم (من العرب) الذين يكنون الكره لهم وينوون تحطيمهم. ولنلاحظ هنا المساواة البرجماتية بين الإنسان والطبيعة وإسقاط التاريخ، وكيف يتحول البشر الأحياء إلى جزء من البيئة الجغرافية حتى يسهل اجتثاثهم (وهذه حيلة قديمة استخدمها المستوطنون البيض حتى يبرروا أمام ضمائرهم التاريخية الإنسانية – بقايا ماضيهم الأوروبى – مسألة إبادة الهنود الحمر). فالصراع هنا يصبح صراعًا ضد جمادات لا حياة فيها، وبالتالى يسهل اجتثاثها. حينما كان يقف الكابوى أمام أعدائه كان يصرعهم، سواء كانوا من الهنود أو من الذئاب أو رعاة البقر الآخرين. وكذا الحالوتس (الرائد الصهيونى) كان عليه الحرب حتى يمكنه البقاء – مجرد البقاء فى أراضى فلسطين الجرداء «بين شعبها المتسلل خلسة»!
إن البيئة الطبيعية، بما فى ذلك الإنسان، تقف ضد الحالوتس الذى كان لا يحارب ضد طبيعتها الحجرية المستنقية البرية، بل ضد طبيعتها الإنسانية المفترسة أيضًا! ولكن لم؟ هذا ما لا يسأله البرجماتى أبدًا، فالبرجماتى رجل عملى مرن يقدر ما هو قائم دون أن يصدع رأسه بالتاريخ، فعليه أن يذهب للحقائق التى يفرضها بالمسدس ضد الطبيعة الإنسانية العنيدة، حتى تلين وتصبح هى الأخرى برجماتية!
ورؤية كالن للطبيعة البشرية أمر مخيف، فهو مثل هنرى برجسون مطاط يرى أن لا ثبات فى الطبيعة البشرية، فشخصية الإنسان حدث مستمر وليس مجرد حالة جامدة، وكل شىء يتغير ويتبدل دائمًا. ويبدو أن الإسرائيليين الطيعين المطاطين قد استجابوا للنداء البرجماتى وتحولوا إلى جيش محارب عظيم، إذ يلاحظ كالن بقلب برجماتى مبتهج عسكرة المجتمع الإسرائيلى عسكرة كاملة. إن شعب إسرائيل هو جيش إسرائيل، وجيش إسرائيل هو شعبها والحمد لله، وهذا ليس بالمعنى المجازى ولكن بالمعنى الحرفى، فالجيش الإسرائيلى هو المدرسة التى يتعلم فيها الجميع. ونقطة البدء لهذا التعليم العسكرى (العملى) هو العهد القديم (المثالى) أليست هى إسرائيل – المتصارع مع الرب؟ ويوزع الجيش «كتبًا صغيرة» دينية يستخدمها الجيش فى تدريب الجنود! ولكن بعد هذا يعطى الجنود مجموعة من الكتب آخرها (ولا ندرى أهو أهمها أم لا) مجموعة الخرائط الخاصة بفلسطين / إسرائيل (ونحن لا ندرى ما هذا البلد الغريب ذو الرأسين: فلسطين / إسرائيل!!) تبين حدودها التاريخية والأركيولوجية، كما يدرس الجنود جغرافية إسرائيل (هنا سقطت فلسطين من المتن!). ويقرر أحد مرشدى كالن من الطوباويين أن الفرق بين أمريكا وإسرائيل هو أن الأولى ذات تاريخ صغير وجغرافيا كبيرة، بينما الثانية هى أن لها تاريخ كبير وجغرافيا صغيرة (هنا سرت الرعدة فى جسدى التاريخى، فالاتزان البرجماتى يدعو إلى الاتساق بين التاريخ والجغرافيا إلى تنغيمهما حتى تصل إلى الحدود الآمنة أو المقدسة لأنها متسقة مع التاريخ المقدس!)
والبرجماتى الصهيونى لا يكتفى بالرصد البرجماتى وإنما هو قادر على الألاعيب الديالكتيكية إن كانت فى مجال التبرير – فهو يقرر أن جيش إسرائيل جيش دفاع وحسب والله العظيم – ولكن – ولكن خير دفاع عن فردوس إسرائيل هو الهجوم على جميع الجبهات بالجو والبر والبحر، ويا له من دفاع جهنمى ... وهو يفسر هذه الحقيقة لصغر حجم إسرائيل، أى يفسرها باللجوء للكم (الحقائق الصماء) وليس بسبب وضعها الكيفى (ككيان شاذ يقف ضد اتجاه التاريخ)
ويلاحظ كالن بقلب برجماتى مرة أخرى، أنه لم يقابل فتى أو فتاة لا يتطلع إلى الخدمة العسكرية، كما أنه، هو المرن العملى، يخبرنا أنه يمكن تجنيد الاحتياط فى ساعات قليلة (مقولة برجماتية مشكوك فيها بعد أكتوبر ٧٣!) أى أن إسرائيل – «إسرائيل القلعة» كما يسميها عبر الكتاب – على أهبة الاستعداد لملاقاة العدو برًا وبحرًا وجوًا ... ولكنا نكتشف فجأة أن عدو إسرائيل العربى، عدو هزيل، وأن الفدائيين، الذين يشبههم بالديدان، لم ينجحوا قط فى اقتحام القلعة الإسرائيلية.
وفشل العرب – كما يقول الطوباوين للبرجماتى – مسألة مقررة محتومة! ولكن يا له من موقف كوميدى! قلعة مسلحة على أهبة الاستعداد دائمًا لملاقاة عدو هزيل! هل هذا دون كيشوت أم أنه سانخو بانزا، باعتبار أن دون كيشوت شخصية نبيلة جميلة؟ ولكن حتى نكون عادلين مع اليانكى البرجماتى، فإننا لا بد وأن نذكر أنه لم يشارك الإسرائيليين إيمانهم بانتصارهم الأزلى، وهذا الخلاف بين الأمريكى البرجماتى والطوباوييين التلموديين له مغزاه، وهو خلاف تمتد جذوره للخلاف بين البرجماتية الأمريكية والبرجماتية الصهيونية.
الاسرائيليون إذن مرنون واستجابوا لنداء البرجماتية الحار للتغيير. ولكن ماذا عن العرب، يرى كالن أن الأمل الوحيد هو تغييرهم أيضًا. وكالن لم يفقد الأمل كلية فينا بعد، فهو يرى أن العرب قد بدأوا بالفعل فى التغيير بمساعدة الإسرائيليين. ويدلل على هذا أن الإسلام قد أخذ فى الاختفاء أو فى التحول الذى هو بمثابة الاختفاء، وفى أحد المناظر العديدة يصف لنا اليانكى الصهيونى كيف يعامل المسؤول الإسرائيلى العرب باحترام وحذر شديدين تمامًا مثلما يعامل العالم الأنثروبولوجى القبيلة البدائية التى يدرسها، وهو باحترامه وحذره يساعد العرب أيما مساعدة.
ولكن ماذا لو حدث وظهر الإنسان العربى الجديد تحت الرعاية الصهيونية، ألن يكون إنسانًا صهيونيًّا محاربًا لاعقلانيًّا مؤمنًا بقيمته وحسب، يهب ضد إسرائيل ليدق عنقها، وليلقى بالنابالم على الأطفال؟ البرجماتى قصير النظر لم يطرح السؤال على نفسه (كتب الكتاب عام ١٩٥٦) ونحن فى عام ١٩٧٣ يمكننا أن نخبر العالم أن الآدام حاداش عرفى (أى آدم الجديد العربى) قد ظهر ولكنه ليس صهيونيًّا والحمد لله، فهو لا يزال يحمل الغصن الأخضر بجوار مدفعه، وهو لا يزال يحاول التحاور العقلانى مع عالم برجماتى مجنون!
وعلى الرغم من أن كالن لم يفقد الأمل تمامًا فى تغير الأسباط العربية، إلا أننا لم ننل إعجاب هذا البرجماتى. ولقد تعرضت لإهانات عنصرية كثيرة وأنا فى الولايات المتحدة من الصهاينة وغيرهم وكثيرًا ما كنت أفاجأ بأن أجد زميلًا لى لا يبادلنى الحديث فجأة لاكتشافه أننى عربى، وكنت لا أضيق كثيرًا، فهذه بلدهم ومن حقهم أن يمارسوا عنفهم وعنصريتهم كيفما شاءوا. وقد اعتقدت لمدة طويلة أن جلدى قد اكتسب مناعة ضد الإهانات العنصرية إلى أن قرأت كتاب هذا البرجماتى، وذقت طعم الإهانة مرة أخرى. يؤكد صديقنا أنه لا يوجد شعب عربى وأنما شعوب متحدثة بالعربية، وما يسمى بالعروبة إن هو إلا رد فعل للنهضة الصهيونية المباركة، ولم يخلق جامعة الدول العربية سوى الرشاوى البريطانية، ولا يوحد البلاد العربية سوى كره إسرائيل. أما الفلسطينى فهو أيضًا لا وجود له، فهو خليط لا نهاية له من كل الأجناس. والقومية العربية شىء اصطناعى اصطنعه طبقة «الأفندية» وهم يستخدمونها كأداة لتحقيق أغراضهم الكريهة. وكل ما يفعله هؤلاء العرب هو تعليمهم أبنائهم فى المدارس كيف يحاربون الصهاينة، وكيف يتبعون ذلك المهدى المنتظر جمال عبد الناصر.
ولكن نفاجأ بعدم اتساق برجماتى فى كتاب كالن، إذ نجد أنه فجأة يقتبس مثلًا إنجليزيًّا يقول إذا ضربت عربيًّا فى فلسطين، فأنت أيضًا تضرب جده فى الأردن، ولنلاحظ الانتقاء غير المحايد للمثل الذى يستخدمه كى يصنف هذا الحيوان العربى، موضع الدراسة والذى لا يصلح إلا كموضوع للضرب. لا أيها البرجماتى إن ضربت عربيًّا فى فلسطين، فأنت تضرب جده فى الأردن وأخاه فى مصر وأمه فى الخليج وأخاه فى السودان وأخاه الآخر فى اليمن والجزائر، فلسنا شعوبًا تتحدث العربية كما تدعى، وإنما توحدنا لغة وتراث وتاريخ مشترك وبقعة أرض مشتركة ومصالح اقتصادية مشتركة. وماذا كان يضيرك أيها البرجماتى أن تتحدث عن تقديم الخير لعربى فى فلسطين بدلًا من ضربه؟ إن كنتَ لا تعرف السؤال فأنا أعرف الإجابة، لو عاملت عربيًّا بالحسنى فى فلسطين لقوبلت بالعرفان بالجميل فى بغداد والقاهرة ودمشق. ولكن أنى لك أن تختار مثلًا كريمًا طيبًا، أنى لك أن تتعامل مع الخير وأنت لا يمكنك أن تتعامل إلا بأصابعك الخمسة؟
وحينما يترك كالن هذا المستوى النظرى ويتحدث عن العرب أنفسهم وليس العروبة، والأمر لا يختلف كثيرًا، فالعرب دائمًا يبحثون عن البقشيش، وحينما يذهب إلى حى عربى فهو يلاحظ أن هذا الحى، قبل مجىء الإسرائيليين، كان ملجأ للعاهرات ومدمنى المخدرات، وحينما يقدم صورة للعربى، فأول صورة هى صورة شيخ عربى من الإمارات البترولية يضىء قصره بأضواء النيون الحمراء ويستمع للأذان الكريم من جهاز تسجيل. وهناك شيخ قبيلة فى صحراء النقب يلبس هو وأولاده ساعات أجنبية لا تبين الوقت ويحملون أقلام حبر فى جاكتات غربية يرتدونها فوق جلاليبهم، وهم يلبسون أحزمة قد غمدوا فيها خناجر: ووظيفة هذا الخليط الإنسانى، تهريب الحشيش. (ولكن لماذا لم يتحدث هذا البرجماتى عن غسان كنفانى أو محمود درويش أو صديقى تحسين بشير، كلهم عرب فخورون بعروبتهم واستشهد أحدهم ولم تكتب الصحافة البرجماتية شيئًا عن استشهاده، وما قوله فى العمليات الفدائية التى تطلب ذكاءً شديدًا وتوقيتًا متناهيًا فى الدقة؟ هل غير هذا العنف موقفه البرجماتى بعض الشىء؟)
وحينما يصل هذا البرجماتى لمقدسات الآخرين مثل الحج إلى مكة فهو لا يمكنه أن يتخلى عن عنصريته، فهو يصف الحجاج الذين يهرولون ويتعثرون نصف عرايا فوق جبل الصفا، ويقوم جنود ابن سعود بضرب هذه الغوغاء من الحجاج بالسياط حتى يلتزموا النظام أثناء تدافعهم نحو الحجر الأسود ليلمسوه. هذا هو وصف البرجماتى للحج! وهو وصف لا يتسم بالحيادية البرجماتية!
ولكن لنترك عنصريته قليلًا ونرى ما هو الحل البرجماتى الذى يطرحه الفيلسوف اليانكى لقضية فلسطين، الحل هو أن يتحول الفلسطينى إلى «الفلسطينى التائه»: يدفع له بعض المال ويعطى جواز سفر ويصبح العالم كله مجال اختياره! ولكن إذا كان المجال فسيحًا لهذا الحد، فلم نحرم منه الإسرائيليين، خاصة وإنهم أثبتوا مقدرة على التكيف السريع يفتقدها الفلسطينيون العرب؟ ولكن البرجماتية فلسفة متعادلة ولا يحسم التعادل إلا فوهة المسدس ولأنه فى عام ١٩٥٦ كانت فوهة المسدس الإسرائيلى قوية لذا يعطى جواز السفر للفلسطينيين. ولكن الوضع بعد ١٩٧٣ قد تغير قليلًا – فهل نقترح بأدب برجماتى عنيف أن يعطى الجواز العالمى للإسرائيليين؟ ولكن هذه حلول مثالية/عملية لا علاقة لها بالواقع المركب، هذه هى حلول السوق الرأسمالى وغابة روسو وداروين والمنظمة الصهيونية العالمية!
إن كل صفحة من صفحات كتاب كالن تنطق بالعنف البرجماتى تمامًا مثل كتابات جيمس فكلاهما ينظر للإنسان من منظور داروينى، وكلاهما يرى الإنسان جزءًا من بيئة طبيعية مما يسقط التاريخ والاتجاه، ويحول كل الظواهر الإنسانية إلى كم ميت (ومن هنا كانت العنصرية الفجة) وفى هذا الإطار يظهر الكاوبوى والحالوتس وتظهر الجيوش والعنف، وتصبح قوانين الغابة والسوق هى القوانين الوحيدة التى تسود الواقع، وتظهر التحالفات الإمبريالية/الصهيونية.
ولكن يظل هناك فارق جوهرى بين برجماتية جيمس الأمريكية، والبرجماتية الصهيونية. فالبرجماتية الأمريكية هى برجماتية غير مبرمجة وغير مثقلة بأى أساطير، ولذا فهى برجماتية متسقة مع نفسها، تقف ضد التاريخ ولا تاريخ لها. أما البرجماتية الصهيونية فهى برجماتية مبرمجة مثقلة بالأساطير والتواريخ المقدسة.
حينما ينظر البرجماتى الأمريكى ذو الوجه الأحمر والشعر الذهبى والعيون الخضراء الخالية من الخير والشر والتاريخ إلى الدولة الصهيونية فإنه سيرى خفيرًا يحرس المصالح الإمبريالية مفيدًا للغاية طالما أنه يؤدى غرضه وطالما أنه أمر واقع غير مهدد، ولن تغشى الرؤية أساطير تلمودية عن الوعد الإلهى وأرض الميعاد. أما الصهيونى فإنه يحاول أن يتعامل مع الأمر الواقع ولكنه أيضًا يحاول خلق «حقائق جديدة» (إن أردنا استخدام عبارة ديان الطريفة) صادرة لا عن قراءة للواقع وإنما عن قراءة لكتاب أسطورى. ولذا تتحرك الجيوش البرجماتية لكى تؤمن الحدود الواقعية المثالية لأرتس يسرائيل التى وردت لها خريطتان مختلفتان فى التوراة! لكل هذا نجد أن حدود البرجماتية الأميريكية أكثر اتساعًا وتحددًا فى ذات الوقت من حدود البرجماتية الصهيونية، فالأولى يحكمها قانون واقعى، هو قانون ضيق غبى، ولكنه قانون مع هذا، أما البرجماتية الصهيونية فهى مزيج فريد شاذ بين العقليتين العملية والغيبية التلمودية. ولعل هذا يعطينا مؤشرًا على نوعية الصراع مع العدو الصهيونى، فالفيتناميون قد سالت دماؤهم وأسالوا دم الأمريكان طيلة عدة سنين إلى أن زادت كمية الدماء والخسائر، فانسحب الأمريكيون حينما أدركوا هذه الحقيقة، فهم ذهبوا إلى فيتنام لا لأسباب أسطورية وإنما لأسباب إمبريالية واضحة للجميع، حتى للعمال والمقاتلين الأمريكان أنفسهم. وكثيرًا ما كنت أتحدث معهم (فقد عملت كخفير فى أحد المصانع الأمريكية لمدة أربع سنوات) فأجدهم يتحدثون ببراءة غير عادية عن أهمية الحرب للاقتصاد الرأسمالى حتى تستمر المصانع فى الدوران، ولكنهم بلا أخلاقيتهم المعهودة كانوا لا يخلصون من هذا إلى ضرورة إيقاف الحرب وتغيير النسق الاقتصادى، وإنما كانوا يخلصون إلى ضرورة الاستمرار فيها وتصعيدها. ولكنهم مع هذا كانوا لا يتحدثون عن واجبهم فى إدخال الحضارة فى فيتنام أو حقهم الإلهى هناك، ولذا حينما أصبحت الحرب مكلفة استجابت الجماهير الأمريكية بسرعة لحركة الاحتجاج. أما فى إطار البرجماتية المغلقة أو المبرمجة أو التلمودية فالعنف البرجماتى وسياسة فرض الحقائق تستند إلى حقوق مقدسة مسبقة لا يمكن حتى النقاش فيها، ولذا فعلى الرغم من الصعوبات التى يواجهها العدو الإسرائيلى وعلى الرغم من الخسائر التى نلحقها به فإنه يتسلح خلف سياج أساطيره التلمودية وهى تمده بنوع من القوة المؤقتة النابعة من الانفصال عن الواقع.
ويجب أن نتذكر أن الدبابات السوفيتية كانت على مسافة قصيرة من مخبأ هتلر، والفوهرر لا يزال يصدر أوامره بحزم للأطفال من أجل مجد النازى!
الباب الثانى
عالم السلع الفردوسى
1- الخلاص بالسلعة
أفرز المجتمع الرأسمالى عديدًا من الفلسفات من بينها الفلسفة البرجماتية، ولكن هذه الفلسفات قد كتب لها الشيوع وذيوع الصيت دون غيرها لأنها أثبتت أنها خير وسيلة تحافظ بها الرأسمالية الأمريكية على اتزان المجتمع وثباته وعلى نقائه من كل التحديات الإنسانية التى قد تخل بهذا الاتزان، ففى مقدور الإنسان البرجماتى محدود الرؤية أن يستهلك دون تساؤل، وأن يغير السلع التى يستهلكها وأن يقلل ويزيد من كميتها دون احتجاج. وهو لا يستفسر أبدًا عمّا إذا كان هذا الاستهلاك الغبى سيؤدى إلى سعادته الفردية أم لا، فالسعادة الإنسانية، هذه الرؤية المركبة التى تستند إلى رؤية متكاملة للطبيعة البشرية، ليست هى الهدف، إنما الهدف هو النجاح فى التعامل مع الواقع الذى تخلقه وتحدده وتغلفه الاحتكارات، ثم تبيعه للمواطن الأمريكى عن طريق الإذاعة والتلفزيون اللذين لا يرحمان، فهما لا يكلان ولا يتعبان، وهما موجدان فى كل مكان.
وقبل أن نعرض لهذا الحديث عن الحضارة الأمريكية قد يكون من المفيد أن نذكر بعض الجوانب المميزة لنمط الحياة الأمريكية التى تجعل الأمريكى فريسة سهلة «للاستهلاكية الأمريكية». فبناء الضاحية الأمريكية يجعل الإنسان الأمريكى يعيش وحيدًا فيما يشبه الفردوس الأرضى فى منزل من طابقين وعليه أن يقود سيارته ساعة على الأقل كل يوم ليصل إلى محل عمله وساعة أخرى ليعود منه (ومن هنا كان من الممكن أن تسبب أزمة الوقود كارثة لهذا النمط من الحياة المبنى على الاستهلاك). وهو حينما يذهب إلى منزله الذى يملكه لن يجلس مع الجيران ليتحدث عن همومه اليومية وإنما سيكون مشغولًا بإعداد طعام العشاء مع زوجته (فهو يعود الساعة الخامسة تقريبًا). كما أنه لا توجد علاقة قوية بينه وبين الجيران لأن هؤلاء الجيران يتغيرون كل خمس سنوات، فمجتمع الكفاءة والسيولة البرجماتية مبنى على التغير الدائم، ولذلك يتغير كل سكان أى جماعة أمريكية بمعدل مرة كل خمس سنوات!
والأمريكى حينما ينتقل من مدينة إلى أخرى فهو لا يستأجر شقة وإنما يشترى بيتًا وهو لا يفعل ذلك من باب (الفنجرة) وإنما هو ضرورة حتمية لأن الشقق غالية ومكلفة للغاية، كما أنه كى يحارب هذا التضخم المتزايد، وبدلًا من أن يدفع إيجار شقة مرتفع يفضل أن يدفع أقساط المنزل (والجميع مشغول بدفع أقساط المنزل وأقساط السيارة وأقساط هذا وذلك). وبسبب هذا الوضع يصبح أهم الشخصيات فى حياة الأمريكان سمسار العقارات. ولذا فحينما ينتقل أمريكى من مدينة لآخرى فإنه يتصل أول ما يتصل بسمسار العقارات الذى يساعده فى شراء بيت جديد ويساعده آخر فى بيع بيته القديم. ويقال إن سماسرة العقارات هم من كبار المحرضين على التفرقة العنصرية، فهم يمكنهم تحقيق أرباح خرافية عن طريق بيع بيت واحد لزنجى فى ضاحية بيضاء فتهبط أسعار المنازل المجاورة فورًا، فيقومون بشرائها بأسعار زهيدة، ثم يبيعونها بعد ذلك للزنوج بأسعار مرتفعة.
هذا الأمريكى الذى لا جيران له ولا معارف ولا أقارب وضحية سمسار العقارات، عادة ما يستمع إلى إذاعة محلية مقصورة على مدينة أو ضاحية، وهى إذاعة تذكر له أنباء الشرق الأوسط فى دقيقة، ثم النشرة الجوية فى ٤ دقائق ثم تذكر له الأوكازيونات المحلية فى ١٥ دقيقة. وهو إن قرأ جريدة يومية فسيقرأ أيضًا جريدة محلية تذكر له أنباء العالم فى الصفحة الأولى حتى يرضى ضميره، ثم يقرأ فى بقية الجريدة عن الأخبار الحيوية مثل من تزوج من مؤخرًا ومن حصل على شهادة البكالوريا من أبناء هذه المدينة الأمريكية الفاضلة! وهذه الجرائد ومحطات الإذاعة المحلية خاضعة خضوعًاكاملًا للرأسمال المحلى، فهى دور صحفية ومحطات ليس لها سند قومى أو عالمى، كما أن المذيعين فيها والكتاب هم من سقط المتاع ولذا يسهل ابتزاز الجميع وفرض أى خط سياسى يلائم الرأسمال المحلى خاصة إذا كان هناك شركة قوية فى هذه المدينة. وأذكر جيدًا إن فى مدينة نيويورك التى كنت أعيش فيها كانت شركة جونسون وجونسون للأدوية تملى إرادتها على كل أجهزة الإعلام فى هذه البلدة نظرًا لسطوتها المالية.
هذا الإطار الحضارى قد جعل من الأمريكى فريسة سهلة لسعار الحضارة الاستهلاكية. ومن اليسير علينا أن نضرب المثال تلو الآخر على هذه الهستيرية الاستهلاكية المعادية للعقل وللسعادة الإنسانية. ولكننا سنكتفى بالإشارة لأهم الأمثلة: أعنى مسألة المواصلات الداخلية فى المدن الأمريكية. فصناعة السيارات تعد من أهم الصناعات على الإطلاق فى الولايات المتحدة، فهى صلب النظام الاقتصادى الأمريكى، ولذلك فمن مصلحتها أن تمتلك كل أسرة أمريكية سيارة ثم سيارتين وإن أمكن ثلاثًا، على أن تستبدلها كل عام أو عامين على الأكثر، ولتحقيق هذا المثل الأعلى كان لا بد وأن يختفى نظام المواصلات العامة، وبالفعل لا توجد مواصلات عامة من أى نوع فى المدن الأمريكية الصغيرة وإن وجد خط أتوبيس فهو عادة على بعد مسيرة عشرين دقيقة ولا يمر الأتوبيس إلا كل ساعة، ولذلك فالمواطن الأمريكى، الذى يعمل عادة بعيدًا عن منزله – كما أشرنا من قبل – يضطر لشراء سيارة شاء أم أبى، فقيرًا كان أم موسرًا.
وبعد شراء السيارة الأولى تجد الزوجة نفسها حبيسة المنزل بعد أن يذهب الزوج للعمل فتصبح السيارة الثانية فى ضرورة الأولى، وحينما يصل أول الأولاد سن الرشد تجد الأسرة نفسها مضطرة لشراء الثالثة ويقال أنه فى استطاعة الاحتكارات الأمريكية أن تصنع سيارة لا تستهلك إلا بعد عشرات السنين، ولكن مثل هذه السيارة لا تنتج لأنها قد تصل بالسوق الأمريكى إلى درجة التشبع وهى نقطة قد تتوقف عندها الدائرة البرجماتية، لأن المستهلك لو تشبع بالسلع وشبع منها فإنه قد يفيق وقد يبدأ فى التساؤل عن السعادة والحياة والروح، وهذا ما لا يمكن للرأسمالية الأمريكية تحمله. وحتى تضمن الاحتكارات الأمريكية أن يظل المواطن الأمريكى غارقًا فى السلع والمادة وفى حالة غيبوبة إنسانية كاملة فإنها تطلق عليه سيلًا من الإعلانات التلفزيونية الرائعة (والإعلانات التجارية هى بالفعل أروع ما يذيعه التلفزيون الأمريكى). انظر مثلًا إعلان لاكسهنتى «الرجل المتشدد» يبدأ الإعلان فى قرية فى إحدى دول أمريكا اللاتينية وقد اعتلى الوجوه القلق وخيم الصمت على المدينة «فالمتشدد» قد وصل. ويذهب الرجل إلى أحد أكياس القهوة ويتذوق الحبوب الموجودة فيه ثم يتعاطى فنجانًا من القهوة وحينما تعلو وجهه ابتسامة الرضا تعم الفرحة وترقص الجماهير وتبدأ طقوس الحصاد فمندوب شركة سافارين المتشدد قد وافق على شراء المحصول، مما يدل على جودة القهوة التى تبيعها هذه الشركة الحريصة على مصالح المستهلكين. أو انظر إعلانات السيارات المختلفة: تسير عربة جميلة وتخرج منها فتاة رائعة الحسن وتطلب منك شرائها (السيارة – الفتاة بالطبع)، فإن لم تستجب لهذه الدعوة فالإعلان التالى كفيل باقناعك إذ أن القوات المسلحة لشركة شيفروليه تسير على الشاشة فى عظمة وجلال يدلان على عظمة هذه السيارة ومن الخير لك الاستسلام، وإن كنت ثوريًّا فأنت مدعو للانضمام فورًا لصفوف ثورة الدودج فلقد سئمنا الشيفروليه وأشباه السيارات. ولكن ماذا لو كنت فقيرًا ذا جيوب مثقوبة؟ لا داعى للقلق فصديقك ذو الابتسامة العريضة فى بنك نيويورك للقروض سيساعد، وكل ما عليك أن توقع على ورقة بيضاء صغيرة فتحصل على مفتاح السعادة والعربة. وإن دققت النظر فى هذه الورقة البيضاء الصغيرة لاكتشفت أنه عليك أن ترهن منزلك وأولادك وزوجتك وذاتك وعربتك الجديدة فى مقابل هذا، فضلًا عن أن سعر الفائدة ليس ٤ ٪ كما تقول اللافتة العريضة لأنه بالحساب المركب يصل إلى أضعاف أضعاف ذلك. ولكن الابتسامة العريضة على وجه صديقك إياه تنسيك كل الهموم والمخاوف. فإن انتهيت من طوفان السيارات اكتسحك طوفان السلع الأخرى ... معجون أسنان صابون للبلاط أنواع جذابة من المكرونة والعطور والمياة الغازية والملابس الداخلية والأحذية والشكولاتة. هذا الركام يمكن أن يزول لو توقف الإنسان الأمريكى ولو للحظة واحدة ليتساءل عن جدوى كل هذا، ولكنه بالطبع لا يفعل لأنه إنسان برجماتى ناجح، يجيد التعامل مع الواقع.
وعالم السلع لا يغزو الإنسان الأمريكى من الخارج وحسب، بل يغزوه ويقمع إنسانيته من الداخل. والغزو الداخلى يتمثل فى مظاهر عديدة أهمها مصادرة الجنس لحساب الاحتكارات الرأسمالية. وأنا هنا لا أوجه نقدًا لما يسمى بإباحية المجتمع الأمريكى (فهو فى تصورى ليس مجتمعًا إباحيًّا منحلًا بالمعنى التقليدى). كما أننى لا أشير إلى انتشار الأفلام الجنسية التى تعرض فى كل الأماكن بما فى ذلك الضواحى التى تقطنها الأسر البرجوازية المحافظة (وهذه ظاهرة جديدة كل الجدة)، وإنما أشير إلى إباحية من نوع جديد وخطير. فالإباحية القديمة تفترض أن الجنس نشاط إنسانى وأنه يمكن استغلاله لهذا السبب عن طريق عرضه بطريقة مغرية يسيل لها لعاب الذئاب والملائكة، ولكن الإباحية الجديدة إباحية ديمقراطية «عملية» تفترض أن الجنس طاقة محايدة يمكن استخدامها فى التحكم فى هذه الوحدة الاستهلاكية التى كانت الفلسفة القديمة تطلق عليها اصطلاح «إنسان». واختيار الجنس كوسيلة للتحكم فى الإنسان يدل على ذكاء وفطنة، فالجنس نشاط بيولوجى حتمى ولكنه فى الوقت ذاته له بعد اجتماعى، وبتأكيد الجانب البيولوجى على حساب الجانب الاجتماعى (دون إلغائه كلية) يخلق المجتمع الرأسمالى الخلطة السحرية والتوازن المنشود، فأنت قد تسلك سلوكًا اجتماعيًّا ولكن سلوكك ستحدده اعتبارات بيولوجية بسيطة ومحددة. انظر مثلًا إلى كريم الحلاقة ماركة كذا، إن استخدمته وقعت كل الفاتنات فى شباكك، إما كريم الشعر هذا فسحره لا يقاوم، وأنت يا سيدتى إذا شربت هذا الدواء «جريتول» (الذى أظهرت التقارير الطبية فيما بعد أن مضاره أكثر من نفعه) فأنت ستعيشين جاذبية جنسية بعد شربه، وأنت أيها العجوز الكركوب لم لا ترتدى باروكة أو تصبغ شعرك أو تفرك جلدك أو تقصر بنطلونك أو تطوله. اختر ما تشاء من السلع وكله فى سبيل الحيوية والبعث الجنسى، ولكنه بعث جنسى لا علاقة له بالحياة أو الحب أو الزواج أو الطلاق أو حتى إبليس أو بروميثيوس، فهو بعث بيولوجى مجرد يدور فى فراغ حتمى لا نهائى.
الحضارة الأمريكية إذن حضارة ناجحة للغاية على المستوى الإنتاجى والمادى، حققت السيطرة الكاملة على الإنسان الأمريكى من الداخل والخارج ووصلت إلى الاتزان الذى يضمن لها الاستمرار والاتساع المنضبط. وهى حضارة قد يقدر لها السيطرة على المجتمعات الرأسمالية الأخرى ذات التاريخ العريق والتراث القومى والدينى الفعال. بل أننى أعتقد أن المجتمعات الاشتراكية مهددة بهذا الغزو الحضارى الأمريكى أكثر من غيرها لأنها مجتمعات قد قطعت صلتها بتراثها القومى والدينى وخلقت فراغًا حضاريًّا لا يمكن أن تزدهر فيه سوى القيم المادية الأمريكية، خاصة وأن هذه المجتمعات الاشتراكية لا تزال تقوم نجاحها وإنجازاتها بمعايير مادية ميكانيكية غير إنسانية مثل زيادة حجم الإنتاج وزيادة إنتاج الصلب والفحم والصابون. إن الحضارة الرأسمالية الأمريكية هى حضارة الماديين النفعيين، حضارة لوك وهوبر وبنتام وديوى، حضارة ترى الإنسان على أنه كمية من الاحتياجات من السهل إرضائها. والحضارات الاشتراكية باستمرارها فى التركيز على الإنتاج دون ذكر للهدف الإنسانى وبإهمالها خلق وعى تاريخى إنسانى عند المواطنين، وبحرمانهم من المشاركة الفعلية فى إدارة المجتمع قد تقع فى براثن هذه الرؤية النفعية المعادية للفكر والإنسان وقد تظل قابعة فى عالم الضرورة والكم.
وقد تنبه اليسار الجديد لخطورة الرأسمالية الأمريكية فهو فى نقده لها لا يركز على استغلاليتها أو عدم كفاءتها الإنتاجية لأنها ليست مستغلة بالمعنى التقليدى كما أن كفاءتها مشهود لها من الجميع، وإنما ينصب التركيز على استهلاكيتها العمياء التى تغرق الذات، بل أن بعض الجماعات اليسارية لا تستخدم اصطلاح «الرأسمالية» الآن وتستخدم بدلًا منه اصطلاح «الاستهلاكية» باعتبار أن ما يهدد العامل الأمريكى الآن ليس قلة السلع بل وفرتها، والوعى الزائف الذى تنتجه هذه الوفرة.
واليسار الجديد لم يحد أبدًا فى رؤيته الجديدة عن الفلسفة الماركسية، فنقد ماركس للرأسمالية لم ينصب على استغلاليتها الاقتصادية بقدر تركيزه على سطحيتها المادية وحتميتها الاقتصادية وتحويلها الإنسان إلى شىء والشىء إلى وثن. إن الرأسمالية لا بد وأن تؤدى إلى اغتراب الإنسان وإلى انحرافه عن جوهره الإنسانى «ففى النظام الرأسمالى لا يوجد الإنتاج من أجل العامل وإنما يوجد العامل من أجل الإنتاج»، ولذلك يكون هدف الثورة الحقيقى ليس مجرد إلغاء الملكية الفردية (رغم أهمية هذه الخطوة) وإنما إعادة تنظيم المجتمع الإنسانى بطريقة تضمن تحقيق الانتقال من عالم الضرورة والإنتاج والكم إلى عالم الحرية والإنسان والكيف. ولكن هذا التصور يفترض وجود رؤية للإنسان الحقيقى ولحاجاته الحقيقة (فى مقابل الإنسان الاستهلاكى أو الاقتصادى وحاجاته المادية الزائفة)، فأى فكر هيومانى إنسانى ينطلق من رؤية محددة للطبيعة البشرية ولإمكانياتها المبعثرة أو غير المتحققة، وللهيومانية الماركسية رؤيتها وإن كانت تختلف عما سبقتها من مذاهب فى أن رؤيتها للإنسان ولمجتمع المستقبل تستند إلى تحليل تاريخى واجتماعى ولا تنطلق من مجرد أحلام طوباوية فردوسية مجردة.
وأهم سمات «الطبيعة البشرية» حسب تصور ماركس تظهر فى محاولته التمييز بين العمل الإنسانى وعمل المخلوقات الطبيعية الأخرى. فالعمل الإنسانى عمل واع عقلانى خلاق، ولهذا يكون أسوأ منزل يشيده أردأ مهندس هو فى الواقع أعظم من كل الخلايا التى تبنيها أعظم نحلة! إن الاشتراكية تصبح فلسفة إنسانية حينما تعيد توجيه التقدم التكنولوجى بشكل واع عقلانى خلاق، أى حينما تجعل العمل الإنسانى يعبر عن نفسه وعن إمكانياته تعبيرًا حقيقيًّا، أما الاشتراكية التى تلغى الملكية الفردية دون أن تغير فى بنية المجتمع والتى قد تثرى البروليتاريا ثم تغرقها فى فردوس السلع إنما هى اشتراكية زائفة غارقة فى عالم الضرورة والكم. وهذه ليست دعوة للتقشف فالإنسان بدون السلع يصبح عبدًا للضرورة، ولكنها دعوة إلى عدم الخلط بين عالمين مختلفين وألا نعتقد أنه فى وفرة الكم السعادة والهناء.
اليسار الجديد لم يحد كثيرًا عن فكرة ماركس وإن كان قد استفاد منه بطريقة تنم عن أصالته، ولكنه مع ذلك يسار مفتت ينقصه البرنامج السياسى والأيديولوجية المتكاملة، ولذلك فهو رغم أنفه يجد نفسه منصرفًا إلى الجزئيات دون الكليات، تستغرقه الأحداث اليومية والأفعال المباشرة، أى أن اليسار نفسه يتحرك في ذات الفراغ الأيديولوجى الذى خلقته الرأسمالية والحضارة الأمريكية. واليسار الأمريكى لا ذنب له في هذا، لأن هذا الفراغ هو الحقيقة الحضارية التى لا يملك لها قبولًا أو رفضًا. كما أن اليساريين يحاولون تجنيد المواطن الأمريكى البرجماتى فيضطرون إلى مسايرته وإلى استخدام مصطلحه بل وإلى رؤية الأمور من وجهة نظره على أمل استقطابه. ولكن الأمر ينتهى بمعظم هذه الحركات اليسارية إما إلى الإقلال من جرعة الراديكالية وزيادة جرعة الإصلاحية البرجمالية (كما حدث لجماعة الفهود السوداء حين قررت الاستغناء عن السلاح وقبول الطرق الديمقراطية كوسيلة لتحقيق أهدافها ومثلها). وقد يتحول الثورى إلى هيبى أو فرد متمرد يقوم بأفعال ثورية مباشرة مثل تدمير بنك أو منزل كما فعل أعضاء جماعة ويزرمان. ولكن الثورى إذا تقبل فكرة «الفعل المباشر» فإنه يكون قد حول كل أفعاله إلى ردود أفعال وفقد الرؤية والإستراتيجية وضاع فى متاهات تعرف الاحتكارات مداخلها ومخارجها لأنها احتكارات يساندها أقوى جهاز تنفيذى وأذكى جهاز قمع عرفه التاريخ. بل والأكثر من هذا أن تبنى سياسة «الفعل المباشر» هو سقوط فى المنطق «الفردوسى» الذى لا يحاول الوصول إلى الحرية من خلال التعامل مع قوانين الضرورة، وإنما يتجاهلها ويتجاهل حدود الوجود الإنسانى التاريخية.
2- الهيبى فى الفردوس
فى عالم السلع الأمريكية والأشياء التى لا حصر لها والخواء الروحى الذى لا قاع له، لم يكن من الممكن أن يستمر الإنسان الأمريكى فى سلبيته وعزلته، فالإنسان، روسيًّا كان أم أمريكيًّا، حيوان اجتماعى بطبعه، عقله خلاق لا يقبل القهر فى صمت وسكينة.
ولذلك مهما بلغ البطش من قسوة والقمع من ضراوة فالإنسان لا يعدم أن يجد شكلًا ما من أشكال التمرد. وقد أشرنا من قبل إلى أن الاحتجاج السياسى فى أمريكا قد يأخذ شكلًا سياسيًّا شبه منظم كما هو الحال مع اليسار الجديد، ولكنه فى كثير من الأحيان يأخذ شكل احتجاج عاطفى روحى فردى عائم غائم، لا يستند إلى تحليل للواقع أو إلى موقف من التاريخ، وهذه هى طبيعة التمرد الهيبى ضد الرأسمالية الاستهلاكية.
فثورة الهيبى ثورة فردية محضة، إذ يرفض المتمرد المجتمع وحدوده ومقدساته، ويدير ظهره لفكرة النجاح على الطريقة البورجوازية ويقرر أن يفشل، ففى فشله ضرب من تحد لكل أهداف المجتمع الرأسمالى وآماله. ومن المعروف أن الأسطورة الأساسية السائدة فى المجتمعات البورجوازية هى أسطورة «الإنسان العصامى الناجح» الذى يكافح ضد كل العوائق والظروف، ويعمل بالنهار ويدرس بالليل، يحب والديه وزوجته وأولاده، ويذهب إلى الكنيسة يوم الأحد، وهو دون شك مقتصد لا ينفق إلا فيما يفيد. وتنتهى الأسطورة بتتويج البطل مليونيرًا يشار إليه بالبنان، أو كما يقول المثل الأمريكى «من الثياب البالية إلى الثروة الطائلة». الهيبى يفعل عكس ذلك بالضبط، فهو عادة من عائلة موسرة يسرت له سبل التعلم ومهدت له طرق النجاح فى صبر وإناة، وخلقت له البيئة الصالحة الهادئة التى لا يعكر صفوها شىء، فيترك صاحبنا الثروة الطائلة ويهجر المدرسة، وإذا ما وصلته حوالة بريدية من أسرته الحزينة فهو ينفقها على أصدقائه دون تدبر أو تفكير، ثم يخلع ملابسه النظيفة ويرتدى الثياب البالية ويمشى حافيًا يفترش الأرض ويلتحف أى منزل خرب يصادفه فى طريقه. «من الثروة الطائلة إلى الثياب البالية» وقل موتوا بغيظكم أيها البورجوازيون المحترمون! إن الهيبى هو تجسيد لأسطورة «الإنسان الفاشل» ولذلك فهو الرفض المحسوس والشخصى لأسطورة «الإنسان العصامى» ولكل ما ترمز له من تقديس للملكية الفردية ونكران السعادة الإنسانية (والسعادة الإنسانية تختلف عن الملذات المادية الاستهلاكية التى يشجعها المجتمع الأمريكى). إذا كان التفوق عند الإنسان الناجح هو الاستهلاك الذى لا ضمير له ولا روح، فالهيبى يحيا حياة بسيطة تجعل الاستهلاك وكل السلع الرأسمالية بل وكل الإنجازات التكنولوجية أمورًا ليست ذات بال. وإذا كان العصامى إنسانًا مدبرًا يحسب حساب كل شىء ويحترم الواقع الموضوعى البورجوازى، فالهيبى يتعاطى المخدرات بشراهة لأنها تمنحه الرؤى المختلفة كيفيًّا عن هذا الواقع الكريه. وقد يُحتج بأن الويسكى الفاخر يمنح المرء مثل هذا الرؤى، ولكن الرد الهيبى هو أن الويسكى سلعة رأسمالية وتجرعه يعنى دخول الدائرة الاستهلاكية مرة أخرى، أما الحشيش والأفيون والكوكايين والهرويين والإل إس دى التى يتعاطاها الآن ما يزيد عن ٦٠ ٪ من الشباب الأمريكى فأمرها جد مختلف. وإذا كانت حياة الإنسان العصامى فردية خالية من الطقوس والمعنى، فحياة الهيبى جماعية يحكمها تفكير قبلى وآلاف الطقوس التى تضفى معنى على حياتهم، طقوس تذكرنا بالعبادات القديمة قبل ظهور التجارة والصناعة. وقد أعطانا فيلم «وود ستوك» صورة واضحة لهذه القبيلة الجديدة وهذه الرغبة فى فقدان الذات الفردية فى محيط البشر وفى الطقوس القبلية.
ولكن الهيبى على الرغم من ذلك يظل فرد أو جزيرة، يطفو من مكان لمكان دون هدف واضح أو مستتر، كما أن شأنه شأن «العصامى» الذى لا تراث له ولا تاريخ ولا تقاليد ولا وعى، يعيش من يوم إلى يوم ومن ساعة إلى ساعة، كما أنه لا يرتبط بأى تنظيم أو أيدولوجية، بل يظل يبحث عن النشوة، وعن التنفيس عن نفسه. وعلى كل حال لا يمكن إنكار أن الفارق بين السكر عن طريق الكحولات، وفقدان الوعى عن طريق المخدرات، والغيبوبة عن طريق إعلانات التليفزيون ليس جوهريًّا إلى هذه الدرجة.
ومما قد يكون له دلالته أن كلا من «أسطورة العصامى» و«أسطورة الهيبى» جزء من التراث الأمريكى، فالكاوبوى لا يختلف فى كثير من الوجوه عن الهيبى، فهو يعيش حياة رعوية بسيطة مع إخوانه من رعاة البقر، لا يستهلك الكثير ولا يتعامل مع المجتمع الفاسد، وعلى الرغم مما فى حياته من جماعية فهو فرد لا يرتبط بأى شىء لا بأسرة أو زوجة أو حبيبة، إذ عليه أن ينتقل من مكان لآخر.
وإذا ما نظرنا إلى التراث الأدبى الأمريكى فإننا نكتشف أن والت ويتمان كان هيبيًّا من الدرجة الأولى، فقصيدته الشهيرة «أغنية نفسى» تحتفى بذات الشاعر السلبية التى تحب الخير والشر والتى تقبل كل شىء دون تمييز والتى تعشق أن تطفو مع الناس فى المدينة. وهناك أيضًا تلك الهيبية البيويتارنية الشاعرة إميلى ديكنسون التى اعتزلت الناس وارتدت ثوبًا أبيض وسكنت فى عالم مأهول بالمجردات الميتافيزيقية، وهناك هنرى دافيد ثورو الذى رفض أن يدفع الضرائب المقررة عليه احتجاجًا على محاولة القوات الأمريكية ضم تكساس (التى كانت لا تزال تابعة للمكسيك حتى ذلك الوقت)، وقد آثر أن يدخل السجن على أن يدفع الضريبة، ثم حمل أدواته الزراعية ومكث فى الغابة بجوار بحيرة (ولدن) لمدة عامين ليكتشف ذاته وليثبت للعالم أنه كفرد فيه الكفاية والبداية والنهاية.
ولكن حركة الهيبى كأى حركة غير منظمة لا تستند إلى قوى اجتماعية واضحة، تتحول إلى موضة ثم تختفى بعد أن تقيم الدنيا وتشغل الناس بضعة شهور أو أعوام. وهذا هو ما حدث بالفعل فى حركة الهيبى (التى لم يبقى لها من أثر فى الولايات المتحدة). والهيبى لم يكن ينشد التغيير الاجتماعى، إنما كان باحثًا عن النشوة الفردية، والإحساس بالنشوة إحساس مؤقت يخلف الشعور بالمرارة والقلق والملل، على عكس التجارب الإنسانية التى يعيشها الإنسان، فالتجربة، بما فى ذلك التجارب المأساوية، خاضعة للتقنين والفهم وفى نهاية الأمر للتصنيف والاستيعاب، ولأن التجارب لها محتوى إنسانى واضح فإنه يمكن نقلها للآخرين. وقد يصاحب بعض التجارب الإنسانية إحساس بالنشوة مثل تجربة الحب وتجربة التفكير فى الخالق، ولكن النشوة قاصرة على من يحس بها ولا تستمر إلى وقت طويل، ولكل هذا فهى لا يمكن أن تفهم وإنما يمكن أن تمارس وحسب وتظل محصورة فى ذاتها، محتفظة بطابعها الفردى وبارتباطها بالآن والهنا. وهى بهذا تذكرنا بمنطق «الفردوس الآن» الذى يحاول إلغاء جميع التناقضات الاجتماعية والتاريخية لتحقيق النشوة المباشرة والدائمة.
ولأن هدف حركة الهيبى هو الانتشاء وليس التغيير الاجتماعى نجد أنها تنمى إحساسًا عامًا وغامضًا لدى التابعين بالانتماء إلى كيان ما (الكومون أو الكون!) دون تقويم لمحتوى ودلالة هذا الانتماء، وهى أيضًا تركز على الطقوس القبلية التى تساعد المريد على أن يفقد ذاتيته الاجتماعية المحسوسة ويكتسب بدلًا منها ذاتية مجردة منغلقة على نفسها مثل ذاتية المتصوفين. وهى أخيرًا (شأنها فى هذا شأن المجتمع الاستهلاكى) ترتكز على الجنس باعتباره نشاطًا بيلوجيًّا محضًا وطريقًا مختصرًا إلى النشوة الفردوسية الطبيعية (نسبة إلى الطبيعة والفطرة) التى لا يعقبها أية علاقات اجتماعية أو التزامات إنسانية من أى نوع (مثل الزواج أو حتى الحب لمدة تزيد على ٢٤ ساعة). وفى المسرحية الغنائية «هير – شعر» التى تعبر عن حساسية الهيبى تحتفى الأغنيات الواحدة تلو الأخرى بعالم النشوة الجنسية التى تعنى الوعى والذات وتجعل المدن والتاريخ والقلق والأدب والأسلحة الذرية أمورًا تافهة يمكن تجاهلها وتناسيها.
وانتشار المخدرات دليل قاطع على سيطرة الحساسية الفردوسية، فالمخدرات هى خير سبيل إلى النشوة دون أى معايشة للواقع، وهى خير طريق إلى الفردوس الوهمى التى لا تعكر صفوه أية تناقضات، وهى الطريق إلى الشكل دون المحتوى، فالمرء الواقع تحت تأثير المخدرات قد يشاهد أشكالًا رائعة الجمال، وقد يبصر الأشياء المحيطة به وقد تضخمت بشكل مضحك، وقد يرى العلاقات بين هذه الأشياء فى ضوء جديد، ولكنها أشكال بلا محتوى وبلا مضمون إنسانى أو أخلاقى، ولذلك فهى تبقى عصية على الفهم والتفسير. وسيطرة حساسية الفردوس تظهر أيضًا فى التيار الأدبى الأمريكى الذى ينادى بأنه لا جدوى من تقويم الفن أو حتى محاولة فهمه لأن الهدف الأساسى من قراءة العمل الأدبى هو تجربته بشكل مباشر دون تدخل الوعى الإنسانى. فالفن – حسب رأى سوزان سونتاج وهى أحد النقاد الأمريكيين المحدثين – «إن هو إلا شكل من أشكال السحر ووسيلة من وسائل الطقوس»، والعمل الفنى مثل العالم لا محتوى له إذ أنه يوجد فى ذاته ولذاته (تمامًا مثل النشوة ومثل أى «موضوع» أو «شىء» قبل أن يشكله الإدراك الإنسانى)، وهى تعرف الجمال بأنه يتمثل فى وجود «ماكينة خياطة مع مظلة على مائدة تشريح بالمصادفة المحضة» أى أن الجمال ليس نتاج تجربة واعية يقوم صاحبها بتقويمها وتشكيلها ونقلها للآخرين إنما هو شىء يوجد بالمصادفة ودون تدخل الإرادة الإنسانية، تمامًا مثل الأشياء المضحكة التى يراها الإنسان الواقع تحت تأثير المخدر، ولذلك تكون مهمة الناقد أن يمارس هو الآخر إحساسًا غائمًا بالنشوة لا أن يفسر ويشرح ويقوم. وهى فى مطلع كتابها المعنون ضد التفسير تتحدث عن حالة البراءة الأولى الفردوسية قبل ظهور التاريخ والوعى، قبل أن يحتاج الفن إلى تفسير أو تبرير، فاستجابة الملتقى آنئذ كانت دائمًا استجابة مباشرة غير واعية، وهل يملك المرء الواقع تحت سلطان السحر أن يفعل شيئًا سوى أن يتحرك حسب ما تمليه عليه إرادة الساحر المهيبة؟ وفى فيلم «القط فريتز» ثمة منظر طريف يصور لنا هذه الاستجابة المباشرة للشكل المحض، فإحدى الشخصيات تقرأ كلمات القاموس الواحدة تلو الأخرى بصوت عال وبقية الحيوانات المنتشية تهلل وتصفق إعجابًا، لأن كلمة القاموس المجردة التى لا يحدد معناها أى سياق هى خير الأعمال الفنية فهى لا تنقل لنا شيئًا. والدعوة لجعل الفن نهاية فى حد ذاته، إذا كانت منطقية مع نفسها، لا بد وأن تصل إلى هذه الدرجة فمنتهى التجرد هو منتهى الجمال، بل يصبح الصمت هو التجربة الجمالية الحقيقية الوحيدة لأن الصمت هو التجرد من المحتوى والمضمون.
حقًا إن الصمت هو قدس الأقداس للمنتشى الذى يفقد عقله، أما آدم فقد كان عليه أن يتعلم الأسماء كلها كى يصبح إنسانًا سويًّا تخر له الملائكة ساجدة.
3- أهل يسوع أو مسيحيو الطرقات
من أهم الحركات «الفردوسية» السائدة الآن فى الولايات المتحدة حركة تضم قطاعات كبيرة من الشباب المتعلم فى الولايات المتحدة تعرف باسم «أهل يسوع» أو «مسيحيو الطرقات» (ويطلق عليهم المجتمع اسم «شواذ يسوع»). وهذه الحركة خليط غريب من المسيحية والهيبية، فأهل يسوع مثل الهيبى لا يضمهم تنظيم واحد أو حتى عدة تنظيمات، وإنما يجتمعون فى منازل وجماعات يطلق عليها اسم «البيوت المسيحية». وهم يرتدون أردية طقوسية ولا يهتمون كثيرًا بمظهرهم الخارجى ويطلقون لحاهم وشعورهم (مما يذكر المرء بالصورة التقليدية للهيبى والمسيح فى نفس الوقت). كما أنهم لا ينتمون إلى كنيسة بالذات بل تجد بينهم بروتستانت برسبيتريان وبروتستانت موحدين وكاثوليك بل وأحيانًا يهود.
وأهل يسوع متمردون لا على المجتمع المادى الأمريكى فحسب بل على المؤسسات الدينية التقليدية أيضًا التى لا تختلف رؤيتها كثيرًا على الرؤية السائدة فى المجتمع (ومن هنا كانت تسميتهم «بالأهل» تمييزًا لهم عن «الشعب» وهى الترجمة الاصطلاحية التقليدية لكلمة بيبول). وهم فى تمردهم يحاولون أن يبثوا الحياة فى صلواتهم وعباداتهم حتى تختلف عن الصلوات والعبادات التقليدية التى فقدت معناها وتحولت إلى طقوس فارغة، فبدلًا من قراءة الأناشيد الدينية التقليدية من كتاب رشيق مغلف بالجلد المذهب يفضل أهل يسوع الغناء الحر الذى لا يخضع لقاعدة أو رابط. ولأن الصلاة نابعة من الروح كثيرًا ما ينخرط بعض المصلين فجأة فى البكاء أو يطلقون بغتة صرخات الفرح أو يغمغمون عبارات غير مفهومة أقرب إلى لغة الواصلين ومن رفعت عنهم الحجب. وفى الخلفية يعزف الأرغن موسيقى دينية لا ينصت إليها أحد وإن كانت تضفى على الصلاة طابعًا دينيًّا عميقًا. وبعد الصلاة تدور سلة النذور والهبات بين المصلين، ويطلب من القادرين أن يدفعوا مما معهم ومن المعوزين أن يأخذوا مما قد يسد حاجاتهم، ثم يستمر الغناء عن الحب والسلام والصداقة إلى أن ينصرف كل إلى حاله أو ينام فى مكانه إن شاء. والصلاة تعقد فى أى مكان، فالبيوت المسيحية هى منازل للسكنى وكنيسة للصلاة وعيادة لعلاج مدمنى المخدرات. واقتصادياتها بسيطة للغاية، فأعضاؤها يعيشون على الصدقات التى تأتيهم على شكل نقود أو ملابس قديمة مستعملة، كما أنهم عادة ما يتناولون وجبة واحدة فى اليوم تتكون عادة من البقول (وهى زهيدة الثمن)، وقد قابلت ابن صديق لى كنت أعرفه قبل أن يصبح من أهل يسوع، وأخبرنى أنه لم يذق طعم اللبن زهاء نصف عام، وهذا أمر غير طبيعى البتة بالمقاييس الأمريكية.
وحركات البعث الدينى غريبة على الحضارة الأمريكية، فالولايات المتحدة بدأت ككومنولث دينى وتخلل تاريخها مصلحون دينيون عديدون من أشهرهم جوناثان إدواردز الذى حاول أن يعيد بعث العقلية البيوريتانية المتزمتة فى القرن الثامن عشر، كما أن السنين القليلة الماضية رأت واعظين مثل بيللى جراهام (واعظ الرئيس نيكسون المفضل) حاولوا بعث حرارة الإيمان الدينى. ولكن كل هذه الحركات، على عكس حركة الإصلاح الدينى فى عصر النهضة، ليس لها طابع طبقى أو اجتماعى واضح أو مستتر، وليس لها أية أبعاد راديكالية حتى بالمقاييس الأمريكية، فهى لا تطرح رؤية متكاملة مختلفة عن الرؤية الدينية السائدة كما فعل مارتن لوثر، على سبيل المثال، الذى بشر بطريقة فردية للخلاص تختلف فى بنيتها ومحتواها عن مفاهيم العصور الوسطى الكاثوليكية. ولكن رؤية لوثر رغم صبغتها الدينية كانت فى صميمها رؤية اجتماعية تعبر عن قوى حقيقية فى المجتمع، ولذلك قدر لحركته الفعالية والاستمرار، أما معظم حركات البعث الدينية الأمريكية فعلاقتها بالواقع واهية أو منعدمة لا تقدم رؤية متكاملة مكتفية بتقديم الحلول العاطفية مثل «الحب» و«التفاهم» دواء شاف لأمراض البشرية. إن أهل يسوع يبحثون عن أسطورة جديدة محل أسطورة «الإنسان العصامى» الضيقة وأسطورة «الهيبى الفاشل» المخربة، ولذلك فهم يعودون لفكرة «الإنسان المسيحى فى بساطته الأولى» وهم فى هذا يدخلون الحضارة الأمريكية الاستهلاكية من أوسع أبوابها، باب الرفض الشامل للتاريخ والواقع الاجتماعى، والرفض الكامل يختلف عن محاولة التغيير الثورى فالوجدان الثورى وجدان اجتماعى تاريخى يحاول أن يكتشف ما هو كامن فى المجتمع ويقدم رؤى هى فى صميمها «إمكانيات حقيقية» لا يفرض حلولًا «فردوسية» من خارجه.
ورفض أهل يسوع للتاريخ وللواقع يظهر فى الحرفية الكاملة فى تفسير الإنجيل، فحينما سألت ابن صديقى أن يلخص لى عقيدته قال لى إنها الإيمان بأن الإنجيل هو كلمة الرب وأن من واجب المسيحيين نشرها بين الكفار دون محاولة تفسيرها (ضد التفسير مرة أخرى). ثم دخل بعد ذلك فى متاهات عديدة عن عودة المسيح الثانية الوشيكة الوقوع ونهاية العالم القريبة (والإيمان بقرب انتهاء التاريخ هو سمة أساسية للتفكير المعادى للتاريخ) ولأن النهاية قريبة يصبح كل شىء واضحًا للغاية لا يحتاج تفسيره إلى عناء كبير، بل أن كل التفاصيل تصبح عديمة الأهمية. ومن ضمن علامات الساعة انتشار الفساد بالطبع ودخول عشر دول السوق الأوروبية المشتركة، (واستشهد ابن صديقى بالإنجيل فى هذا الشأن) وإنشاء الدولة اليهودية فى أرض الميعاد لأنها تعنى تجميع اليهود من أطراف الأرض إعدادًا لهدايتهم جميعًا للدين المسيحى وتمهيدًا لتحقيق «الفردوس الآن». وحاولت أن أبين لمحدثى قصور رؤيته الميتافيزيقية الثابتة عن طريق تنبيهه لبعض الاعتبارات النسبية والتاريخية، فسألته عن جدوى هداية الكفار فى هذا الوقت الذي تدمر فيه الطائرات الأمريكية كل أشكال الحياة في فيتنام، والذى تهرق فيه الاحتكارات الرأسمالية إنسانية المواطنين الأمريكيين، المؤمن منهم والكافر! ثم سألته فيم تأكده أن دولة إسرائيل الحالية هى الدولة التي ستجمع كل يهود العالم وما يدريه لعله تنشأ دولة يهودية أخرى بعد أن تزول هذه! ولكنه كان مطمئنًا إلى رؤيته الثابتة كل الاطمئنان واثقًا بها كل الثقة، واستشهد مرة أخرى بالإنجيل دون تردد.
ويبدو أن الطمأنينة الداخلية أو النشوة الدينية التى يحققها الإيمان الأعمى والحرفى هو ما ينشده، أهل يسوع، ولذك فتجربتهم الدينية الجديدة لا ينتج عنها أية استنارة فكرية، بل يظل المؤمن المنتشى يدور حول نفسه دون أن يدخل فى علاقة حقيقية مع الواقع أو حتى مع نفسه، وهذا الإغراق فى الذاتية يتضح فى الأشكال المختلفة التى تأخذها العبادة فى هذه الكنائس، فقد انتشر ما يسمى «بصلوات اللمس» بحيث تمسك بيد من جوارك وتغمض عينيك وتفكر فى أى شىء يطرأ على ذهنك ثم تخبر كل الحاضرين به «فيشاركونك» فى آلامك وآمالك ويفرحون لفرحك ويحزنون لحزنك وهكذا، والمفروض أن الاتصال الجسدى يزيد من حرارة المشاركة ولكنها تظل على الرغم من ذلك مشاركة لفظية محضة تذكر المرء بالتقارير العاطفية المطبوعة إياها ومذيعة التليفزيون الجالسة داخل الشاشة ترسل لك بتمنياتها الحارة وهى فى حجرتها المكيفة بالهواء. فكنائس اللمس لا تكون مجموعات بشرية متماسكة بل هى أقرب إلى الجلسات العلاجية النفسية.
وقد تأخذ العبادة شكل التداعى الحر حيث يجلس المصلون يحكى كل منهم عما يقلق باله، فيحاول بقية الحاضرين بكل حرارة وإخلاص «مساعدته» فى حل مشاكله. وقد ذهبت مع ابن صديقى لحضور إحدى هذه الجلسات وحاولت مرة أخرى أن أدخل عنصرًا سياسيًّا تاريخيًّا على هذه الجلسة الروحية النفسية فأخبرت المصلين أن مشكلتى تتلخص فى أننى مصرى عربى يعانى من العدوان الإسرائيلى على فلسطين ومصر، وأن هذا هو سبب حزنى وتعاستى الشخصيتين (والله وحده يعلم أننى لم أكن كاذبًا أو مزيفًا فى قولى هذا) فأخبرنى أحد الحاضرين أنه عن طريق الحب يمكن حل كل المشاكل فاستفسرت عما إذا كان ذلك يتضمن المشاكل الدولية فكانت الإجابة بالإيجاب.
وتحاول بعض الكنائس أن تخلط العبادة بالهوايات أو حتى الانحرافات الشخصية فهناك على سبيل المثال كنيسة «المنزلقين على الأمواج». والانزلاق على الأمواج هواية رياضية شائعة فى كاليفورنيا استوردت من جزر هاواى. إذا ما أصبحت عضوًا فى كنيسة المنزلقين هذه فستمارس رياضتك المفضلة بعد أن تفضى عليها هالة من القداسة والروعة وبالتالى تصبح الهواية دينًا، والدين هواية. ولتحقيق هذا المحال كل ما عليك أن تفعله هو أن تقول «الحمد لك يا إلهى لكرمك نحونا ولكل الأمواج الرائعة التى ترسلها لنا». وتقول مجلة تايم إن مايك وندر بطل الانزلاق على الأمواج وجد «الموجة المثالية» فى هاواى، الموجة التى يتمناها كل منزلق قديم، ولكنها لم تدخل السعادة على قلبه مما جعله يشعر بأنه ينقصه شيئًا ما، ومن هذه اللحظة بدأ طريق العودة للمسيح. وهناك أيضًا الآن كنائس للشواذ من الجنسين يرأسهم قس يعانى أو يتمتع بنفس الشذوذ الذى يتسم به أعضاء كنيسته وهو الذى رسم نفسه بنفسه قسيسًا كما هو الحال مع معظم هذه الكنائس النفسية المستقلة الحرة.
وقد يبدو هذا غريبًا علينا بعض الشىء، مسلمين كنا أم مسيحيين، لأننا ننظر للتجربة الدينية على أنها ليست بالضرورة مصدر سعادة خاصة ودائمة، بل هى أيضًا مصدر قلق وتساؤل بل وصراع ينجم عن محاولة فرض المثال على الذات الإنسانية، ولكن إذا كان الهدف من العبادة هو النشوة وراحة البال فإن مثل هذه الكنائس تحقق الغاية المنشودة منها إلى أقصى حد.
وكما قال لى أحد أصدقائى إن التحليل النفسى هو الدين الوحيد فى الولايات المتحدة، فمن وجهة نظر سيكولوجية ليبرالية لا يمكنك أن تصدر أحكامًا أخلاقية أو فلسفية من أى نوع على أى فرد، فغاية المجتمع هى إراحة أعضائه نفسيًا عن طرق تدريبهم على فن التأقلم مع الواقع (كما هو) وتحقيق الطمأنينة والثقة الكاملتين فى النفس (وهى نفس لا وجود حقيقى لها لأنها متأقلمة مع الواقع مندمجة فيه منسجة معه ومنه). وقد نجحت حركة أهل يسوع فى تحقيق الطمأنينة الداخلية والانسجام لأعضائها مما جعلهم يتغلبون على وباء المخدرات المنتشر فى الولايات المتحدة. ولكنها فى نفس الوقت حولتهم لأفراد أحاديى الرؤية وشخصيات جامدة ورجعية.
وهذا هو سر بهجة آلهة مجتمع السلع التى رحبت بالعبادة الجديدة وحققت عن طريقها أرباحًا خيالية (والشباب من أهم القطاعات الاستهلاكية فى المجتمع الأمريكى) فهناك الإعلانات المسيحية الملونة التى تعلقها على جدران حجرتك، والقمصان والأزرار المسيحية التى تعلن بها عن هويتك الجديدة، والأغانى والمسرحيات المسيحية التى تسرى عنك، بل وهناك ساعة يد مرسوم عليها وجه المسيح ويقوم هو بنفسه بالإعلان عنها فى التلفزيون (والعهدة على الراوى لأننى لم أر هذا الإعلان بنفسى وإن كنت قد رأيت الإعلانات والقمصان والأزرار والساعة نفسها). وهكذا ما بدا على أنه تمرد ضد مادية المجتمع الأمريكى وقيمه، وقع فى براثن المنطق الفردوسى الرجعى ثم فى قبضة آلهة السلع التى لا ترحم.
4- انتحار المسيح فى برودواى
ثمة تيار عملى قوى يسرى فى التفكير الدينى المسيحى فى الولايات المتحدة، فالبيوريتانيون، شأنهم فى ذلك شأن بعض الطوائف البروتستانتية المتطرفة، كانوا يتصورون إنه إذا رضى الله عن فرد فإنه يصيب من النجاح المادى والتجارى الشىء العظيم (وهكذا يصبح الدين إتجار أو الإتجار دينيًّا، وهذا سمة أساسية فى التجربة الدينية البورجوازية سواء فى أمريكا أو مصر)
وقد نجح اليمين الأمريكى فى أن يحول قصة المسيح، إن كان ميلاده أو صلبه أو بعثه، إلى ما يشبه قصة الرجل العصامى الناجح الذى تنتهى حياته التعسة «نهاية سينمائية سعيدة» وهى نهاية سعيدة يلقاها أيضًا أى مؤمن ورع، وقد أطلق بعض المتمردين اصطلاح المسيح «وعشرة فى المائة» على هذا الضرب من التدين التجارى الذى يرى أن الإيمان تجارة مربحة يقبض ريعها فى هذا العالم (وفى الفردوس الأصلى) والذى يحول التجربة الروحية إلى شىء كمى يمكن أن يقاس ويحسب بالمليم.
وتمثل حركة أهل يسوع تمردًا على هذه العقلية التجارية ولكن حتى هذا التمرد يمكن تحويله إلى استثمار مالى مربح. وهذا ما كانت تفكر فيه برودواى – حى المسرح فى نيويورك – حينما استولت على قصة المسيح وحولتها إلى مسرحية عنوانها «يسوع المسيح: النجم الأعظم». وقد كتب أغانى المسرحية تيم رايس ولحنها أندرو ويبر، وكلاهما كان مغمورًا قبل الاشتراك فى هذه المسرحية، وأخرجها توم أوهورجان الذى أخرج من قبل مسرحية «هير» (شعر). والمسرحية تعالج موضوعًا قديمًا مطروقًا، الصراع بين الروح والمادة مستخدمة قصة حياة المسيح فى أيامه السبعة الأخيرة، بعد إضفاء مسحة عصرية عليها وبعد استبعاد عديد من المشكلات اللاهوتية مثل إلوهية المسيح وبعثه من قبره بعد صلبه.
والإشارة فى عنوان المسرحية إلى «النجم الأعظم» لها مدلولات ثلاثة:
أولًا: مدلولها المسيحى التقليدى على أن المسيح هو النجم الذى ظهر فى بيت لحم.
ثانيًا: مدلولها العام، فالنجمة تظهر فى الظلمات لتبددها فهى رمز للروح التى تصارع قوى الظلام والشر.
ثالثًا: مدلولها المعاصر بمعنى أن المسيح نجم سينمائى لامع يستحوذ على إعجاب الجماهير مما يجعلها مهووسة بحبه.
تفتح الستارة على يهوذا الإسخريوطى يحاول الفكاك من أربعة رجال يرتدون ملابس غريبة فى لون العنكبوت، وهم فى سلوكهم يشبهون ربات العذاب فى الأساطير الأغريقية. ويظل الأربعة يضيقون على يهوذا الخناق إلى أن يستسلم لهم ثم يبدأ فى غناء الأغنية الافتتاحية «السماء فى عقولهم»:
لقد صفا عقلى الآن – أخيرًا أرى بوضوح كيف سينتهى بنا الأمر.
إذا نزعت الأسطورة من الرجل لعرفت كيف سينتهى بنا الأمر.
يسوع! لقد بدأت تصدق
ما يقولونه عنك.
إنك حقًا لمؤمن
بأن هذا الحديث عن الإلوهية حقًا.
وكل الخير الذى أنجزت
سريعًا ما سيجرفه التيار.
لقد بدأت تفوق فى أهميتك
الأشياء التى تقولها.
إن يهوذا الإسخريوطى غير راض «أن تتجسد» الفكرة فى شخص إنسان محسوس، لأن التجسد يعنى أن ترتدى الفكرة الكاملة والمثال المجرد رداءً إنسانيًّا محسوسًا يقلل من كمالهما ويدنس من طهرهما، وهو تحول تحيطه الأسرار ولا يمكن للعقل التجريبى تقبله بسهولة، وقد يقال إن الإنسان العملى لا يمكن أن يكون تجريديًّا، وفى هذا خطل فى الرأى، فالإنسان العملى ضيق الرؤية لا يحب أن يتعامل إلا مع ما يمكن قياسه بالأرقام (النقود والكميات والمساحات) والأرقام هى أكثر الأشياء تجريدًا لأنها مجرد علامة تشير إلى الشىء المحسوس وتحل محله.
أما الإنسان الكريم رحب الرؤية المؤمن بالإنسان فإنه على استعداد لتقبل الظواهر المركبة التى قد تختلف عن رؤيته هو، كما أنه على استعداد للإيمان بالحب والعدالة والجمال على الرغم من أنها قيم لا تقاس ولا توزن وليس لها ثمن معروف أو غير معروف. ويهوذا الكمى الذى يحسب حساب كل شىء يحذر المسيح من أن يجعل نفسه «المسيح المنتظر» ومن أن يوقد نيران الحماس الدينى بين الجماهير:
أعر أذنًا صاغية لوعيدى يا يسوع،
بالله فلتذكر أننى أريد أن نستمر كلنا فى الحياة،
ولكن من المحزن أن أرى فرص بقائنا تضعف مع كل ساعة،
فكل أتباعك على عيونهم غشاوة.
خيمت السماء على عقولهم أكثر من اللازم.
كم كان الأمر جميلًا ولكنه أصبح الآن مريرًا،
نعم لقد أصبح كل شىء مريرًا.
إن السماء التى لا يمكن إدراكها بالحواس الخمس هى رمز السمو الذى يعذب وجدان يهوذا التجريبى الذى يقف بالمرصاد لكل عاطفة غير مقننة. فحينما تربت مريم المجدلية على شعر المسيح يثور ويزمجر صاحبنا المتدبر ويتهم المسيح بعدم الاتساق المنطقى مع نفسه لأن مصاحبته للمجدلية لا تتفق مع ما يدعو إليه. ويهوذا ثورى ولكن ثوريته منحصرة فى نطاق رؤيته الاقتصادية الضيقة، ولذلك فهو يعنف المجدلية لتضميخها المسيح بالعطور. ألم يكن فى مقدورها أن توفر النقود التى أنفقتها على المراهم والعطور لتعطيها للفقراء والمعوزين؟ وحتى حينما تهزم يهوذا عاطفة حبه للمسيح فإنه يستنكر هذا الحب ويتعجب كيف يمكن لرجل مثل هذا أن يؤثر فيه وأن يبعث فى نفسه الخوف والرهبة. ثم يتساءل عما إذا كان سيدعه وشأنه بعد أن يصلب أم أن شبحه سيظل يطارده؟ وتختلط الأموار أمام يهوذا ويتركه صفاء عقله كلية بعد أن يسلم المسيح إلى قاتليه من أجل «الصالح العام» وينتهى به الأمر إلى شنق نفسه بعد أن يفشل فى رؤية الروح المتجسدة وبعد أن يرضخ للسر. ولكن حتى بعد أن تصعد روحه إلى الرب فإنه لا يكف عن الجدل والنقاش فهو يعاتب المسيح لتركه الأمور تسير دون أية ضوابط أو تخطيط علمى، بل أنه يعيب على المسيح اختياره أرضًا غريبة وحقبة تاريخية متخلفة لينشر رسالته فى الأرض:
لو أتيت فى عصر كهذا لوصلت كلمتك للأمة بأسرها.
فإسرائيل فى السنة الرابعة قبل الميلاد لم يكن فيها وسائل إعلام جماهيرية.
لا تسىء فهمى – فأنا لا أنشد إلا المعرفة.
إن يهوذا دائب البحث دون كلل ودون نهاية عن معرفة يقينية عملية.
ويهوذا ليس وحده فى هذا الشأن فكهنة اليهود يفشلون أيضًا فى فهم يسوع وما يبشر به، فكل الأمر بالنسبة لهم إن هو إلا «الجنون اليسوعى» الذى هو استمرار للجنون الذى بدأه يوحنا المعمدان «حينما كان يقوم بحكاية التعميد إياها» على حد قول الكاهن الثالث فى المسرحية. وكما قُتل يوحنا المعمدان لتحديه البيروقراطية الدينية لا بد وأن يُقتل أيضًا هذا النبى الجديد، إذ كيف يتأتى لهؤلاء الكهنة أن يقبلوا فكرة النبوة الخلاقة وهى فكرة تنطوى على أن الإنسان ليس عبدًا لحواسه أو بيئته وقد لا يؤمن الإنسان بإمكانية حدوث المعجزات لا فى الحاضر ولا فى الماضى ولكن المقدرة على الإتيان بالمعجزات فى هذا العمل الفنى هى رمز المقدرة على الارتفاع على الحواس وعلى المواصفات الاجتماعية السائدة ولهذا يكون فى رفض الكهنة اليهود للمعجزات وفى كرههم لها دليل على أنهم جسد بلا روح.
والجماهير فى الخارج ساخطة صاخبة لا تلوى على شىء تنادى على معبودها «النجم الأعظم»:
هيى ى. م. لماذا لا تبتسم لنا
الحمد لله الحمد، هيى يا نجمنا الأعظم!
يا مسيح أنت تعرف أننى أحبك
ألا ترى لقد لوحت بيدى؟
إنى أؤمن بالرب
فلتخبرنى إذن أننى كتب لى الخلاص
ولكن الجماهير الوالهة لا ترى سوى نجمها السينمائى العظيم وهى مولعة باختصار الأسماء على الطريقة الأمريكية (ى. م. اختصار يسوع المسيح) لأنها جماهير عملية على عجلة من أمرها تصر على الخلاص الفورى المربح. وحتى المرضى هم أيضًا يهاجمون المسيح، كل يطلب معجزة فورية تأتى له بالشفاء الناجع.
هل لك أن تلمسنى لتشفينى يا مسيح،
هل لك أن تقبلنى، هل لك أن تتصدق على يا مسيح؟
إن المسيح بالنسبة لهم هو الساحر/الطبيب القادر على القيام بالحيل وعلى الإتيان بالشفاء العاجل، أما المغزى الروحى والإنسانى العام لحياته والآمه فهذا ما لا يمكنهم إدراكه. وحينما يقبض عليه فهذا لا يسبب أى أسى لهم فهم يرون محاكمته على أنها مجرد فصل آخر فى فيلم سينيمائى مثير، بل ويذهبون إلى حد المطالبة برقبته والتحدث إليه باستخفاف شديد:
أخبرنا يا مسيح ما هو شعورك الليلة
هل تنوى أن تصمد؟
هل تفكر فى التقاعد الآن؟
أم تعتقد أنك سيرتفع مقدارك؟
وما رأيك فى محاكمتك المقبلة؟
تعال معنا لترى الكاهن الأكبر،
فأنت سيروق لك منزله للغاية،
وسيروق لك كذلك الكاهن ذاته
وستموت فى منزل الكاهن الأكبر.
أنت عليم بيقين مؤيديك
من أنك ستهرب فى اللقطة الأخيرة من المنظر.
إن الجماهير باستخدامها لغة وصور تذكرنا بلغة وصور العصر الحديث تنقلنا من أيام المسيح لأيامنا هذه، وبالتالى فالمسرحية تدعونا لأن نرى أنفسنا على أننا شركاء فى الجريمة، فإن المسيح هو رمز البطل الذى لا يزال عليه أن يدفع دمه ثمنًا لبطولته وإصراره على إنسانيته وحريته ورؤيته.
والحواريون أنفسهم لا يختلفون عن الجماهير أو الكهنة أو يهوذا فهم أيضًا يطاردون المسيح بأسئلتهم وبرغبتهم فى المعرفة اليقينية وهم لا يجدون أية إجابة لتساؤلاتهم، ولكن حينما يعلمون أن المسيح على وشك أن يصلب تغوص كل محنهم وآلامهم النفسية فى بركة هادئة من الخمر والدم، ويبدأون فى استخلاص العظات والعبر من حياة هذا الرجل المصلوب ويفكرون جديًّا فى التقاعد ليكتبوا الأناجيل «حتى يستمر الناس فى الحديث عنا بعد موتنا» إن المسيح بالنسبة لهم نجم أعظم وتكئة لتحقيق أهدافهم العملية المباشرة، فهم عن طريقه سيصبون الشهرة والخلود.
فى وسط هذا الضجيج والصخب والضوضاء الرتيبة توجد ثلاث شخصيات لها أبعاد إنسانية أصيلة: المجدلية وبيلاطس والمسيح نفسه.
أما المجدلية فهى فتاة طيبة القلب تجمع فى شخصيتها بين الأم والحبيبة، فبينما يمزق الحواريون المسيح بأسئلتهم عن «أين ومتى ومن وكيف» هى وحدها تحاول أن تهدىء من خاطره:
كل شىء على ما يرام، نعم كل شىء طيب،
ونحن نريدك أن تستغرق فى النوم الليلة،
ولندع العالم يدور بدونك الليلة،
اغمض عينيك، اغمض عينيك،
اهدأ واسترح ولا تفكر فى شىء الليلة.
ورغم أن المجدلية ترى مثل يهوذا أن المسيح، فى كثير من الوجوه، مجرد رجل آخر، إلا أنها تحس أنه رجل ليس مثل كل الرجال، ولذلك فهى لا بد وأن تحبه بطريقة جديدة فريدة تتناسب مع شخصيته. وهى تدهش من التحويل النفسى الذى طرأ عليها، فقد كانت دائمًا باردة هادئة لا تخضع للحب وأهوائه، كانت دائمًا سيدة الموقف أو المنظر على حد قولها (والصورة السائدة فى المسرحية هى صورة العالم كفيلم سينمائى). وكانت مثل الآخرين عملية الرؤية تسيطر عليها الرؤية الاجتماعية السائدة، وفجأة يبعثها حب المسيح من موتها النفسى والإنسانى، ولكنه على الرغم من ذلك يخيفها ويدخل على قلبها الرهبة لأن حبها له يملك عليها شغاف قلبها ويخرجها من الانغماس فى عالم التدبر والحساب والخطط والحيل والفضائح والشهرة والنجوم السينمائية المتألقة فنجمها هو رمز الحب والخير والجمال. إن هذة المحبة الوفية والأم الرؤوم تقف وحدها مع المسيح ساعة محنته حتى بعد أن باعه أحد أتباعه وأنكره آخر.
وإذا كانت المجدلية تصل إلى خلاصها عن طريق الحب فبيلاطس الوثنى الرومانى لا ينشد الخلاص أساسًا، بل يرى عدم جدواه واستحالة وعبث محاولة البحث عنه، ومن هنا كانت نسبيته واشمئزازه من اليهود ومن الجماهير الصاخبة التى تطالب بدق عنق المسيح. أن بيلاطس لا يبحث عن الله ولكنه لا يهبط إلى مستوى الرؤية الأحادية العملية الضيقة لأنه ليس له ولاء محدد لأى شىء وإن كان عنده إحساس بإنسانية المسيح. يرى بيلاطس فى ما يرى النائم أن هناك رجلًا من الجليل تبدو على محياه نظرة الفريسة المطاردة، فيسأله المرة تلو الأخرى كيف وصل به الأمر إلى هذا الحد؟ ولكن الجليلى لا يتفوه بكلمة، ثم تمتلىء الحجرة بآلاف الرجال المتوحشين الساخطين المفعمين بكره هذا الرجل، ثم يرى بيلاطس بعد ذلك مئات الملايين التى تبكى وتنتحب من أجل الجليلى ويلقون عليه هو اللوم لصلبه. ويحكى هذا الحاكم الرومانى قصة الحلم بلغة بسيطة تنم عن الاشمئزاز والدهشة من هذا الهوس الدينى الزائد الذى لا يمكنه أن يسبر له غور، وهو فى عزلته يشبه فى كثير من الوجوه الجليلى الحزين، ومما يؤكد ذلك الموسيقى الحزينة التى صاحبت أغنية «حلم بيلاطس» والتى توحى للمستمعين بأن ولاءه، إن كان عنده أى ولاء، إنما يتجه إلى المسيح إلى حد كبير.
وحينما يتحقق الحلم ويؤتى بالجليلى سجينًا لمحاكمته يحاول بيلاطس مقارعته الحجة بالحجة، فيخبره المسيح أنه يبحث عن الحقيقة فيجيبه الرومانى:
ولكن ما هى الحقيقة؟ هل الحقيقة قانون ثابت؟
لكل منا حقيقته، فهل الحقيقة بالنسبة لى ولك نفس الشىء؟
ثم يلتفت إلى الجماهير ليخبرها أن المسيح قد يكون مجنونًا من الواجب وضعه فى السجن، ولكن هذا ليس بسبب كاف لتدميره كلية:
إنه رجل صغير حزين
وما هو بملك وما هو بإله
وما هو بلص – إنى محتاج لجريمة ارتكبها هذا الرجل كى أضعه فى السجن.
ولكن المسيح يعرف أنه لا أمل ويعرف أيضًا أنه من الأفضل الاستسلام، فلا بيلاطس ولا غيره بقادرين أن يفعلوا شيئًا ... فكل شىء ثابت لا يمكن تغييره.
والإيمان بثبات الأشياء كلها وبعبث محاولة تغييرها عن طريق الكفاح السياسى أو الاجتماعى أو حتى الفردى هو أحدى الركائز التى تستند إليها فلسفة الهيبى وأهل يسوع، وهذا موقف ينتج عنه السلبية المطلقة والدوران حول المثاليات الميتافيزيقية الثابتة. ويبدو أن مسيح هذه المسرحية حتمى متطرف فى رؤيته – فحينما احتج يهوذا على إسراف المجدلية، يعنفه يسوع لضيق أفقه ولكنه يسوق له المنطق التقليدى أنه ليس لدينا الإمكانيات الكافية لإطعام كل الفقراء وأنه سيكون هناك فقراء دائمًا. وعلى عادة الهيبى فإن هذا الإحساس القدرى يؤدى إلى دعوة يهوذا والآخرين إلى الاستمتاع بحياتهم «الآن وهنا»، وبالحب الذى يغدقه عليهم. والمسيح نفسه يقبل دعوة المجدلية أن «يدع العالم يدور بدونه الليلة» لأنه إذا كان العقل الإنسانى عديم الجدوى فكل الأمور متساوية. ولكن إلى جانب هذا المسيح يوجد مسيح السيف الذى يدخل المعبد ليطرد التجار والمرابين:
معبدى لا بد وأن يكون بيتًا للعبادة،
ولكنكم حولتموه إلى وكر للصوص والكهنة.
وهو يكره التجار والنفعيين والوصوليين والكهنة الذين حوّلوا الحياة كلها إلى سوق كبيرة – وهناك أيضًا المسيح المنشود الذى يؤمن بالمعرفة الحدسية والذى يؤمن بأنه حتى لو سكتت كل الألسنة فالصخور والأحجار ذاتها ستبدأ فى الشدو.
وهو إلى جانب كل هذا إنسانى عميق الإنسانية تمزقه معرفته بخيانة أتباعه له:
تصبح النهاية أكثر قسوة
حينما يسببها الأصدقاء.
ألا تعلمون أن هذا الخمر قد يكون دمى.
ألا تعلمون أن هذا الخبز قد يكون جسدى.
النهاية!
هذا هو دمى الذى ترشفون،
هذا هو جسدى الذى تأكلون.
آه لو تذكروننى حينما تشربون وتأكلون.
انظروا إلى وجوهكم الجوفاء إن اسمى سوف لا يعنى شيئًا لكم بعد عشر دقائق من موتى.
أحدكم ينكرنى،
والآخر يخوننى.
وتمزق المسيح هو علامة إحساسه بنفسه كإرادة مستقلة واعية ولذلك فهو يسائل ربه عن معنى نهايته وصلبه، وهل كان من الحتمى أن ينتهى هذه النهاية وما المبرر لهذه التضحية؟ وحينما يذعن أخيرًا لإرادة خالقه فإن إذعانه تلفحه لفحة احتجاج قوية وإن كانت مستترة:
حسنًا سأموت
ولكن انظر إلى لحظة موتى.
انظر كيف أموت، فلتثبتنى بالمسامير،
سأشرب كأس سُمّك على الصليب، ولتكسر عودى،
ولتنزف دمى، ولتضربنى، ولتقتلنى، ولتأخذ روحى الآن – قبل أن أغير رأيى.
وهكذا يمزق المسيح قناع الهيبى الغارق فى اللحظة والباحث عن الراحة الإبيقورية. ولكن هذا الجانب المتمرد عبارة عن لمسات لا تغير من البناء الأساسى للشخصية، فالمسيح يظل هيبيًّا أولًا وأخيرًا، منحصرًا فى تجربته الذاتية وفى تأملاته وفى عالمه المستقل عن الناس والمجتمع، وهذا يضع الصلب فى إطار جديد إذ يصبح نتيجة حتمية لوقوف البطل وحيدًا فى مواجهة أتباعه وأعدائه. بل أنه يمكن رؤية الصلب فى هذه المسرحية على أنه نوع من الانتحار (خاصة وأنه لا يتبعه بعث)
والانتحار يعد شكلًا رومانتيكيًّا من أشكال تحقيق الذات، بل هو أعلى هذه الأشكال لأنه الفعل الذى لا تمليه سوى الإرادة الذاتية المطلقة، وهو النقطة التى لا أوبة منها ولا رجوع. إنه السرمدية بعينها (بل أنه الفردوس والجحيم الآن فى الوقت ذاته). ولعل هذا ما كان يعنيه يسوع حينما يخبر سيمون أنه لا أحد: لا سيون ولا الآلاف المؤلفة التى تهتف باسمه ولا الرومان ولا اليهود ولا يهوذا ولا الحواريون ولا الكهنة ولا الكتبة ولا أورشليم نفسها يفهمون ما هى القوة وما هو المجد:
كى تهزم الموت، يجب عليك أن تموت وحسب،
يجب عليك أن تموت وحسب.
إن الموت الذى يشير إليه يسوع فى هذه المسرحية ليس هو الموت الرمزى اللازم لدخول الحياة المسيحية الكاملة، ولا هو الموت الذى يسبق الحياة الآخرة، إنما هو فناء كامن لا بعث بعده ينهى كل الآلام والآمال.
وقد حاول المخرج أن يضفى ضربًا من الوحدة على عناصر المسرحية المتضاربة سواء كان العنصر الدينوى الحديث أو العنصر المسيحى التقليدى أو العنصر المسيحى الهيبى، فحوّل المسرحية إلى مجموعة من الصور الرائعة الجمال التى ليس لها محتوى واضح والتى تحاول التأثير فى المشاهدين بشكل مباشر وإن تترك فى نفوسهم أثرًا عميقًا محسوسًا لا أثر للفكر أو النظرية فيه، أى أنه حاول تخطى المحتوى الفكرى عن طريق الصورة المحسوسة المتكاملة. وتوم أوهرجان مخرج المسرحية مغرم بما يسمى «الوعى الخرافى» (فى مقابل «الوعى الحديث») فالإنسان صاحب الوعى الخرافى لا يفكر ولا ينظر بل يستجيب استجابة المؤمن للطقوس الدينية التى يمارسها. وقد حاول تطبيق نظريته فى إخراج هذه المسرحية بأن أكد العناصر المرئية التى تغرق المشاهدين وتجعلهم يعشون داخل الطقوس المسرحية وليس خارجها.
ومن أول وهلة نفاجأ بأن الستار عبارة عن جدار هائل ينزل إلى الداخل ليصبح هو ذاته خشبة المسرح. ونكتشف أن الجدار عليه خمسة رجال أحدهم يهوذا والآخرون هم رمز وجدانه المعذب، وتبدأ المطاردة والجدار لا يزال فى وضعه الرأسى. وحينما يظهر بيلاطس فإنه يدخل من باب على هيئة رأس قيصر ضخمة ذات خمس جباه وعشر عيون، كل جبهة وعينين فوق الأخرى لتعطى إحساسًا بعظمة وضخامة روما.
والمسيح فى أحد المناظر يخرج من شىء يشبه الكرة بعد أن يمزقه، مما يوحى أنه مثل الفراشة التى تخرج من الشرنقة ثم يرتفع إلى علو شاهق بواسطة مصعد صغير غير مرئى لأنه مغطى برداء المسيح الذهبى الذى يصل طول ذيله حوالى ٢٠٠ متر على الأقل، وقد بلغت تكاليف هذا الرداء حوالى ٢٠ ألف دولار. وبعض المناظر تستحوذ على المتفرج وتجعله يشترك بكل عواطفه فيما يدور أمامه، ولكن بعض المناظر الأخرى تذكر الإنسان بالتلفزيون الأمريكى وبأفلام هوليود الفخمة.
ولكن المخرج مع ذلك لم ينجح بتاتًا فى حل المشكلة الأساسية التى واجهته: أعنى ترجمة قصة المسيح إلى صيغة أمريكية معاصرة مع الاحتفاظ بصبغتها المسيحية. فالمسيح التقليدى كان فى المسرحية ولكنه لم يمتزج بالمسيح الأمريكى المعاصر ولذلك يظل المدلول الرمزى والأسطورى العام سطحيًّا، ولا يتذكر القارىء أو المستمع أو المشاهد سوى لمسات رائعة وصورًا شعرية جميلة ومناظر مدهشة ولكنه لا يعيش بتاتًا رؤية متكاملة.
الباب الثالث
الإنسان بين الأشياء والبراءة الأولى
حينما تغمض عينيك فإنك تبصر لأن الإنسان له بصر وبصيرة، عين حسية ترى الأشياء وأخرى حدسية تخترق السطح لتصل إلى البنية الكامنة وطبيعة الوجود. ولأننا لا نقنع من الأشياء بسطحها ولا نرضى بالواقع كما هو فإننا دائمًا نحلم. ويضيق نطاق الحلم ويتسع، ويرتفع ويهبط ولكنه فى ضيقه واتساعه وارتفاعه وهبوطه يعكس ما فى داخلنا ويجسد هويتنا.
والحلم بالفردوس، ذروة كل الأحلام، هو أيضًا لحظة الكشف الكامل، فالفردوس هو نقطة «النجاح» التى يتحقق فيها كل شىء وننجز فيها ذواتنا الحقيقية كما نتخيلها متحررة من كل ضغوط اجتماعية وقهر تاريخى. فإن كان حلمك بالفردوس هو ثلاجة ومرسيدس تملكهما الآن وهنا، فهذه هى ذاتك فى أقصى اتساع لها. أما إذا كنت تحلم بمجتمع يمرح فيه بشر ناضجون أسوياء يحتفظون بشىء من البراءة الأولى وقادرون على الحلم دائمًا وأبدًا، فهذه هى أيضًا ذاتك فى لحظة الكشف.
وقد حج الزعيم الأمريكى الأسود مالكولم إلى مكة المكرمة، كما رحل الأديب الأمريكى اليهودى بودورتز من بروكلين إلى مانهاتن ومنها إلى جزيرة الفردوس، عاش كل منهما لحظته الفردوسية وكلاهما حقق نوعًا من «النجاح» الذى كان يطمح إليه – فما هو هذا النجاح؟ وماذا كان المثل الأعلى الذى تحقق؟
1- فردوس بودورتز المتشيىء
أ- العقد الاجتماعى الأمريكى/اليهودى
حينما تصل إلى نيويورك لا يمكنك إلا أن تلاحظ الوجود اليهودى فى كل مكان، فنيويورك تحتوى على أكبر تجمع يهودى فى العالم. وهذه حقيقة تحز كثيرًا فى نفس الإسرائيليين والصهاينة الذين يصدرون عن فكرة «وحدة الشعب اليهودى» والتى تفترض أن كل يهودى يحتوى على زمبلك ميتافيزيقى يدفعه نحو الفردوس اليهودى المفقود فى أرض الميعاد. ولكن ها هى ذا الدولة اليهودية الموعودة قد أنشئت ثم توسعت وتمددت وانفتحت وانكمشت ولم يعمل الزمبلك عمله! ولم يتزحزح التلمود عن بابل الأمريكية. ولكن ليس فى هذا ما يدهش كثيرًا، فاليهود بشر رغم كل ادعاءات الصهاينة والمعادين للسامية، وهم بشر خاضعون لنفس القوانين التاريخية والاجتماعية التى يخضع لها كافة البشر والأقليات والمهاجرون. ورغم أنه لا يوجد منظمة لتهجير اليهود إلى أمريكا ورغم أن الحركة الصهيونية العالمية منظمة تنظيمًا دقيقًا ونشطة نشاطًا بالغًا إلا أن مسار التاريخ الحديث قد دحض كل ادعاءات الصهاينة. فأكبر تجمعين يهوديين فى العالم هما فى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى، ثم تأتى إسرائيل بعد ذلك فى المرتبة الثالثة ولا يكون سكانها إلا أقل من ربع يهود العالم. إن عدد يهود الدياسبورا يفوق عدد يهود إسرائيل بمراحل، وقل موتوا أيها الصهاينة بغيظكم!
وقد استقر اليهود فى الولايات المتحدة وتقبلوا وضعهم إلى حد كبير وقبلوا أسطورة «أتون الصهر» إياها بدرجة متفاوتة. وقد ترجمت هذه الأسطورة إلى ما يسمى بالعقد الاجتماعى الأمريكى/اليهودى الذى يتلخص فى أن يهودية المواطن اليهودى هى أمر خاص للغاية يجب أن يمارسه فى المنزل وحسب أو فى المعبد اليهودى أو المدرسة اليهودية، ويجب ألا يظهر اليهود فى الحياة العامة اليومية كيهود. وإذا حدث واضطر اليهود لإظهار هويتهم المستقلة فإن هذا يكون دائمًا كرد فعل، كما هو الحال فى المظاهرات التى تحتج على معاداة السامية. ولم يرفض هذا العقد سوى الجماعات اليهودية المغالية فى الأرثوذكسية والذين وصلوا للولايات المتحدة بعد الحرب. وصيغة هذا العقد لا تختلف كثيرًا عن التصور اليهودى الإصلاحى عن وضع اليهودية ولا عن تصورات مفكرى عهد الانعتاق والاستنارة فى شرق أوروبا وغربها.
وقد يكون من المفيد أن نذكر أن كثيرًا من المفكرين والمثقفين اليهود فى الولايات المتحدة يعتبرون أنفسهم أمريكيين بالدرجة الأولى، وأما مسألة كونهم يهودًا فهم ينظرون على أنها مسألة ثانوية تساهم فى تشكيل وجدانهم دون أن تحدده أو تحده. وكثير من أصدقائى الطلبة اليهود فى الجامعة وأذكر بالذات ستيفن ميلر الذى يكتب الآن فى مجلة دسنت وسينشر له دايون شعر فى لندن فى الربيع القادم، يرفضون كل المحاولات لفرض هوية مستقلة صوفية، فهم يقبلون يهوديتهم على أنها عنصر ضمن عناصر عديدة تشكل رؤيتهم للواقع. وكثير من كبار مثقفى اليهود فى أمريكا يرفضون الصهيونية أما بشكل سلبى وذلك بعدم ذكرها بتاتًا، أو بالحرب ضدها بشكل نشط. ومن بين هؤلاء نذكر الناقد الشهير ليونيل ترلنج (ليونيل كوهين ترلنج سابقًا قبل أن يغير اسمه) الذى يصدر رؤية هيومانية علمانية ليبرالية، ولذلك صرح عام ١٩٥٢ بأنه ليس متعاطفًا مع محاولات إنشاء دولة يهودية. ولكن بعد مرور عشرين سنة على إنشاء الدولة نجد أن المفكرين أمثال ترلنج يوقعون على المنشورات تأييدًا لإسرائيل ضد (العدوان العربى) وضد محاولات إلقاء اليهود فى البحر، ولكن توقيعهم مثل هذه المنشورات لا يغير من موقفهم الفكرى، وأنما هو رد فعل لبعض التشنجات العربية التى نجح الصهاينة فى استغلالها، واستسلام من جانبهم للصهاينة. ولكن ليس كل المفكرين اليهود مثل ترلنج فهناك فريق بينهم لا يزال يحارب ضد الصهاينة مثل العالم النفساني الشهير إريك فروم والعالم الاجتماعى دافيد رايزمان والعالم اللغوى الشهير نعوم شومسكى، وكلهم رافض للفكرة الصهيونية وللتصور الصهيونى للواقع، وبعضهم يعمل بنشاط ضد العدوان الإسرائيلى. ولعله قد يكون من الغريب بالنسبة للقارىء العربى أن يعرف أن جماهير الصهاينة النشطة هى أساسًا الطبقة المتوسطة اليهودية التى تعود أصولها السلالية لشرق أوروبا، أما المثقفون والمفكرون اليهود فهم نادرًا ما يلعبون دورًا صهيونيًّا ويكتفون بالتوقيع على المنشورات الصهيونية التى لا تنتهى، تأييدًا لهذا واستنكارًا لذاك. وأى قارىء لمجلة ميدستريم الصهيونية سيجد أن كتابها صهاينة محترفون وليس من بينهم اسم واحد ذو مكانة قومية فى أمريكا. أما كتاب المجلة اليهودية كومنتارى فقليل منهم أحرز شهرة قومية. وهذه القلة عادة ما يكون اهتمامها منصبًا على قضايا عامة وعلى المشكلة اليهودية فى أمريكا وليس على قضية «وحدة الشعب اليهودى»
ب- تعليم اليهودى الأمريكى
ومن الكتب اليهودية الأمريكية التى أثارت ضجة فى الولايات المتحدة كتاب السيرة الذاتية الذى كتبه نورمان بودورتز رئيس تحرير مجلة كومنتارى التى تشرف عليها اللجنة اليهودية الأمريكية. واسم هذا الكتاب هو Making It والترجمة الحرفية لهذه العبارة هى «صنعتها» ولكن حيث أن هذه العبارة اصطلاحية فلتكن ترجمتنا لها هى «النجاح». وقد نشر الكتاب أول ما نشر عام ١٩٦٧ ولكنه ظهر فى طبعة ثانية عام ١٩٦٩.
وتفكيرنا على النجاح مرتبط بتصورنا لأنفسنا ولدورنا فى المجتمع وتوقعاتنا من هذا المجتمع أوليس النجاح هو توهمنا أو إيماننا بأن بعض أهدافنا أو مثالياتنا – إن شئت – قد تحقق، وهذه الأهداف والمثاليات هى التى تحكم سلوكنا وهى التى تحدد مدى تقبلنا أو رفضنا لواقع ما؟ فنحن قد نرى أن غاية الحياة هى أن نفعل الخير ونتحاشى الشر كما يقول سقراط، أو نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، أو أن نربى أطفالنا أو نصطاد حسناء باهرة الجمال أو أن ندمر أو نعمر. «ومن كانت هجرته لله ورسوله، فهجرته لله ورسوله، ومن كانت هجرته لتجارة يصيبها أو إمراة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»
إن تصورنا على النجاح هو أساس تصورنا لأشياء كثيرة، والسيرة الذاتية التى بين أيدينا هى تاريخ للنجاح الباهر الذى يتصور كاتبنا أنه أحرزه. ولأنها قصة نجاح نجد أنها تكتسب مدلوًلا شاملًا فى الولايات المتحدة، بل أن بودورتز يرى سيرة حياته على أنها محاولة منه لتشخيص المواقف المتباينة بخصوص فكرة النجاح فى الحضارة الأمريكية، فهى حضارة برجماتية تقدس النجاح وتراه معيارًا لكل شىء، ولا شىء ينجح مثل النجاح كما يقول المثل الأمريكى. وعبادة ربة النجاح، هو المرض القومى الأول فى الولايات المتحدة. ثم يضيف بودورتز قائًلا «لكن الولايات المتحدة من ناحية أخرى أنتجت أدبًا يحتقر فكرة النجاح كما أنها حضارة تسعر من جوع الإنسان للنجاح ثم تحرمه من أن يجابه رغباته ويجنى ثمرة تحقيق أمانيه». ولا أدرى ماذا يعنى الكاتب من هذه العبارة الأخيرة على وجه الدقة، ولكن على أية حال حتى لو ثمة دلالة عميقة لهذه العبارة، وحتى لو كانت تشخيصًا لجانب آخر المفهوم الأمريكى للنجاح فإن الكاتب قد أسقط هذا الجانب من اعتباره تمامًا إذ أنه يصرف كل قواه لمعالجة الجانب الأول وحسب، وهو بهذا يدل على أنه أمريكى عادى أو متوسط «مدل أمريكان» أكثر مما يتصور.
ويعتقد كاتب السيرة أنه مرشح أكثر من غيره كى يعالج قصة النجاح النموذجية لأنه ولد فى شرق أوروبا اليهودية من أبوين يهوديين هاجرًا من شرق أوروبا، والمهاجرين اليهود إلى أمريكا كما يخبرنا هو نفسه – تدفعهم رغبة جامحة وشهوة شديدة للنجاح – أى أنهم أكثر من أى فريق أخر يبلورون هذا الجانب من الشخصية الأميركية. فالنجاح بالنسبة لهم كان هو كل شىء. وكان يعنى الحصول على المال الوافر والمكانة الاجتماعية اللائقة. إن «يهودية» بودورتز هى التى ترشحه لأن يلعب دور «الأمريكى». فلنمعن النظر قليلًا فى هذه «اليهودية»
كان أبوه رجلًا محافظًا على الطقوس الدينية لا عن اعتقاد دينى وإنما عن التزام غريزى بما يسمى بالبقاء اليهودى، وهو التزام لا يستند إلى تبرير عقلى ولذا فهو أعمق وأبقى من الالتزام التقليدى. بينما كان معظم المهاجرين من شرق أوروبا إما اشتراكيين أو صهاينة، نجد أن أبا بودورتز كان متعاطفًا مع الاشتراكية دون أن يكون اشتراكيًّا متطرفًا، كما أنه كان صهيونيًّا دون أن يكون صهيونيًّا متحمسًا، ورغم أنه كان يتحدث اليديشية (رطانية ألمانية سلافية دخلتها كلمات عبرية) طيلة حياته إلا أنه لم يكن أحد المدافعين عن التراث اليديشى . إنه أب عادى متوسط كان يدافع بكل بساطة عن البقاء اليهودى وحسب بشكل لا يمكن تصنيفه وبطريقة انتقائية، فهو كان متسامحًا مع أى شكل من أشكال الوجود اليهودى طالما أن هذا الشكل «يهودى» بشكل محدد وواع بذاته. ولكن أى اتجاه نحو الاندماج ظاهرًا كان أم مستترًا كان يثير حفيظته، فالمهم بالنسبة له أن يكون يهوديًّا، والوسيلة للوصول لهذا الغرض هو التعليم اليهودى، ولا يهم بعد هذا التعريفات والأيديولوجيا والتبريرات (فنلاحظ هنا علمنة اليهودية وكيف أن البقاء اليهودى أصبح مطلبًا صوفيًا لا يتطلب تعريفًا أو تبريرًا أو سندًا أيديولوجيًّا). وارتباط الأب بمطلبه هذا أمر عميق للغاية، ميتافيزيقى فى عمقه. وللتدليل على هذه الحقيقة يخبرنا المؤلف بهذه القصة الطريفة، فقد قرر مرة مقاطعة الدراسة اللاهويتة لضيقه بها، فداهمت أباه على التو نوبة قلبية ألزمته الفراش ووصلت به إلى حافة الموت. ولكن عندما عدل الشاب المتوسط بودورتز عن موقفه، وبعد أن أعلن أنه سيستمر فى دراسته اللاهوتية تحدث المعجزة ويشفى الرجل!
لكن ما هو هذا التعليم اليهودى الذى «يصنع» اليهود، والذى يفسر معجزة البقاء اليهودى؟ يخبرنا بودورتز أن الغرض من هذا التعليم لم يكن توسيع المدارك أو تدريب العقول والحواس أو حتى دراسة التراث اليهودى وإنما كان الغرض منه هو تعميق الإحساس باليهودية، وكان الهدف الأساسى هو الإبقاء على الكيان اليهودى.
ولكن بطل سيرتنا لم يتلق تعليمًا يهوديًّا وحسب وإنما ذهب لمدارس الأغيار أيضًا، فقد ذهب إلى مدرسة ثانوية تلقى فيها العلوم الحديثة وهى مدرسة «مسزك» التى كانت تكره اليهود كراهية عميقة وتحتقرهم لقذارتهم وتخلفهم كما يخبرنا المؤلف. إلا أن المسزك رأت أن عقله هو، طفل الحوارى اليهودية، كان على جانب كبير من النضوج، وأن إمكانياته ولا شك كبيرة، ولذا تبنته هذه السيدة غير اليهودية ولم تطلب منه بعد ذلك سوى أن يتعلم طرق الحضارة الأمريكية. ثم ذهب مؤلفنا اليهودى بعد ذلك إلى جامعة كولومبيا وهى التى كانت لا تزال جامعة «الواسب» أو اليهود الواسب القادرين على اكتساب معارف الأغيار وأخلاقهم وعاداتهم. واكتشف فى هذه الجامعة أن هدف التعليم هناك هو كيف تصبح جنتلمان: فى كولومبيا تعلو روائع الحضارة الغربية من هومر إلى كافكا، ولفرط دهشته اكتشف أن رحابة هذا التراث قد احتوت وضمت فيما ضمت تراثه اليهودى الخالص الذى كان يدرسه فى المدرسة اللاهوتية وكأنه لا علاقة له بأى تراث إنسانى آخر، ولقد نجحت كولومبيا فى أن تجعل منه جنتلمان رغم أنفه ورغم كل محاولاته عدم التخلى عن هويته اليهودية. فهو كان يصر على أن يرتدى ملابس ذات طابع يهودى، ويستخدم المصطلح الذى تعلمه فى بروكلين، الحى اليهودى، ولكنه رغم ذلك بدأ يخوض تجربة التغير والتحول. لم تعلمه كولومبيا مجموعة من الإخلاقيات وإنما غيرت ذوقه بأن أعطته تعليمًا راقيًا رحبًا، بهذا جعلت من العسير عليه أن يعود إلى المكان الذى أتى منه. وحتى هذه اللحظة كان بودورتز يذهب إلى مدرستين واحدة يهودية وأخرى أمريكية، ولكن بعد تخرجه من كولومبيا حصل على منحة وذهب إلى كامبردج حيث درس على يد ليفيس الناقد الإنجليزى (المسيحى) الذى يصدر نقده على استيعاب دقيق وحساس للحضارة الإنجليزية وللتراث الأدبى الإنجليزى. ومن هذه النقطة أصبح تعليم بودورتز علمانيًّا وحسب.
ترك بودورتز بروكلين اليهودية وراءه وذهب إلى مانهاتن المسيحية (قرة عينه) بلاد الطبقة المتوسطة العالية «وهو يعرف أنه عضو فى هذه الطبقة لا بسبب دخله وإنما بسبب طريقة تنغيمه لكلامه ونوع الملابس التى يرتديها» (يذكرنى اهتمام بودورتز بملابسه باهتمام هرتزل بنفس الموضوع، فقد كان ينفق الساعات الطوال يفكر فى أى بدلة يلبسها قبل أن يزور فلان الملك أو فلانة الأميرة، وفى المؤتمر الصهيونى الأول كاد يبكى حينما رفض صديقه الزعيم الصهيونى ماكس نوردو أن يرتدى حلة رسمية!) أصبح بودورتز عضوًا فى الطبقة المتوسطة العالية بسبب طريقة تأثيثه لمنزله ونوعية المدارس التى يذهب إليها أولاده إنه ينتمى إلى هذه الطبقة بسبب مظهره (ظهور الإنسان البلاستيك الذى يغير لكنته وضميره وقبعته دون مقاومة كبيرة تمامًا مثل المهاجر الذى يذهب من بلد إلى آخر فينجح نجاحًا باهرًا لأنه يسقط هويته القديمة ويكتسب مظاهر الهوية الجديدة، أقول مظاهر لأن الهوية شىء لا يكتسب فى أيام وشهور أو سنين. وهذا هو الدرس المرير الذى يعرفه علماء الاجتماع الإسرائيليين)
ترك بودورتز شرق بروكلين وذهب إلى مانهاتن، ورحلته – كما يخبرنا – ذات دلالة رمزية، فكل سكان هذا الحى اليهودى إما نجحوا فى الذهاب إلى مانهاتن مثله أو ترقوا وذهبوا إلى لونج أيلاند، وأما شرق بروكلين فقد تحولت إلي جيتو زنجى.
وكان بودورتز طيلة تعليمه النموذج اليهودى الأمريكى يشعر بالتحول التدريجى، فقد لاحظ أنه بدأ يخجل من أمه ومن طريقة حديثها باليديشية (هذه اللكنة الأجنبية التى حاول بطلنا اليهودى أن يتخلص منها بأسرع وقت حتى يمكنه أن يتمم الرحلة إلى الفردوس). وفى الحى اليهودى كانوا يعلمون أنه يتبعد عنهم رويدًا رويدًا. كانوا يقولون له: «بعد سنوات لن ترغب حتى فى الحديث إلينا، ولن تعرفنا إذا مررت فى الشارع» وهو فى براءة الطفولة كان لا يتصور أن مثل هذا يمكن أن يحدث. ولكن تدور الأيام وتثبت مصداق قولهم: «لقد كان عندهم بصيرة سوسيولوجية ثاقبة» (وإحدى خصائص بودورتز أنه كلما يشعر بالحرج يختبئ وراء عبارات علمية رصينة ومحايدة). ولكن هل خرج بودورتز حقًا من الجيتو اليهودى العقلى هذا الجيتو الذى كان يحاول موسى مندلسون فيلسوف الاستنارة اليهودية هدمه؟ يبدو أن التعليم اليهودى أو «فابريكة اليهود» يجعل هذا أمرًا عسيرًا بعض الشىء، فبطلنا منذ طفولته وصباه كان يعجز عن الذهاب إلى أى مطعم يشاء بسبب قوانين الطعام اليهودية، كما أن تعليمه المزدوج اليهودى الأمريكى كان يضطره للذهاب إلى المدرسة اليهودية بعد الدراسة وأن يحضر بعد الفصول يوم الأحد مما يجعله مزدوج الشعور والولاء. ولكن الدراسة فى المدرسة اليهودية مع هذا لها ما يعوضها فى السيرة الذاتية، فقد حققت لبودورتز فرصة تحقيق نجاحين: واحد فى الصباح وآخر فى المساء، أى النجاح كان «دوبل»، كما أن مجموعة من بنات الحاخامات فى حياته الدراسية جعلت حياته الجنسية عامرة خصبة وزدنه خبرة ومعرفة (ولا أدرى بالضبط ما هى الدلالة السوسيولوجية لهذه الإشارة الأخيرة، ولكنى أوردتها لأن كاتبها لا يذكر حياته الخاصة إلا نادرًا، وهذه هى إحدى اللحظات النادرة التى خشيت إضاعتها)
بودورتز إذن يهودى أمريكى، أو أمريكى يشعر بيهوديته ولذا فهو يتفلسف عن «مشكلته» اليهودية قبل أن يعرض لقصة نجاحه! ولكن ما هى مشكلة اليهود مع العالم؟ ما هو سبب أحزانه اليهودية الخاصة؟ اقترح سول بولو (القصاص اليهودى الأمريكى) أن مشكلة اليهودى تتخلص فى أنه لا يقبل العالم ولذلك فالعالم لا يقبله. هنا يتوقف الراوى بودورتز ليتفلسف قليلًا وليؤرخ لليهود فيتحدث عن يهود عصر الانعتاق فى أوروبا فى القرن التاسع عشر الذين قال زعماؤهم: «اقبلوا العالم والعالم سيقبلكم، اخرجوا من الجيتو وستجدون أن حوائط الجيتو التى تحيط بكم تتساقط». ولكن، يقول الراوى، اكتشف يهود ألمانيا (دائمًا يهود ألمانيا) وكل أوروبا أن المشكلة مشكلة الجانب الآخر (جانب الأغيار) المسألة لم تكن ما إذا كان اليهود سيقبلون العالم وإنما عما إذا كان العالم سيقبلهم (ولنلاحظ الاستقطاب اليهودى القديم شعب الشهداء فى مقابل ذئاب الأغيار الذين لا يتوبون، وإذا تابوا عادوا بعد فترة لما كانوا عليه من جرم)
ولكن لنعد لسيرة بودورتز الذاتية لنرى الترجمة الشخصية لهذا التعميم الفلسفى، والتعميم الفلسفى لا يستند إلى قراءة للواقع هو ضرب من ضروب الغيبية، ولنسأل الآن عمن يرفض من فى الولايات المتحدة؟ يذهب بودورتز كما قلنا من قبل إلى كامبردوج (الدائرة الكبيرة)، وحينما يعود لقضاء أول عطلة صيفية فى الدائرة اليهودية الصغيرة فى منزل أسرته يشعر بالغربة شبه الكاملة بينه وبين أبويه، فالتعليم المسيحى أو العلمانى ولا شك قد فعل فعله وأتى أكله، ولكن مما زاد التوتر بل ووصل به إلى درجة لا تحتمل هو إعلانه نيته أنه سيتزوج من فتاة غير يهودية (ياللهول! هذه هى قضية القضايا ومشكلة المشاكل ومأساة المآسى بالنسبة للأم اليهودية حامية حمى «البقاء اليهودى»)
نعم نحن نعرف موقف الأم اليهودية، ولكن ما موقفه هو خريج كولومبيا وكامبردج؟ لنترك له المسرح، فلندعه هو يتكلم ولنترجم هذه الكلمات حرفيًّا مكتفين بالتعليق بين الأقواس: «إن شكوك أبوى (وليست شكوكه هو العلمانى بالطبع) بخصوص هذه النقطة (الزواج المختلط) إن لم يكن بخصوص نقط أخرى لها جذور راسخة فى معلومات تجريبية دقيقة». (ولنلاحظ محاولة الراوى مرة أخرى الاختفاء خلف لغة سوسيولوجية محايدة حتى يخفى تساقطه فى أحضان يهوديته الجيتوية). ثم يستأنف الراوى حديثه عن «الشيكسا» الأبدية الأزلية (وكلمة «شيكسا» يستخدمها اليهود للإشارة للبنات غير اليهوديات اللائى يحاولن التزوج من الشبان اليهود واللائى يقلقن مضجع الأمهات اليهوديات (وليس مضجعه هو بالطبع) «إنها الجنية الجميلة الشابة التى تغوى الشبان اليهود الأبرياء فيسقطوا فى أحضانها بعد أن تستخدم حيل جنسية سرية لا يعرفها سوى الأغيار من الناس»)
هذه النبرة المتهكمة، وهذا المصطلح المتحضر المحترم، يضع الراوى العلمانى فى ناحية (مع قارئه العلمانى) والأم اليهودية فى ناحية أخرى، مما يجعلنا نتوقع مواجهة بين النور والظلام، أو على الأقل بين خريج كامبردج وأمه اليهودية، ولكنا يخيب ظننا إذ يضيف «فى النهاية لحسن الحظ لكلينا لم نتزوج». وهكذا يحسم القضية وينتهى البطل فى معسكر الأم اليهودية التى كان يتهكم عليها منذ سطور ودقائق قليلة. من يرفض من؟ إن التزاوج بين أعضاء الأغلبية والأقلية هو أكبر دليل على التقبل الإنسانى الكامل من جانب الأغلبية، إن الإنسان لا يمكنه أن يقبل أن يعيش بقية أيام حياته مع إنسان آخر إلا إذا كان يعترف بإنسانيته لا بشكل عام ونظرى وحسب بل بشكل شخصى ومحسوس أيضًا. ولكن شغل اليهود الشاغل فى الولايات المتحدة هو كيفية الحد من الزواج بين اليهود والمسيحيين حتى إحدى تنظيمات الحاخامات أخيرًا اتخذت قرارًا بطرد أى حاخام يقوم بعقد زواج مختلط، وبودورتز فى قراره لم يختلف بأى شكل عن أمه الجيتوية أو عن الحاخامات المتعنتين (وذكر الخطيبة الشيكسا هى الحادثة الثانية التى يذكرها الراوى فى سيرة حياته الذاتية)
والجيتو العقلى الذى يعيش فيه بودورتز هو جيتو كامل شبيه مطلق فحينما يطلب منه رئيس الجمهورية (ل. ب جونسون) أن يذكر له ستة أشياء يهمه أن يرى الحكومة الأمريكية تقوم بتنفيذها يقع فى ورطة، فهو دائمًا فى علاقته بالعالم الخارجى لم يكن يشعر إلا بالعجز إزاء ما يحدث وما لا يحدث. وليفسر حالته النفسية هذه يشبهها بحالة أسلافه الذين كانوا يعيشون فى الجيتو فى شرق أوروبا «أنا لم أبن (وهم أيضًا لم يبنوا) هذا الجيتو، ولكن الأمر لا يستلزم مجرد هدم حوائط الجيتو كى أخرج منه وإنما يتطلب أكثر من ذلك». (وهو أيضًا يشبه فى هذا الإسرائيليين من حيث لا يدرى، فهم أيضًا لم يبنوا الجيتو الذى يحيط بهم من كل مكان، ولكن من بناه؟ هل نزل علينا من السماء أم أن رفض التاريخ والعالم والتعالى عليهما هو الأساس الذى ينبنى عليه أى جيتو يهوديًّا نفسيًّا كان أم فعليًّا فرديًّا أم قوميًّا؟) إن المثقف الذى يعمل داخل الحدود الاجتماعية المعترف بها يشبه اليهودى الذى يخرج من الجيتو ويندمج مع الأغيار مثل هذا المثقف هو ولا شك المثقف الحقيقى، أما من يقف خارج التاريخ مشمئزًّا من الآخرين (أو الأغيار) فهو نموذج بشرى مستمد من جيتو شرق أوروبا.
والاستعارات اليهودية تترى الواحدة تلو الأخرى فى كتابات بودورتز، فهو حينما يدعى لشقة فيليب راف، أحد الأدباء اليهود المشهورين، يعرف صاحبنا أنه «وصل» ويشبه الحفل بطقوس البار متزفاه (بعد حفلة البار متزفاه يعرض على فتاة أن تذهب معه إلى منزله ولكنها ترفض، وهذه ثالث إشارة لحياته الخاصة)
وحتى حينما يخرج إلى العالم الخارجى، العالم المسيحى الرحب إياه فهو يحمل فى جرابه استعاراته اليهودية. فالعالم الأدبى فى نيويورك هو فى جوهره «أسرة يهودية» ورغم أن كثيرًا من الكتاب غير يهود إلا أنه يصر على استعارة الأسرة اليهودية. وحينما نبحث عن سبب التسمية نجد أنه يسوق لنا أسبابًا واهية، فهى يهودية لأن الأسرة أولًا لم يكن عندها إحساس بالانتماء لأمريكا بل للعالم. ولكن أليس هذا إحساس مشترك بين كل مثقفى العالم؟ ولكن بودورتز داخل الجيتو اليهودى يتصور أن اليهودية هى مركز كل شىء ولا يريد التزحزح عن جيتويته.
ج- رحلة النجاح
ولكنه هل يرفض حقًا التزحزح. إن يهود الجيتو كانوا لا يتحدثون عن السعادة الأرضية، لقد كانت يهوديتهم تعنى أنهم شعب من الشهداء، ولذا فقد كانوا يقضون جل حياتهم تحيطهم الطقوس اليهودية التى لا تنتهى، ينتظرون وصول الماشيح. ولكن بطلنا يقضى حياته فى «أطول رحلة عرفها فى التاريخ» من بروكلين إلى مانهاتن من الحى اليهودى إلى الحى المسيحى، وهى أطول رحلة رغم أن ما يفصل مانهاتن عن بروكلين هو كوبرى صغير لأنها رحلة النجاح الأمريكية ذات الدلالة الدنيوية العميقة، رحلة يصبح بعدها اليهودى بطًلا ناجحًا بورجوازيًّا يتقبل القيم الأخلاقية التى تستند إلى فكرة النجاح. ويعلن للملأ بأعلى صوت: «أنا الآن رجل، عندى أسرة، ولى اسم ومكان (أو ربما مكانة) فى العالم» (تصفيق حاد!)
وهو فى قمة مجده يتذكر أيام الظلام والجاهلية الأولى حينما كان عند قاعدة الهرم، يحكى لنا البطل الناجح أنه كان يتحدث مرة مع نجمة سينمائية (تجسيد فكرة البطولة البورجوازية) حينما جاءت نجمة أخرى. ولكن بودورتز الخام الجاهل استمر فى الحديث ناسيًا مكانه ومكانته، فإذا بالنجمة الأولى تصيح قائلة: «فلتتركنا يا غبى فأنا الآن أتحدث مع من يناظرنى – مع واحد من مكانتى». ولا يعترض بودورتز على الموقف ذاته أو على أساسه الأخلاقى بل يقصر اعتراضه على قسوة الكلمات وصياغتها وحسب – أى أنه يقبل هذه الهرمية الجامدة اللا أخلاقية. هذا هو عالم السوق – من كل حسب ثروته إلى كل حسب مكانته وقدرته على هزيمة الآخرين، ونحن حينما نقول «السوق» فنحن لا نقول ذلك من باب المجاز، وإنما نعنى ذلك حرفيًّا، فهو فى تسلقه الهرم نحو النجومية واللمعان يكتشف قوانين السوق ويعرف ما يسمى برياضيات «الشهرة» وحساباتها! كما يكتشف ما يسميه «بورصة الشهرة» فى نيويورك ونشرتها اليومية، أنها نشرة غير مرئية ولكنها حقيقية. هل دعى فلان إلى منزل جاكلين كنيدى ليلة أمس؟ خمس نقط صعود. ألم يدع الشاعر لويل وزوجته فلانة لمقابلة الشاعر السوفيتى الذى يزور الولايات المتحدة الآن؟ ثمان نقط هبوط. هل رشح كتاب فلان لجائزة الكتاب القومية؟ نقطتان وخمس أثمان صعود. هل أهملت مجلة البارتيزان ريفيو دعوة فلان ليشترك فى إحدى ندواتها؟ نقطتان هبوط وهكذا. وحينما يظهر كتاب بودورتز بناء وهدم فإنه يتردد فى أن يقرأ النشرة اليومية، ولكنه، وهو البطل الذى نعرفه، يمسك بتلابيب شهرته ليكتشف (لحسن الطالع) أن شهرته قد زادت، وأن أسهمه بدأت ترتفع بشكل غير أكيد حينما نشرت مجلة التايمز عرضًا لكتابه (مع صورة له) فى الصفحة الرابعة. وارتفعت شهرته إلى حد ما مرة أخرى حينما نشرت نيوزويك صورة له ومقاًلا يمتدحه. ولكن شهرته انخفضت قليلًا بعد هجوم شرس عليه فى النيويورك ريفيو أوف بوكس (ولم يصاحب الهجوم حتى صورة كاريكاتورية مما جعل سمعته تهبط نقطة أخرى) وهكذا. وكل الناس جزء من هذا السوق وهذه الحرب اليومية للحصول على النجاح، إنها حياة نيتشوية باهرة. كل الناس فى حرب الواحد مع الآخر، كل الناس إما منتصر أو منهزم، صياد أو فريسة.
وهل مشكلة النجاح كما يقترح علينا بودورتز هى أن تلقى بنفسك دون أى خجل أو حياء فى خضم المعركة وأحضانها. إن حكمة حياته تتلخص فى اكتشافه الرائع الذى توصل له وهو بعد فى الخامسة والثلاثين من عمره أنه من الأفضل أن يصيب المرء النجاح من أن يبوء بالفشل، وهذه هى الحقيقة العظيمة التى توصل لها بخصوص «طبيعة الأشياء». هذا هو جوهر نسقه الفلسفى. وقد توصل إلى حقائق أخرى تابعة، فهو «متيقن الآن من أن النقود شىء هام» وهذا اكتشاف لم يصل إليه إنسان من قبل (كما يضيف متهكمًا) «ولا شك من الأفضل أن أكون ثريًّا على أن أكون فقيرًا. أعرف أن القوة شىء مرغوب فيه، فمن الأفضل أن تعطى أوامر من أن تتلقاها. أعرف الآن أن الشهرة شىء لذيذ دون تحفظ، فمن الأفضل أن تكون معروفًا على أن تكون مغمورًا». وهكذا تتعالى الصلوات لربة النجاح فى صوت مليئ بالتقوى ومفعم بالورع، وولعه بالنجاح والشهرة يصل إلى أبعاد لا يمكن تخيلها بينما هو فى الجيش يكتب مقالًا لمجلة كومنتارى، وحينما يصبح المقال موضوعًا حادًا للنقاش يثير الأمر الغبطة فى قلبه لا لأن المقال جيد (يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر) ولا لأنه مقال قد حقق عنه طريقه ربحًا (تجارة يصيبها أو امرأة ينكحها) وإنما لأن المقال جعل منه موضوعًا للحديث، وهذا هو المهم أن يظل هو السلعة الرابحة والشىء المطلوب. لم يعد بودورتز مرتديًا قناع البلاستيك للدعاية، بل أصبح هو نفسه الرجل/الإعلان/البلاستيك – الإنسان السلعة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولعل تشيؤ بودورتز الكامل يفسر لنا لماذا يذكر الشيسكا وبنات الحاخامات وفتاة البار متزفاه – أى الفتيات اللائى يعرفهن بشكل عابر سطحى، يحاول استهلاكهن ويحاولن استهلاكه، يحاول اصطيادهن أو يحاولن اصطياده، أما زوجته وأطفاله فلا يذكرهم إلا فى سياق الحديث عن تكاليف حياته المتزايدة أى أنهم يذكرون باعتبارهم هم أحد العناصر التى تزيد من جوعه ورغبته المتزايدة فى النجاح.
وحينما تدعوه مجلة النيويوركر للكتابة يهز بطلنا اليهودى الناجح رأسه كالحكماء مؤكدًا أنه بذلك يكون أول أديب شاعر يدعى للكتابة فى البارتيزان ريفيو (المجلة اليهودية) والنيويوركر (مجلة الأغيار) فى خلال أسبوع واحد (تصفيق حاد مرة أخرى) انظروا إلى! انظروا إلى الشىء اليهودى الناجح.
والشىء اليهودى الناجح هو الإنسان الأمريكى. الإنسان المرن المطاط «المتكيف» مع واقع الأغيار الرأسمالى. ولكن تكيف بودورتز متطرف بعض الشىء، تكيف من اشتهر ونال بعد طول جوع، ولذا فعلى الرغم من أنه «البطل الناجح» إلا أنه لا وجود له البتة حتى فى سيرته «الذاتية»، إذ كل ما يبقى منه هو مجموعة من قصص النجاح النموذجية النمطية. إنما تقابله هو النمط البلاستيك وليس إنسانًا حيًّا ينتصر أو ينكسر.
بعد نجاحه الباهر المبدئى بدأ بودورتز يحلم بالنجاح الكامل أو الفردوس المفقود. وحلم بودورتز بالفردوس يبعث بعض الشىء على الفزع، فهو يشير إلى كثير من المفكرين اليهود الذين يحلمون بفردوس ليس فيه يهود أو مسيحيون، وليس فيه عمال ولا أصحاب عمل، وليس فيه أطفال حوارى ولا مترفعين متأنقين (وليس فيه ولا شك عربى ولا أعجمى ولا فلسطينى بطبيعة الحال). ويا له من فردوس بلاستيك خال من كل تنوع وليس فيه حدود.
ويبدو أن بودورتز بدأ يحلم بالفردوس بعد أن «وصل» فمن هناك، من ذروته الأرضية هذه، يمكنه أن يحلم بالفردوس. يقول بطلنا الناجح أنه كان مصابًا بأزمة إجداب فنى، ولكن حينما يقرر أن يكتب من أجل المال لا من أجل الشهرة (ولكن ما الفرق بينهما؟) يصبح سليمًا معافى خلاقًا! ويأتيه الخلاص على هيئة عرض من مجلة شو بأن يكتب مقالًا شهريًّا نظير ٧٥٠ دولارًا. ولكن يبدو أن «الخلاص» الذى يتحدث عنه هو مجرد خلاص عادى، وليس بخلاص لوكس أو فردوس ولذلك لا يسبب له أى «تحولات» جوهرية. ولكن حينما يتلقى دعوى المليونير هنتجتون هارتفورد لحضور مؤتمر فنانى شمال أوروبا تحدث المعجزة. فقد عقد المؤتمر على جزيرة يمتلكها هذا المليونير. ولندع بودورتز يتكلم مكتفين بالترجمة: «بدأ هارتفورد ينفق بلا حساب ليطور هذه الأرض التى تعرف سابقًا باسم جزيرة الخنزير حتى تصبح أجمل مكان للاصطياف وأكثرها ترفًا فى كل منطقة البحر الكاريبى. ولم تكن كل برامج التطوير قد نفذت بعد، إلا أن جزيرة الفردوس كما أسماها هارتفورد كانت تستحق بالفعل اسمها حينما وصل إليها، أعضاء ندوة شو، وأنا من بينهم.
ولقد تركت الخمسة أيام التى قضيناها فى جزيرة الفردوس أثرًا لا يتناسب بأية حال مع أى شىء محسوس حدث لى هناك، إلى درجة أنه يمكننى القول إنها تفتقد إلى معادل موضوعى. ولكن شيئًا ما انقطع داخلى لحظة أن لمست قدماى الجزيرة، وفى الخمسة أيام التالية مارست أحاسيس تشبه الأحاسيس التى يفترض أن الإنسان قد مارسها قبل أن يطرد من الفردوس الذى يسمى جنات عدن، وكنت كطفل فى الرابعة لا يزال فى هذه الحالة التى يعدها فرويد مصدرًا لأسطورة الفردوس. لقد كنت مسيطرًا تمامًا على كل طاقاتى فى كل لحظة لا يوقفنى شىء عن استخدامها ولا أكل من ممارستها. كان فى استطاعتى أن أشرب طوال الليل دون أن أفقد وعيى ثم أستيقظ بعد ساعتين أو ثلاث ساعات من النوم دون أن أشعر بأى تعب. لم تكن حواسى أكثر يقظة من هذا طيلة حياتى، وعقلى لم يكن أكثر توقدًا ومعنوياتى لم تكن قط أكثر ارتفاعًا. كنت أحب كل فرد، وكل فرد كان يحبنى (هذا هو التناسق الفردوسى بعينه)
وماذا كان السبب؟ أعتقد أن جزيرة الفردوس كانت تمثل تحقيقًا للأحلام التى أحملها دائمًا فى روحى، ولكنى لم تواتنى الجراءة الكافية من قبل لتصويرها بشكل مفصل، حى. هذا هو النجاح (أخيرًا الآلهة الحقيقية اللوكس، حتى الآن كنا نتعبد فى آلهة درجة ثانية. اغفر لنا يا رب خطايانا). كل مكوناته المختلفة مجتمعة فى عرض واحد باهر، ورؤية هذا جعلنى أسكر بشكل يفوق سكرى بكل جالونات الروم التى استهلكتها ذلك الأسبوع. هذا هو ما يعنى أن تكون ثريًّا: أن تنام فى حجرة كبيرة متألقة ذات تراس تطل على بحر أخضر شفاف بشكل لا يصدق، أن تمد ذراعيك فى كسل بجوار حمام سباحة على أن يكون عندك خادمان يلبسان معاطف بيضاء ويتنافسان من أجل امتياز خدمتك.
كل ما حولى كان شاهدًا على معنى الشهرة، كان يعنى أن ثقة هادئة فى النفس قد خصت بها الروح حتى تحارب ضدك الشكوك والمخاوف التى كانت لا تزال بطبيعة الحال تراودها، وإن كانت هذه الشكوك والمخاوف غير مسيطرة على كل ميدان القتال كله.
لقد نظرت إلى أصحاب هذه الشهرة العالية وأحببت ما رأيت (هذه كلمات الله فى العهد القديم بعد أن خلق العالم، وهى كلمات بودورتز فى لحظات النشوة الفردوسية الأرضية). لقد قست نفسى عليهم ولم أجد نفسى أقل منهم، وتركت جزيرة الفردوس مصممًا على ألا أفكر بطريقة «فقيرة». لقد أسكتُّ صوت بروكلين الكئيب ووصلت إلى مستوى مانهاتن فى الحياة ونمطها». يريد بودورتز ويطلب ويتوقع، لأن عدم التوقع كما يخبرنا هو الطريق إلى عدم الطلب وعدم الطلب هو الطريق إلى عدم الحصول على أى شىء، ولذا ترك بودورتز «الناجح» جزيرة الفردوس وهو عازم على أن يطلب (يطلب ماذا؟ حمام سباحة وجزيرة فى البحر الكاريبى؟) ثم نفاجأ بالكاتب يتفلسف فجأة فقد أصيب بمرض خطير لأول مرة منذ طفولته. وأثناء مرضه يكتشف أنه طيلة حياته يعيش فى حالة صيرورة دون أن يكون له وجود ثابت ومحدد، وهذا ما يقرر أن يفعله. يقرر بودورتز أن يجد نفسه ويجدها فى أحسن مقال كتبه: مقال يرفض فيه فكرة الاندماج بين الزنوج والبيض، فالمشكلة بين البيض والسود حسب تصوره لم تكن مجرد الاندماج، بل هى أعمق من ذلك، إذ أنه ثمة شىء مرضى فى علاقة السود بالبيض، شىء لا يمكن أن يخضع للتحليل العقلانى، وهى علاقة تشبه لذلك علاقة أوروبا المسيحية باليهود (مرة أخرى نعود إلى هذا الجيتو الأزلى الأبدى؟ ما فائدة الفردوس إذا، يبدو أنه لم يحرره من شىء؟)
هنا يجب أن نذكر أنفسنا بأن فردوس بودورتز لم يختلف فى كيفه عن مانهاتن وإنما اختلف فى كمه وثمنه، ولذلك فالتحول لم يكن رأسيًا وإنما كان تحولًا أفقيًّا (تمامًا مثل فتوحات إسرائيل التى لا تنجز شيئًا ولا تحقق أى سلام أو طمأنينة)
إذا كان وضع الزنوج لا عقلانيًّا إذا لا يمكن حل المشكلة إلا بشكل لا عقلانى عن طريق الزواج المختلط بالبيض، والناتج هو فردوس عرقى لا أبيض ولا أسود (ولكن ما هو مكان اليهودى فى هذا) ويعترف الكاتب بأنه بكتابته فى هذا المقال كان يخاطر بكل شىء، سمعته وأصدقاءه واسمه، ولكنه مثل الشهداء والقديسين والكاوبوى يدخل النار (نار الآلهة اللوكس الدرجة الأولى) ولكنه لا يحترق بل يزداد شهرة ونجاحًا، وهو يصف هذا الوضع مستخدمًا مصطلحًا دينيًّا. «إن مقالة «مشكلتى الزنجية»كانت بلا شك أحسن قطعة كتبتها على الإطلاق، وقد جذبت اهتمامًا أكثر من أى مقال آخر كتبته، وإن كان بعض هذا الاهتمام ليس مما يبعث على الغبطة»
«ولكن هذا لا يهم بطل النجاح كل هذا برهان آخر من تجربتى أننا يمكننا أن ننال النجاح دون أن نعبث بالنور الداخلى المقدس». ويا له من تطابق رائع بين الذات والموضوع، بين الضمير والسوق بين الله والسلعة. حتى الراوى نفسه يتساءل رافعًا حاجبيه فى دهشة: «هل من الممكن أن النجاح قد يكون مقياسًا دقيقًا إلى حد ما لمقدراتنا الداخلية فى عالم الحضارة الأمريكية؟»
إذا كانت الإجابة بالإيجاب تكون الإمبريالية النفسية الأمريكية قد قضت قضاء مبرمًا على الإنسان الأمريكى وحولته إلى شىء يقاسى. ولكن السؤال فى نهاية الأمر، ما هو النجاح الذى عنه تبحث، ما هى الآلام والآمال؟ هجرة لله ولرسوله أم هى هجرة تجارية للحصول على الأشياء ومزيد من الأشياء؟ هذا هو السؤال الوحيد الذى يمكن أن يسأله البشر كبشر بالنسبة لقضية النجاح.
فإن لم يسألوه كانوا كالحيوان الأعجم الذى لا روح له. أى مثل بودورتز الذى تعبد فى محراب ربة النجاح المادى والأشياء والنقود والشهرة، أو كالجبل الأصم الذى لا يستطيع أن يحمل الرسالة التى عرضها الله عليه ويقف وسط الطبيعة مساويًا لها ليس فيه ما يميزه عنها.
2- الإسلام كحلم البراءة الأولى فى حياة مالكولم
من الشىء إلى الشىء، هذه هى حركة بودورتز الأفقية. ولكن مالكولم يتحرك ويتطور بطريقة مغايرة تمامًا.
ومالكولم هو زعيم أمريكى أسود كان اسمه الأصلى مالكولم لتل (أى مالكلوم الصغير) ولكنه غير اسمه إلى مالكولم إكس رافضًا بذلك الاسم الذى أعطاه إياه الرجل الأبيض، ثم غير اسمه بعد ذلك إلى الحاج مالك بعد حجه إلى مكة المكرمة حيث مارس تجربة روحية كان لها أعمق الأثر عليه. وسيرة حياته الذاتية التى نتعرض لها فى هذا المقال تمدنا بكثير من تفاصيل حياته الثرية التى انتهت حينما أغتيل عام ١٩٦٥.
أن سيرة مالكولم إكس الذاتية إن هى إلا ترتيلة تمجد روح الإنسان التى يمكنها البقاء والاستمرار فى مواجهة أكثر الظروف إفسادًا وتدميرًا. والإنسان فى مقدوره أن يحقق هذا البقاء وهذا الاستمرار لأنه يحلم دائمًا بعالم من البراءة الأولى وبذا يحتفظ بقدر من النقاء الروحى حتى بعد أن يصبح أكثر الساخرين مرارة. والإسلام بالنسبة لمالكولم هو حلم البراءة هذا، فلقد زوده بإطار مثالى حرره من افتراضات وأخلاقيات مجتمعه العرقية، وهى افتراضات وأخلاقيات كان عليه أن يتقبلها على الرغم من أنه ضحيتها وفريستها.
ولكن ما هو سبب اختيارى للفظ «حلم البراءة» لوصف العالم العربى الإسلامى الذى شاهده مالكولم بنفسه. وللإشارة للمعتقدات الإسلامية التى آمن بها فى نهاية المطاف؟ إن المملكة العربية السعودية والقاهرة قائمتان بالفعل، كما أن الحضارة الإسلامية هى حضارة خالية إلى حد كبير من أية مؤشرات عنصرية. هذه حقائق لا نزاع فيها، ولكن الوطن العربى مع هذا ليس هو بالضبط ذلك الفردوس الذى رآه مالكولم، لأنه وطن له جوانبه المظلمة، شأنه فى هذا شأن أى بقعة أخرى فى العالم. ولكن مالكولم، كان يتعامل مع هذا الوطن العربى من منظوره هو، كأمريكى أسود، يعانى ويلات التفرقة العنصرية. ومن هذا المنظور اكتشف مالكولم أن الوطن العربى لا يقف فى طريق نمو الإمكانيات الإنسانية لدى الإنسان الأسود. ولذلك استطاع مالكولم أن يجد فى العالم العربى الإسلامى تحقيقًا جزئيًّا لحلمه بالبراءة وبعالم خال من التفرقة العنصرية. إن أمريكا البيضاء – كما خبرها هو – مجردة من مثل هذه الإمكانيات المثالية والإنسانية، فهى ذات نزعة تدميرية خالصة.
ولكن علاوة على كل هذا، إذا كان الحلم بالبراءة والمثل الأعلى فى الأدب والفلسفات القديمة، هو نسق فكرى خال من أى صراعات أو توترات لأنه حلم لا تاريخى وأسطورى ومجرد إمكانية نظرية، فإن حلم البراءة الثورى فى العصر الحديث يضرب جذوره فى الواقع ويكتسب قوته وفعاليته من أنه ينبع من الواقع ويعود إليه وأنه حلم فى نهاية الأمر قابل للتحقيق بشكل جزئى وحسب داخل التاريخ، أى أن حلم البراءة الثورى لا يظل مجرد صورة ذهنية رائعة، كما أنه ليس بواقع فردوسى قد تحقق الآن وهنا، وإنما هو رؤية «للحياة الفاضلة» يتعامل الثورى من خلالها مع الواقع التاريخى، ويحاول أن يحققها داخل التاريخ ذاته، ولأنه يحققها داخل التاريخ فهى لن تحتفظ بصفائها وبراءتها. والعالم العربى الإسلامى، بالرغم من كل توتراته التاريخية، كان بالنسبة لمالكولم تحقيقًا جزئيًا لحلمه بالبراءة وبعالم يسمو على أمريكا من الناحية الأخلاقية، على الأقل فيما يختص بالعلاقات الإنسانية والعنصرية. وحين عاد مالكولم إلى أمريكا ليحاول أن يحقق رؤيته الجديدة عن طريق الفعل الاجتماعى، أظهر أنه ينتمى إلى تقليد الثوريين التاريخيين الذين يحلمون ولكنهم لا يهيمون فى الفضاء وعالم الأساطير ولا يحاولون تشييد أى فردوس أرضى، وإنما يحاولون تغيير الواقع لا عن طريق التسامى عليه أو الانفصال عنه أو تدميره كلية، ولكن عن طريق إعادة تشكيله وفقًا لرؤيتهم عن «الحياة الفاضلة» وبما يتفق مع إمكانيات هذا الواقع الحقيقية.
ويمكن رؤية بناء السيرة الذاتية ككل على أنه تجسيد لتطور مالكولم من كونه إنسانًا ماديًّا لا روح له ولا ضمير، إلى إنسان قادر على اكتشاف «نزعات مثالية» فى نفسه. تبدأ السيرة بإشارة إلى أم مالكولم الحامل رمز واضح الدلالة على الخصوبة والحياة الجديدة والإمكانيات الإنسانية التى تريد أن تولد. وإلى جوار الأم الحامل يقف أبو مالكولم وهو واعظ ينتمى لشكل بدائى من القومية السوداء فى أمريكا أى أنه هو الآخر رمز لميلاد قومى جديد. ومع ذلك فالسطر الثانى من السيرة يتحدث عن أعضاء جماعة الكوكلوكس كلان العنصرية الإرهابية الممتطين صهوة جيادهم والذين أحاطوا بمنزل مالكولم فى الليل وسخروا من أبيه – أى أنه من البداية تحاصر قوى الشر إمكانيات الخير وتحاول إجهاضها والقضاء عليها. ولكن بقاء مالكولم وكتابته لسيرته الذاتية تقوم شاهدًا على أن الإنسان يرفض بيع روحه لشيطان العرق والمادية، وبإيمانه بتفوق ما هو ممكن على ما هو قائم بالفعل، يستطيع تحقيق الخلاص.
الجاهلية ... مرحلة ما قبل الإسلام
تواطأ كل شىء فى مجتمع مالكولم ضده وضد إنسانيته، فبعد موت الأب يأتى مندوبو الدولة والضمان الاجتماعى لتحويل مجتمع مالكولم الصغير العائلى إلى وحدات اقتصادية منفصلة، فقد نظر هؤلاء إلى أعضاء الأسرة كأرقام وكحالة مدرجة فى كتابهم وليس ككائنات بشرية (ص ١٥٢). وتحويل الناس إلى أرقام كما اكتشف مالكولم هو ضرورة حضارية لأمريكا، لأن الدولة تستطيع أن ترسل إنسانًا إلى الفضاء الخارجى ولكنها لا تعرف كيف تتعامل مع البشر (ص ٢٦٨)
وإذا كانت العلاقة هى علاقة بين شىء وأشياء أخرى، وليست بين الإنسان وأخيه الإنسان، فإن التعامل الميكانيكى يحل محل المسؤولية الاجتماعية والحب، ويبدأ كل فرد فى محاولة افتراس الآخرين. ويتحدث الجزء الأول من السيرة عن الشهوة التى تحل محل الحب (ص ١٢١) وعن رجال بيض وسود يستغلون عاهرات بيضاوات وسوداوات، والعكس بالعكس، كما أنه يتحدث عن مجموعة المقامرين الذين يفضلون ألا يفعلوا شيئًا فى الصراع الإنسانى الحقيقى. فقد اكتشفوا فى أعماق قلوبهم أن الفعل الإنسانى، أو «العبودية» كما كانوا يسمونه، لا يفيد ولا ينفع فى أمريكا المستغلة الآلية الرأسمالية فكتاب الرأسمالية المقدس يقول افعل بالآخرين قبل أن يفعلوا هم بك (أى استغلهم قبل أن يستغلوك)
ولقد كان البلطجى هو أكثر الشخصيات دينامية، وقد لاحظ مالكولم أن البلطجى، وهو نتاج التمييز العنصرى، ليس لديه موانع داخلية من أى نوع، لأنه كى يحافظ على بقائه كان عليه أن يفترس الآخرين باستمرار ويتلمس طريقه إلى نقاط الضعف الإنسانى كابن عرس (ص ٣١١). ولم يكن البلطجى فى أمريكا البيضاء ليثق بأى فرد (ص ٨٧) إذ عليه الاستمرار فى المزاحمة ودفع الآخرين وإذا انحط الإنسان لمرتبة البلطجى أو المقامر أو لمرتبة الشىء، فإنه يفقد ما يميزه ككائن بشرى. وتتواتر فى السيرة الإشارات إلى الإنسان على أنه «حيوان»، مما يوحى لنا بوحشية المجتمع الأبيض التى تحط من قدر الإنسان. ولقد وجد مالكولم أن البيض كانوا يعتبرونه فى البداية عصفور كنارى أليفًا (ص ٢٦) وبعد ذلك صار بالنسبة لهم بغلًا جميلًا ثم حيوانًا أليفًا أصيلًا (ص ٢٧) وكلب بودل ودى (ص ٣١). ثم أصبح هذا الحيوان الآليف عديم الفائدة مجرد شىء طفيلى (ص ٧٥) ليصبح فى الفصل السادس نسرًا مفترسًا. وبالرغم من كل هذا لم يتخل مالكولم ولو للحظة عن براءته، لأنه أدرك أنه قد صار طائرًا مفترسًا لا بسبب شر أزلى كامن فيه وإنما بسبب وجوده فى عالم الرجل الأبيض المادى المبنى على التنافس الذى يلتهم فيه الإنسان أخاه الإنسان. (ص ٢٦٧)
واكتشف مالكولم بعقله التحليلى الذكى، أن إدراك بلطجى الحى الزنجى لمثل هذا الوضع يجعله إنسانًا ثوريًّا قويًّا، إذ أنه يرى نفسه كضحية أكثر منه كمفترس، ولذا فدرجة الاحترام الذى يكنه هذا البلطجى للمؤسسة البيضاء فى أمريكا أقل بكثير من درجة الاحترام الذى يكنه أى زنجى آخر فى شمال أمريكا لنفس المؤسسة (ص ٣١١)
بل أن مالكولم يلمح بأن المقاييس الأخلاقية لمجتمع البلطجية تعتبر بصورة ما أسمى من مقاييس الأخلاق فى أمريكا البيضاء. فالعلاقة بينه وبين صديقه شورتى البلطجى تتسم بحرارة معينة لا نجدها مطلقًا فى عالم الدولار. هذا لأن البلطجية «يكونون مجتمعًا» متآلفًا، ثم أن قانونهم الأخلاقى يعتبر متسقًا مع نفسه لأنه يطبق على السود والبيض على السواء – وهذا يعتبر قمة أخلاقية لم تصل إليها بعد تلك الولايات المتحدة.
بشائر البعث أو بزوغ حلم البراءة
وإذا كان حتى البلطجية قد استطاعوا الإبقاء على أرواحهم سليمة، فإن غالبية السود قد أظهروا قوة احتمال حضارية ملحوظة. فهم لم يستمروا فى البقاء وحسب، ولكنهم كانوا قادرين فى عالم المادية المطلقة هذا أن يحتفظوا بشىء من الرؤى وبالمقدرة على الحلم والتخيل. ونحن نجد فى النهاية أن ما أنقذ مالكولم هى تلك الرؤى لعالم من الجمال البرىء يعلو عالم الدولار الميكانيكى الأملس الأقرع.
ويرد أول ذكر فى السيرة لرؤى الخلاص فى الصفحات الأولى من الفصل الأول، حينما يتذكر مالكولم جيدًا موعظة أبيه المفضلة التى حملها فى قلبه طيلة حياته. «ها هو ذا القطار الأسود الصغير قادم، ومن الأفضل لك أن تكون جاهزًا له» (ص ٤)
قطار الخلاص آت إذن لا محالة ولا بأس من قليل من الانتظار على أن نكون جاهزين له عند وصوله. وتوضح الصورة المستخدمة مدى صلابة الإنسان الأسود فى أمريكا، إذ أنه يحول أكثر الأنشطة والأعمال مادية وأقل الأشياء شاعرية، مثل القطار، إلى رموز روحية. وتذكر مالكولم أيضًا فيما تذكر الأسطورة التى كان يحكيها أبوه ويستشهد بها: أسطورة آدم الأسود الذى طرد من فردوس أفريقيا وحمل عنوة إلى كهف أوروبا. وكان مالكولم لا ينسى قط استعارة العاصفة القادمة التى كان يستخدمها أبوه لوصف خلاص أفريقيا (ص ٦). العاصفة لا محالة ستهب لتطهير هذه الكهوف الدنسة. وإذا كان السود عندهم مثل هذه المقدرة على رفض الوقوع فى شراك المادة، لا غرو إذن أنهم فى الكنيسة «يلقون بأرواحهم وأجسادهم فى العبادة» (ص ٣٥). أن أمريكا البيضاء لم تمح أرواحهم تمامًا على نحو ما فعلت مع إخوانهم البيض، الذين، كما لاحظ – مالكولم، «كانوا يجلسون فى الكنيسة ويتعبدون بالكلمات وحسب» (ص ٣٥) – دون موسيقى أو غناء ويا له من مشهد حزين حقًا!
ولقد كانت الموسيقى والرقص هما وسيلتا الأفرو – أمريكى للتسامى على عذابه ولتحقيق ذاتية وهوية معينتين. وفى السيرة الذاتية، يؤكد مالكولم بروح ملؤها المرح أن غرائزه الأفريقية المكبوتة كانت تجد متنفسًّا لها حينما يرقص (ص ٥٧). وهناك إشارات كثيرة للموسيقى والأغانى الأفرو – أمريكية والتى ترمز إلى انتصار الروح الأفرو – أمريكية وإلى رغبتها فى بلوغ السماء (وتقف الموسيقى والرقص على طرف نقيض من صور الحيوانات، والتى تدل على مدى شراهة حضارة الإنسان الأبيض ورغبتها فى الحط من قدر الأفرو – أمريكى وتقييده بالأغلال والأرض بعيدًا عن السماء الزرقاء)
ولا يتضح هذا المغزى الرمزى للموسيقى فى أى مكان من السيرة أكثر من اتضاحه فى الفصل الخامس، حين يروى لنا مالكولم قصة الزنجى الذى كان يدخن سيجارة من القنب الهندى ثم سمع أغنية ليونيل هامبتون «طائر لبيتى»، فاعتقد أنه يستطيع الطيران وقفز فعلًا من شرفة الطابق الثانى وكسرت رجله. ولقد خلدت كل من حادثة «الانطلاق الروحى» المؤقت والنتيجة المأساوية المترتبة عليه فى أغنية أفرو – أمريكية أخرى! أغنية إيرل هاينز «القفز من الشرفة الثانية» (ص ٧٤)، ولكن مالكولم كان موضوعيًّا لدرجة تسمح له أن يرى قصور وعقم مثل هذا الطيران الفردوسى، ولكنه كان أيضًا متعاطفًا بدرجة سمحت له برؤية روعة جماله، وقد استطاع مالكولم ذاته فى مرحلة لاحقة من حياته أن يحلق فى السماء مثل «الفتى إيكاروس» (الذى حاول الطيران بأجنحة من شمع) ولكن مالكولم طار بأجنحة وهبها الله إياها عن طريق عقيدة الإسلام (ص ٢٨٧)
لقد احتفظت الموسيقى وعناصر الخلاص الأخرى فى عالم الأفرو – أمريكى بروح مالكولم وأنقذته من الانسحاق تحت وطأة الأخلاق العرقية فى أمريكا البيضاء. ولكن بالرغم من أن هذه العناصر كانت تتضمن درجة من الرفض للوضع الراهن الآسن، إلا أنها لم تحرر الأفرو – أمريكى تمامًا لأنها لم تزوده بحلم البراءة الذى يشكل نقدًا شاملًا للحضارة الأمريكية. وكان الإسلام، هذا النسق الأخلاقى المتكامل، يشكل بالنسبة لمالكولم كلا من حلم البراءة والنقد الشامل.
الإسلام
بدأت عملية الهداية إلى الإسلام بمناسك صغيرة مثل رفض تناول لحم الخنزير بينما كان فى السجن (ص ١٥٦) ومثل اعتياد الوضوء (ص ١٩٣)، ومع هذا انتهت بتبنى ثورة لنسق جديد من القيم.
تعرف مالكولم حينما كان فى السجن على الإسلام كما فسرته جماعة أليجاه محمد (التى تسمى بالمسلمين السود) ولقد آمن مالكولم بهذا التفسير وشعر بتفوقه الأخلاقى، ولكنه مع هذا انفصل عن هذه الجماعة فيما بعد وتخطى افتراضاتها الأخلاقية العنصرية التى تميز بين السود والبيض لصالح السود هذه المرة، أى أنها كانت تؤمن بمقلوب العنصرية الأمريكية.
وبالرغم من مساهمة عقيدة المسلمين السود فى تحرير وإنقاذ مالكولم، فقد كانت مثل عناصر الخلاص الأخرى فى حياته قبل إسلامه. عناصر قاصرة أخلاقيًّا ونفسيًّا عن تحقيق الخلاص الكامل، ولهذا السبب يجب علينا مناقشة تحول مالكولم إلى الإسلام «الحقيقى»، موضحين فى سياق المناقشة كيف تخطى معتقدات جماعة المسلمين السود. ولقد أظهر مالكولم فهمًا حدسيًّا للإسلام والتصور الإسلامى للخالق. ومن المعروف أن كثيرًا من المستشرقين قد درسوا الإسلام من قبل، ولكنهم كانوا راضين عن حضاراتهم تمام الرضا متقبلين لكل افتراضاتها الأساسية، فى حين كان مالكولم يجتاز أزمة أخلاقية ويحلم بعالم أفضل. ولهذا السبب لم يفهم كثير من المستشرقين جوهر التصور الإسلامى للخالق بعد مئات السنين من الدراسات النظرية المتعمقة والإرساليات الأوروبية، قدر فهم مالكولم له. فقد اكتشف مالكولم على سبيل المثال عدالة وعلمية التصور الإسلامى للخالق. والإله فى المسيحية عالمى وإله كل البشر، ولكن مالكولم كان يعلم أنه أصبح إلها مقصورًا على الرجل الأبيض وعلى الحضارة الغربية التى تخلع عليه ألوانًا معينة وتكسبه سمات حضارية محددة. ولقد أحس واعظ مسيحى بالحرج، حين أخبره مالكولم عن اللون الحقيقى ليسوع والقديس بولص (ص ١٩٠). ولقد أحرج هذا الواعظ لأنه كان يعلم أن يسوع لم يكن أبيض البشرة ولم يكن شعره أشقر، ولكن الكنائس فى الولايات المتحدة حولته إلى ذلك. والخالق، حسب التصور الإسلامى، يبقى بمنأى عن التعصب الإنسانى والفروق الزائفة، فهو ليس إله قبيلة دون غيرها أو إله شعب دون آخر، إنه إله العالمين فى كل زمان ومكان ومن كل لون. ولقد وصل مالكولم لهذه النتيجة لا عن طريق الاستنتاج المنطقى ولكن من خلال التجربة الشخصية. ففى العالم العربى الإسلامى أصر الناس على رؤية مالكولم على أنه أمريكى، أوليست هذه جنسيته؟ ولقد دعاه قائد الطائرة المصرى الذى كانت بشرته أكثر سوادًا من بشرة مالكولم نفسه، إلى حجرة القيادة باعتباره «مسلم أمريكى» وحسب (ص ٣٢٤)، وليس باعتباره مسلم أسود. وألقى عليه مسلم إيرانى التحية فى ديوانه فى القطار قائًلا «أم...أمريكى» (ص ٣٢٩). ولقد كانت دهشته كاملة وأخذ إدراكه لطبيعة الإله الإسلامى شكلًا نهائيًّا حينما لم يسلك الدكتور عزام هذا «الرجل الأبيض» سلوك الرجل الأبيض بتاتًا (ص ٣٣١). ويكتشف مالكولم بفزع شديد أنه كان الوحيد الذى يعانى من الإحساس بالفوارق العرقية. هذه النظرية الجديدة كانت هى علامة البدء لانطلاقه الكامل بعيدًا عن القيم الأمريكية، وفى أحد أجزاء السيرة، وهو جزء له دلالة عميقة تبدأ بالإشارة إلى الصباح، يخبرنا مالكولم عن إعادة تقويمه للفظة «أبيض» وعن قفزته البطولية من الأحكام العنصرية إلى التقويمات الإنسانية الأخلاقية (ص ٣٣٣)، إذ تفقد لفظة «الرجل الأبيض» محتواها العنصرى لأنه شاهد أناسًا ذوى بشرة بيضاء كانوا متآخين عن صدق. لقد طرد مالكولم بشكل تام شيطان العرقية لدرجة أنه حين لاحظ أن الناس المتشابهين كانوا يمكثون سويًا، لم يرجع ذلك إلى نوع من أنواع التفرقة العنصرية وإنما اعتبره نوعًا من الفعل الاختيارى «لأناس» يوجد بينهم شىء مشترك يجمعهم (ص ٣٤٤)
ولقد مكنه هذا التفاعل الشخصى مع المسلمين من أن يفهم المعانى الثورية للمفهوم الإسلامى عن وحدانية الله. فالبيض الذين يقفون أمام الإله الواحد ليسوا أناسًا بيض البشرة وإنما كائنات بشرية كاملة (ص ٣٦٠). ولقد وقف مالكولم الأفرو – أمريكى بدوره أمام «خالق الجميع» وشعر أنه كائن بشرى كامل (ص ٣٦٥). لقد استطاع الإحساس بهذا التكامل الإنسانى لأن وحدانية الله تعنى قبول وتساوى كافة البشر أمامه (ص ٣٤١)
رحب مالكولم بالنتيجة الحتمية لرؤيته الإسلامية الجديدة، ولذا رفض بعد ذلك الأسطورة الزائفة التى تروج لها جماعة المسلمين السود التى تقول إن الرجل الأبيض هو الشيطان! أى أنه بلغ من السماحة والتحرر من العرقية أنه رفض العنصرية ومقلوبها، ورأى أنه لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعقل الإنسانى الفاضل.
وثمة جوانب أخرى للتصور الإسلامى الخالق أدركها مالكولم فمن المعروف أنه حسب التقاليد الإسلامية لا يجوز لأى إنسان أن يرسم صورة الله، كما أن الخالق لا يتجسد فى أى شكل إنسانى، ولذا فنبى الإسلام هو محطم «الأوثان». ويرجع هذا لأسباب ليس من الصعب اكتشافها فرسم صورة للإله هو فى نهاية الأمر فرض حدود عليه وصبغه بصبغة معينة – إن الإله الإسلامى إله شامل ويفضل أن يظل كذلك. ولقد أظهر مالكولم فطنته الملحوظة فى رفضه للإطار الأسطورى المركب، والذى ابتدعه المسلمون السود (ص ١٦٨) فلقد اعتقدوا أن الله متجسد فى إنسان نصف أبيض ونصف أسود اسمه السيد فارد! وقد تنبه مالكولم أيضًا إلى خطورة تجسد الإله فى شخص أو فى أى صورة، وأشار إلى مخاطر تأليه ما هو إنسانى. ولذا رفض مالكولم الإيمان بأليجاه محمد زعيم جماعة المسلمين السود «كقائد مقدس» وآمن به كقائد بالمعنى الإنسانى المألوف. وفى مكة فوق التل وفى حضرة الواحد الأحد أدرك مالكولم مدى خطورة الإيمان بالشخص الذى يدعى أن الله يهديه ويحميه بشكل خاص (ص ٣٧٥). ولعل رفضه لفكرة التجسد وحلول الخالق فى مخلوقاته يفسر عدم تعرضه مطلقًا فى سيرته الذاتية إلى وصف شكل الله أو ما يتصوره على أنه سماته الشخصية.
واحد أحد هو، ولكنه غير غريب على الذات الإنسانية، ولذا رفض إله الإسلام أن يزود نبيه بقوى فوق الطبيعة من شأنها أن تنتهك مسار العمليات الطبيعية، ورفض محمد عليه الصلاة والسلام بإصرار شديد أن يستسلم إلى المغريات وأن يكون «نبيًا عاديًا» يملك قوى خارقة، وبقى إنسانًا يعيش وسط الناس. ويخبر الله محمدًا فى القرآن ما معناه أنه لو سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداعى إذا دعانى. وكان مالكولم يردد ما جاء ذكره فى القرآن حين قال «الله يبعث لك بإشارات أنه معك حين تكون معه» (ص ٣١٩). أنه ذلك الإله الرحيم الذى كان يعرفه مالكولم فى كل مرة كان يردد فيها عبارة: «أعرف أن الله قريب»، هى عبارة يتواتر ذكرها كثيرًا فى السيرة كلازمة، خاصة فى الفصل السابع عشر.
ولم يكن نبى الإسلام مجرد رسول مبعوث من قبل الله، ولكنه كان أيضًا قائدًا سياسيًّا «لشبه الجزيرة العربية». فهو لم يقدم رؤية جديدة للحياة وحسب، ولكنه حارب من أجل تحرير العبيد وتحقيق هذه الرؤية فى التاريخ. ولذلك كان «العبد» بلال، وهو من أوائل المهتدين، تابعًا للدين الجديد ومقاتلًا فى سبيل الحرية، وبالاختصار نجد أن الفصل بين الفكر الدينى والأخلاقى من جهة وبين التطبيق الاجتماعى والسياسى من جهة أخرى ليس إحدى سمات الإسلام وهذا الجانب من الإسلام لم يغمض على مالكولم.
ويبدو لى أن هذه هى أهم النقاط التى جعلت مالكولم ينفصل عن جماعة المسلمين السود. فقد اكتشف وهو يسير بين الجماهير الأفرو – أمريكية، أن هذه الجماعة كان بمقدورها أن تكون قوة ذات فعالية إن هى ساهمت بشكل أكثر فعالية فى الصراع الشامل للجماهير (ص ٢٨٩). وحينما فشلت جهوده فى إعادة تكييف الجماعة مع مقتضيات الحركة الاجتماعية، قرر أن يبنى تنظيمه الخاص الذى يقوم بتطبيق ما تنادى به جماعة المسلمين السود دون ممارسة (ص ٣١٥). لقد كان مالكولم متحمسًا لإسلامه بدرجة جعلته أكثر من مجرد كاهن، فهو كان يحث على التحرك الاجتماعى، كرسول الله.
وآخر خاصية للمثل الإسلامية، والتى استطاع مالكولم أن يستشفها ويقدرها حق تقديرها، هى خاصية التجميع أو الائتلاف. ومن المعروف أن يوم الراحة الإسلامى هو يوم الجمعة أو يوم التجمع، ويقول الله فى القرآن إن يده دائمًا مع الجماعة أكثر مما هى مع الفرد. وفى أول لقاء لمالكولم مع المسلمين شعر لتوه «بجو من الدفء والصداقة» (ص ٣٢١). وإذا راعينا أنه أتى من مجتمع عرقى متنافس، نجد أن الأثر كان أشبه «بالخروج من السجن» (ص ٣٢١). ولقد أحبه الناس وقبلوه «كأخ لهم» (ص ٣٢٢) وقدموا له من طعامهم بل وأناموه فى مخادعهم. وتسأله زوجة مصرية غير قادرة على رؤية التنافس على أنه الدافع الوحيد لسلوك الإنسان تسأله هذه الزوجة فى براءة شديدة: «لماذا يتضور الناس من الجوع فى العالم، فى حين تملك أمريكا فائضًا كبيرًا من الطعام؟» (ص ٣٢٢). إن الإنسان الذى يأتى من مجتمع رأسمالى مركب يعرف «الحقيقة العلمية»: ففى أمريكا يتركون الفائض حتى يتعفن، وفقًا لأحدث الأساليب التكنولوجية المتقدمة بالطبع حتى ترتفع الأسعار!
رفض مالكولم إذن أخلاقيات المجتمع الرأسمالى العرقى فى الولايات المتحدة، وفاض قلبه بحب مكة المكرمة حتى إنه ترك جزءًا من نفسه فى تلك المدينة المباركة وحمل فى قلبه جزءًا منها (ص ٣٩٤). ولكنه مع هذا رفض أن يهبط إلى أى شكل من أشكال الهروب أو الرغبة فى «العودة» الصوفية ليقيم بجوار قبر الرسول أو يستوطن فى العالم الإسلامى أو أى مكان يتصوره على أنه الفردوس الأرضى. حمل مالكولم حلمه بالبراءة الأولى وعاد إلى قومه ليحارب معهم من أجل حقوقهم، فرفض الأفكار الانفصالية التى كانت تدعو لها بعض الجماعات القومية السوداء وتبنى مفهومًا أكثر تركيبًا عن العودة إلى أفريقيا، فلقد أضحت «العودة» بالنسبة له «عودة» فلسفية وحضارية وحسب، وليست عودة جسدية فردوسية. وكانت العودة الفعلية لأمريكا على قدر مساو من الأهمية كالعودة النفسية إلى أفريقيا. وتكشف هذه «العودة» الثنائية عن التزام مالكولم بمجتمعه وبحدوده التاريخية عن طريق حلمه بالبراءة ومثله العليا الجديدة، كما تكشف عن إصراره على هوية مركبة ثنائية، كأفريقى وكأمريكى. فهو لم يكن نبيًا مجنونًا يريد تحطيم كل الحدود التاريخية والإنسانية – كى يحقق فردوسًا أرضيًا خالصًا.
وبعد قبوله للمثل الأخلاقية الإسلامية، وبعد طرده لشبح أمريكا البيضاء، استطاع مالكولم الإنسان الجديد أن يكتشف نفسه ويكتشف روحه الجميلة الحقيقية. وتصل السيرة الذاتية إلى ذروتها حين يكتشف مالكولم المتحرر، فى عالم البراءة الجديد، فى مدينة مكة المكرمة، «نزعات مثالية» (ص ٣٣٣) فى نفسه. أن هذه لصيحة بعيدة الدوى من كلب البودل الوردى، والبلطجى، الذى أرادت أمريكا البيضاء من مالكولم أن يكونه. أن تلك السيرة الذاتية هى حقًا ترتيلة تمجيد لروح الإنسان، القادرة على التحمل، بل على الانتصار.
الباب الرابع
المرأة الأمريكية بين التاريخ والفردوس
1- تمهيد:
كان من المستحيل أن أذهب إلى الولايات المتحدة دون أن يجذب انتباهى حال المرأة هناك، فقد قيل لى أن الولايات المتحدة هى البلاد التى تحكمها النساء ويرتع فيها الأطفال، أما الرجال فهم فى مصانعهم أو مكاتبهم أو أمام التليفزيون، باختصار هم دائمًا «يعملون» شيئًا ما.
حينما حملت متاعى أنا وزوجتى فى عام ١٩٦٣ وارتحلت إلى هناك، حاولت أن أعيش الأسطورة وحاولت جاهدًا أن ألائم الواقع مع الفكرة (كما يفعل معظم الناس وكما أفعل عادة) ولكن دون جدوى. فلقد لاحظت زوجتى أن صديقاتها الأمريكيات مرهقات جسديًّا ونفسيًّا وأن حياتهن يتخللها قدر كبير من التوتر نظرًا لأنهن مشغولات دائمًا لا يكففن عن العمل أو التفكير فى الأطفال أو فى توصيل الزوج إلى عمله أو إعداد الطعام أو الذهاب إلى عملهن – كن لا يتكلمن أبدًا عن حياتهن وإنما كُنّ يثرثرن عن حياة أزواجهن.
وفجأة بدأت زميلاتى وأساتذتى من السيدات فى الجامعة وجاراتنا وصديقات زوجتى فى الشكوى من وضع المرأة الأمريكية. كانت أسباب الشكوى شىء مألوف، فنحن المصريون نعيش فى مجتمع يؤمن إيمانًا جازمًا بأن المرأة (أى امرأة) أقل من الرجل (أى رجل) فى عقلها وقوتها وتصوراتها الفكرية. وحيث أننى أقوم بالتدريس فى كلية البنات فأنا أرى بنفسى الترجمة العملية لهذه العنصرية، فكم من خريجة منحها الله عقلًا ذكيًّا وموهبة لا حد لها انتهت كل آمالها داخل جدران أربعة، لأن زوجها يؤمن بأن مكانها هو المنزل، وكم من طالبة متزوجة تعيش فى هلع لأنها لا تنجب ذكورًا وزوجها صاحب الحول والطول «نفسه فى ولد»، كما لو كان تحديد جنس الجنين من مسؤولية المرأة (ولو قرأ هذا الرجل المصرى بعض كتب البيولوجيا لعرف أنه هو المسؤول عن تحديد جنس الجنين) – أقول كانت الشكاوى مألوفة نظرًا لأن المرأة الأمريكية هى مثل زميلتها المصرية قد وقعت ضحية استغلال مجتمع الرجال، وإن كانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية والحضارية مختلفة. ولكن على الرغم من هذا كنت ألاحظ أيضًا أنه ثمة نبرة غريبة فى شكوى من أعرف من سيدات أمريكيات، حتى كان يخيل لى أن تمردهن ليس موجهًا ضد ظروفهن الاجتماعية أو وضعهن الإنتاجى، بل كان موجهًا إلى وضعهن البيولوجى ذاته، وحينما عدت عام ١٩٧٣ بعد فترة غياب دامت أربع سنوات تدعمت كل شكوكى، فثورة تحرير المرأة ذات الجذور الاجتماعية لفحتها لفحة فردوسية أتت عليها وحرمتها من بعدها التاريخى وجعلت منها تمردًا فاقد الاتجاه والمحتوى والدلالة، وبالتالى ليس له أية فاعلية اجتماعية. وقد لاحظنا أن هذا النموذج يتكرر فى معظم حركات السخط فى الولايات المتحدة، فالساخطون على الاستغلال لا يتحولون إلى تنظيم سياسى وإنما يدخنون الحشيش ويتعاطون المخدرات، وبدلًا من «الإنسان الناجح» لا يظهر «الإنسان الثورى» وبدلًا من «الإنسان ذى البعد الواحد» لا يظهر «الإنسان متعدد الأبعاد»، وإنما يظهر «الإنسان المكتئب» أو «الإنسان الفاشل» واليسار الجديد يصدر عن تحليل للواقع التاريخى ولكنه سرعان ما ينتهى إلى الفعل المباشر. وحركة تحرير المرأة فى الولايات المتحدة ليست استثناء عن القاعدة بل هى تكرار لنفس النمط والنموذج، وهو نمط لا يمكن تفسيره إلا على أساس عدم وجود تاريخ أمريكى وعدم وجود وعى به، فالوعى بالتاريخ هو فى جوهره وعى بالوجود الاجتماعى للإنسان – أى أن يرى الإنسان نفسه جزءًا من كل إنسانى يمتد فى الماضى. ولكنه بافتقاد هذا الوعى وهذا الوجدان التاريخى يصبح الإنسان جزءًا من الحاضر وحسب، ويصبح مجموعة من الأحاسيس والانفعالات وردود الأفعال التى لا يضبطها أى ضابط والتى يمكنها أن تتجه فى أى اتجاه، إذ أن المركز فى هذه الحالة يصبح جهاز الإنسان العصبى واحتياجاته الشخصية. ولنبدأ بتحليل الجذور الاقتصادية لحركة تحرير المرأة مرجئين الحديث عن النزعة الفردوسية إلى النصف الثانى من المقال.
2- تحرير المرأة الأمريكية والتاريخ
يحتاج النظام الرأسمالى إلى عمالة فائضة دائمًا، نوع من البروليتارية السائلة غير مرتبطة بوظيفة محددة على استعداد للعمل فى أى مكان وفى أى وقت دون أن تصبح جزءًا عضويًا من عملية الإنتاج نفسها – أى أنها تظل دائمًا داخل الإنتاج وخارجه فى الوقت ذاته. ووجود مثل هذه العمالة السائلة هام وضرورى من وجهة النظر الرأسمالية لسببين: أولًا للضغط على العمال المنتظمين حتى يتمكن من إبقاء أجورهم عند الحد الأدنى الممكن. ثانيًا يحتاج النظام الرأسمالى لهذه القوة السائلة حتى يتمكن الرأسماليون من نقل رأسمالهم من استثمار لآخر. ووجود فائض دائم من العمال يمكن الرأسمالى من استئجار أي عدد من العمال فى أى وقت، فلو تحققت «العمالة الكاملة» لأصبحت حركة النظام بطيئة للغاية بل ولأصبحت مستحيلة من بعض النواحى.
ويقوم المهاجرون الجدد والزنوج بسد حاجة الرأسمالية الأمريكية فى هذا المجال، ولكنهم – من وجهة نظر رأسمالية – يعدون متخلفين نوعًا لأن خلفيتهم الحضارية تعوقهم على التأقلم السريع مع النظام وعن الإسهام الكفء فى عملية الإنتاج، كما أنهم لا يمكنهم القيام ببعض الأعمال الفنية.
من هنا تكون أكثر من فريق للعمالة الفائضة فى الولايات المتحدة واحد لمختلف الأعمال اليدوية وقوامه المهاجرون والزنوج، والآخر للأعمال المتقدمة نوعًا مثال السكرتارية والخدمات الاجتماعية وبعض الأعمال الإدارية وبعض الأعمال الصناعية الخفيفة وقوامه السيدات (وهذه العمالة الفائضة تكتسب أهمية خاصة أثناء «الحروب المحدودة» العديدة التى تخوضها أمريكا حيث تحل السيدات محل المحاربين الذكور فى غابات آسيا)
بهذا المعنى تكون سيدات أمريكا أقلية مضطهدة مستغلة اقتصاديًّا، وهى مثل كل الأقليات تصل إلى وعى نفسها فى لحظة من اللحظات الزمنية وتبدأ فى التمرد والمطالبة بحقوقها كما فعل الزنوج والبوروتوريكان من قبل.
وقد يكون من المفيد أن نذكر أن بين مجموع المواطنين الأمريكان الذين يكسبون أكثر من ١٠ آلاف دولار يوجد ٢ ٪ فقط من السيدات، وأنه من أوائل الستينات نجد أن أكثر من نصف سيدات الولايات المتحدة يعملن «بعض الوقت» لا كله، أى أنهن على استعداد دائم لشغل أى وظائف جديدة وللحلول محل أى رجل يفصل أو يسافر لفيتنام! ولكن حتى تتضح الصورة فى ذهننا يجب أن نذكر أن ٩٥ ٪ من الوظائف التى يزيد أجرها عن ١٥ ألف دولار يشغلها أمريكان بيض، أى أن الاضطهاد ليس جنسيًّا وحسب إنما اضطهاد عنصرى طبقى أيضًا. ولكن لأنه اضطهاد جنسى/عنصرى/طبقى تكون المرأة السوداء المتزوجة من الزنجى محدودة الدخل هى أكبر ضحية للاضهاد الرأسمالى الأمريكى. وقصيدة «أغنية ليلة الجمعة» التى كتبتها الشاعرة روا آشر تعبر عن هذاالاضطهاد المركب الذى يقع على المرأة السوداء:
أركب الأتوبيس بقدمىّ المرهقتين المعذبتين.
حزينة أنا ... أظن أننى سأكتب قصيدة.
عن الأجور المنخفضة وسعر اللحم المرتفع.
ارفعى رأسك يا فتاة – فأنت ذاهبة للمنزل.
ها أنذا ذاهبة – وزمن طويل انقضى.
والأتوبيس يجرى، يأخذنى إلى المنزل.
يا مطبخى العزيز الذى على أن أغسل أرضه حتى تصبح ناصعة البياض.
يا أطفالى الأعزاء الذين على أن أطعمهم.
يا زوجى الذى ينتظرنى الليلة.
وعندى الكثير لنقوله ... وليس عندنا الوقت.
ها أنذا ذاهبة – وزمن طويل انقضى.
والأتوبيس يجرى يأخذنى إلى المنزل.
قضيت زمنًا طويلًا فى مدينة المدير الأبيض.
ولم أر وجه أهلى فى المكان الذى أنا راحلة عنه.
أعمل طوال الأسبوع فى المدينة الحزينة.
ولكنها الآن ليلة الجمعة وسأعود للمنزل.
ها أنذا ذاهبة – وزمن طويل انقضى.
والأتوبيس يجرى يأخذنى إلى المنزل.
وبطلة القصيدة السوداء مضطهدة أكثر من زوجها من بعض النواحى، فهى تعمل داخل المنزل وخارجه فى الوقت ذاته، وهذا ناجم عن أن خطأ ما حدث فى «تقسيم العمل» فى الولايات المتحدة (وفى معظم المجتمعات الصناعية الحديثة). فتحرير المرأة فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الذى تم فى الإطار البورجوازى الحضارى كان يعنى حق المرأة أن تعمل خارج المنزل إلى جوار عملها داخله، ولذلك فالمرأة العاملة فى الواقع تعمل ضعف الرجل. إن النظام الرأسمالى مبنى على أساس أن المرأة تعمل فى المنزل دون مقابل مادى أو معنوى، ولذلك يقال إنه إذا تزوج رجل ما من خادمته (التى يدفع لها أجرًا ويحسب عملها ضمن القوة العاملة) فإنه ينقص بذلك الدخل القومى لأنه لن يدفع أجرًا لزوجته، كما أن عملها غير محسوب ضمن القوة الإنتاجية.
ومما يزيد العبء على الزوجة أن الأسرة الأمريكية «أسرة نووية» تضم الأب والأم والأولاد وحسب (على عكس «الأسرة الممتدة» التى تضم الجد والجدة والأعمام والأخوال أحيانًا وهكذا). ففى إطار الأسرة النووية يجابه الإنسان أعباءه اليومية كلها بمفرده دون توجيه أو مساعدة، كما أن الأطفال يمثلون عبئًا ثقيلًا عليه لأن فى العائلة الممتدة يكوّن الأطفال مجتمعًا هرميًا خاصًا بهم يسيرون أمورهم بنفسهم ويتبادلون الخبرات والمعلومات فيما بينهم دون اللجوء إلى الكبار فى كل صغيرة وكبيرة، مما يخفف العبء النفسى إلى حد كبير.
وكملاحظة جانبية لابد وأن نشير إلى أن بناء الأسرة النووية بناء ضيق خانق، فالزوج لا يخرج إلا مع زوجته وبالتالى لا تخرج هى إلا معه. وأذكر أنى حينما كنت أود الخروج دون صحبة زوجتى كنت أجد صعوبة فى إقناع أى من أصدقائى الأمريكان البيض بذلك، وفى النهاية كنت أخرج مع صديق زنجى وآخر من أصل يونانى. ونفس الصعوبة كانت تواجهها زوجتى فهى كانت تضطر للخروج مع سيدة من أصل ألمانى والزنجية زوجة صديقى اليونانى الأصل. وكلهم ينتمون إلى شرائح اجتماعية تسيطر عليها تقاليد حضارية تتقبل فكرة الأسرة الممتدة. فى داخل إطار الأسرة النووية لا يمكن للرجل المتزوج إلا أن يصادق رجالًا متزوجين ولا يمكن للمرأة المتزوجة إلا أن تصادق نساءً متزوجات وقد تبدو هذه المسألة طبيعية للغاية، ولكن نتائجها الحضارية عميقة للغاية فهى تعنى أن الزوج يحصر اهتماماته فى اهتمامات زوجته (وهذا قد يكون مقبولًا بالنسبة له لأنه يقضى معظم حياته خارج المنزل يعبر عن إنسانيته وإمكانياته) ولكن الأدهى أن الزوجة تحصر اهتماماتها فى اهتمامات زوجها، وحيث أنها تقضى كل وقتها فى المنزل فإنها تصبح عبئًا على نفسها وعلى زوجها.
وكثيرًا ما كنت أسمع زوجات زملائى يتباهين أنهن يعرفن كل كبيرة وصغيرة عن أزواجهن ودراساتهم، واتجاهاتهم وأساتذتهم وتقديراتهم ... إلخ، وفى الوقت ذاته لا يعرف المرء ما هى اهتماماتهن أو اتجاهاتهن أو حتى أحزانهن أو أفراحهن، أى أنه فى إطار الأسرة النووية يحدث مصادرة جزئية لحرية الرجل ومصادرة كاملة لحرية المرأة، وهذا على عكس الأسرة الممتدة حيث يمكن للزوجة أن تنشئ علاقات مع أختها أو أمها وحتى حماتها ويمكن للرجل أن ينشئ علاقات مع معارفه من الرجال، وكما أن مجتمع الأطفال يفيد فى تبادل الخبرات وفى الإنضاج الإنسانى، كذلك نجد أن مجتمعات الرجال ومجتمعات النساء المنفصلة تقوم بنفس الوظيفة. لكل هذا نجد أن أزمة المرأة الأمريكية كانت آخذة فى التفاقم لأنها أصبحت غير قادرة على العثور على ذاتها الحقيقية.
وقبل أن نسترسل فى ذكر بعض الأسباب الأخرى التى أدت إلى ظهور حركة المرأة فى الغرب، يجب أن نتوقف لنذكر أنفسنا أن نظام الاقتصاد الرأسمالى – شأنه شأن أى نظام اقتصادى آخر – ليس مجرد عملية إنتاجية ميكانيكية تتم خارج الإنسان وبمعزل عنه وإنما هو وضع نفسى وموقف عاطفى وتصور محدد للنفس البشرية. فالإنسان فى المجتمع الإقطاعى على سبيل المثال كان لا يرى نفسه إلا كعضو فى جماعة (ولذلك نجد أن كلمة Individual فى العصور الوسطى كانت تعنى عضو جماعة) أما فى المجتمع الرأسمالى بجميع مراحله (سواء كانت رأسمالية تجارية أو صناعية أو مالية) فإن الإنسان يصبح مجرد وحدة إنتاجية يعيش لنفسه وبنفسه منفصلًا عن الآخرين. إن الأنماط الإنتاجية المختلفة لم تهبط علينا فجأة بل طورها الإنسان بنفسه وابتدعها. وهو أثناء ممارسته التاريخية تلك قد صنع نفسه وابتدعها، إن أى نمط إنتاجى يستند إلى تصور محدد للنفس البشرية وتطورها – تصور هو ذاته ثمرة هذا النمط الإنتاجى – لذلك يكون من الأفضل ألا نسأل السؤال البيزنطى التقليدى عن البيضة والفرخة أو عن الواقع الاقتصادى والإنسان أيهما يسبق الآخر، بل نرى أنه ثمة علاقة جدلية تربط الواقع الاقتصادى بالأفراد الذين يعيشون فيه وإنه إذا كان الواقع الاقتصادى مسؤول عن وجود الأفراد على هذه الصورة، فالأفراد هم أيضًا المسؤولون عن وجود الواقع الاقتصادى على هذه الصورة. وحيث أن الإنتاج مرتبط بنموذج إنسانى محدد نجد أن نمط الإنتاج الرأسمالى مسؤول عن كثير من السمات التى تسم الإنسان الأمريكى. فالأسرة النووية التى أشرنا إليها لم تنشأ مصادفة وإنما هى ترجمة اجتماعية لمحاولة تنشئة الإنسان الرأسمالى الفرد المنفصل عن الآخرين، ولذلك فلتهدم الأسرة الممتدة حتى تخلق التربية التى تسمح بسهولة بيع العمل الإنسانى وانتقال رأس المال فى دينامية عمياء لا تقف فى طريقها أى تنظيمات اجتماعية متخلفة! وقد يسبب هذا الانفصال الكثير من الألم الإنسانى، ولكن ليست هذه هى القضية. والرأسمالية أيضًا هى المسؤولة عن ظهور الإنسان الاستهلاكى الذى يصاب بالسعار فيصبح كالشفاطة التى تريد ابتلاع كل شىء كبر حجمه وغلا ثمنه. ولإرضاء هذا السعار الاستهلاكى تشترى الزوجة ثلاجة ضخمة (أضخم من ثلاجة الجيران) وتضطر أن تترك أسرتها لتعمل لسداد الفاتورة فتتهدم الأسرة ويزداد التوتر فى حجمه زيادة تتناسب تناسبًا طرديًا مع حجم الاستهلاك.
ولزيادة السعار الاستهلاكى تطلق الرأسمالية قوى الإنسان الجنسية من عقالها، كما بينا من قبل، وهذا الإنسان الاستهلاكى هو الترجمة العملية لمبدأ اللذة الكمى البوجوازى الذى يعرف السعادة على أنها إرضاء أكبر قدر ممكن من الرغبات لأكبر عدد ممكن من الناس! أن هذا الإنسان يعيش داخل نفسه منفصلًا عن الآخرين وعن تراثه، ولذلك فهو يعيش فى الجسد يبحث عن المتعة المباشرة التى لا علاقة بها بالخير أو بالشر. وإذا أحس بالاغتراب فهو يهزم اغترابه بإنشاء علاقة جنسية، فالعلاقة الجنسية وسيلة مباشرة وسهلة وملموسة للاتصال بالآخرين. ولأنه يدور حول نفسه تصبح الأسرة أمرًا غير هام، فاهتمامنا بالأسرة ينبع من إيماننا بأن الوجود الإنسانى وجود جماعى وأن الأسرة هى المكان الذى نتوارث فيه القيم الجماعية التى كد الإنسان عبر تاريخه للوصول إليها، وهو المكان الذى نكتسب فيه هويتنا الاجتماعية والتاريخية والإنسانية ونعدل ونشكل هويتنا الطبيعية الفجة بالتدريج وبأقل قدر ممكن من الألم.
هذا الموقف من الجنس أثر ولا شك على بناء الأسرة وزاد من تحللها بل ويهددها بالاختفاء تماماً، مما أضعف من دور المرأة التقليدى كزوجة وأم الأمر الذى يجعلها تبحث عن دور آخر لها.
وإذا كان الموقف الاستهلاكى من الجنس قد أضعف من دور المرأة التقليدى فإنه يلقى على كاهلها عبئًا من نوع جديد، فأينما تفتح التليفزيون الأمريكى تجد امرأة نصف عارية تبيع لك شيئًا ما. وهذا يصعد من توقعات الرجل الأمريكى بالنسبة للجنس والمتعة التى يتوقعها. وتبدأ الأمور تختلط فى ذهنه ويتوقع من زوجته أن تصبح مارلين مونرو أو إحدى آلهات الجمال البورجوازات (ويحاول هو جاهدًا بالتالى أن يصبح مارلون براندو) مما يسبب الكثير من عدم الاطمئنان والإحباط للزوجة. وتساهم الشركات المنتجة لأدوات التجميل فى تصعيد توقعات الذكور من الإناث فتضطر الإناث للاستهلاك. ومما يجدر ذكره أن استهلاك الأمريكان لمستحضرات التجميل يبلغ ما يزيد عن ٤ بليون دولار. ولعل هذا الجانب من الحضارة الأمريكية هو الذى يفسر ثورة السيدات العارمة على أدوات التجميل والرموش الصناعية والمساحيق، على هذه الصناعات التى تعمل جاهدة على إقناع المرأة بالتحول إلى شىء جميل «يثير الرجل جنسيًّا». ولعل من أجمل قصائد السخط التى كتبت عن هذا الموضوع قصيدة «الفتاة السلعة»
الفتاة الجميلة كالسلعة.
تباع وتشترى مع أسهم الشركات.
حينما ترتفع الأسعار فى السوق.
احسب أسهمك.
فيما ترتدى من ملابس.
لأن هذا هو مصدر الربح.
الفتاة الجميلة فى هذا المجتمع.
يحكم عليها حسب المظهر وحسب.
أن ما ترى على وجهها.
يكون فى الغالب بقايا.
المواد الكيماوية التى يستخدمونها فى الحروب.
إن البيت الأخير يدل على إحساس الشاعرة بأنه ثمة تكامل فى بنية المجتمع الإمبريالى الأمريكى المسؤول عن إنتاج النابالم ومسحوقات التجميل. ففى كلتا الحالتين نجد أن الهدف من عملية الإنتاج هو الإنتاج ذاته بحيث يدخل المجتمع دائرة الإنتاج الآخذة فى الاتساع اللانهائى، ولضمان هذا تدخل الرأسمالية حروبًا محددة مع الشعب الفيتنامى تستهلك فيها آلاف الدبابات والطائرات والغازات السامة والأمريكان، وتدخل أيضًا حروبًا غير محدودة مع الشعب الأمريكى والمرأة الأمريكية بالذات. وتستهلك فى هذه الأخيرة ملايين السيارات والمسحوقات والثلاجات والاستقرار والهدوء النفسيين. بل إننى أرى أن هذه «الإمبريالية النفسية» يمكنها أن تحقق أرباحًا للرأسمالية الأمريكى دون معارك حربية فى الخارج، ويمكن توسيع رقعة السوق الرأسمالى لا عن طريق الانتشار الأفقى فى الخارج بل عن طريق الانتشار الرأسى الداخلى وتصعيد السعار الاستهلاكى. ولكن كما فشلت الإمبريالية العسكرية فى فيتنام لأن العسكريين الأمريكيين لم يكن عندهم تصور كاف عن مدى صلابة الشعب الفيتنامى ومقدرته على الكفاح والنضال، نجد أن الإمبريالية النفسية هى الأخرى آخذة فى الفشل لأن الإنسان الأمريكى والمرأة الأمريكية فى نهاية الأمر إنسان مكون من جسد طبيعى ووعى تاريخى وليس شيئًا «طبيعيًّا كهذا» ذا بعد واحد، ولذلك إذا عومل على أنه شىء جميل «يثير اللذة الجنسية» فإنه يثور ويحتج ويلقى بالرموش الصناعية والنهود البلاستيك فى وجه مستغليه! وهذا الجانب من حركة تحرير المرأة جانب إيجابى ولا شك لا بد وأن نستفيد منه وأن ندرسه ونحاول تطبيقه على مجتمعنا، فهذه الحركة تنبهنا إلى أنه لا بد من إعادة تعريف دور المرأة ووظيفتها فى المجتمع الصناعى (ونحن على عتبات المجتمع الصناعى الحديث إن لم نكن قد وصلنا له بالفعل). فدور المرأة كما نعرفه الآن ليس نتاج واقعنا وإنما هو استمرار لواقع قديم متناه فى القدم حين كانت القوة العضلية عنصرًا أساسيًّا فى عملية الإنتاج، أما فى المجتمع الصناعى فالقوة العضلية ليست مطلوبة على الإطلاق وإنما الأمر اللازم توافره هو مقدرات عقلية معينة يكتسبها الإنسان عن طريق التعلم، وهذه المقدرات والخبرات يمكن توافرها للمرأة قدر توافرها للرجل. ولا بد وأن يتيح المجتمع الإنسانى الفرصة للمرأة الموهوبة أن تخرج لتحقيق كل إمكانياتها، كما أنه لا بد وأن نعيد تقوم موقفنا من تصورنا للعمل فيجب على الرجل والدولة والمجتمع أن يعترفوا بأن العمل فى المنزل هو عمل منتج وأنه إن لم تقم به الزوجة سيقوم به شخص آخر فى ساعات عمل محددة ونظير أجر محدد. هذا لا يعنى أنه على الزوج أو الدولة أن تقدر للزوجة أجرًا نظير عملها فى المنزل، لأن تحديد مثل هذا الأجر صعبًا وغير مستحب (كيف ستحدد فعلًا أجر زوجة المدير وزوجة العامل؟) وإنما يعنى تغييرًا فى موقفنا النفسى من المرأة ووظيفتها، وبالتالى حينما يعود الرجل إلى منزله أنه لا يسخط باعتبار أنه كان «يعمل» بينما كانت زوجته فى المنزل وإنما سيخفض من صوته قليلًا لأنه بينما كان يعمل كانت زوجته هى الأخرى تشقى وتكد، ترضع الأطفال وتغسل الصحون وتتسلق السلالم وتشترى الخضار وتطبخه وتحكى القصص للأطفال وتعطى من ذاتها وكيانها له ولأولادهما. ولعل فكرة إعادة تحرير تعريفنا للعمل قد يهدىء من بال كثير من السيدات اللائى يجدن أنفسهن مضطرات للخروج من المنزل للعمل فى وظيفة ما كى يكسبن احترام أزواجهن، على الرغم من أن هذه الوظيفة قد لا تكون خلاقة أو ممتعة، كأن تعمل المرأة فى الأرشيف أو فى مصنع أو أى عمل روتينى أخر لا يعادل بأى حال عملها كأم وربة منزل وزوجة، ولكنها تجد نفسها مضطرة لذلك لأن عملها فى المنزل لا يحسب كعمل.
وتطالب حركة تحرير المرأة الحكومة الأمريكية باعتماد ميزانية كبيرة لإنشاء دور حضانة جيدة للأمهات العاملات (وهو طلب رفضته الحكومة التى تنفق البلايين فى فيتنام وعلى إسرائيل، رفضته بحجة الحفاظ على بناء الأسرة!) كما تطالب الحركة أيضًا بإعطاء أجازات حمل وولادة ورضاعة وتربية للأم، وأن تتاح الفرصة للأم الموظفة أن تأخذ أجازة طويلة حتى تنتهى واجباتها الإنسانية تعود بعدها للوظيفة طول الوقت أو بعضه إن شاءت، وألا تعانى من التفرقة بينها وبين نظرائها من الرجال لأنها تقوم بواجباتها الإنسانية. ولا تزال بعض هذه الاقتراحات شعارات ومطالب ثورية، وهى شعارات ومطالب أعتقد أنه قد يكون من المفيد تنفيذها أو تعميمها فى بلادنا حتى لا ندع الأمور تصل إلى درجة الأزمة، وحتى نحافظ على كيان الأسرة المصرية دون أن نقمع إنسانية المرأة/الزوجة/الأم. ولعل برنامج جماعة ناو (الآن اختصار «المنظمة القومية للنساء» «ناشيونال أورجانيز فور ويمن») مثل طيب على هذا النوع من المطالب النسائية المحددة التى يمكن أن تخضع للنقاش وللتقويم وللأخذ والرد والتنفيذ. وتطالب الجماعة بالتالى:
1- تعديل الدستور لكى ينص على المساواة فى الحقوق.
2- تنفيذ القوانين الخاصة بإلغاء التفرقة بين الجنسين فى العمل.
3- أجازات للولادة.
4- استقطاعات من الضرائب نظير تكاليف العناية بالمنزل والأطفال.
5- إنشاء حضانات للأطفال.
6- نظام تعليمى يتسم بالمساواة وعدم التفرقة.
7- إتاحة الفرصة للسيدات الفقيرات أن يتدربن مهنيًّا وعلى أن يمنحن إعانات.
8- حق المرأة فى التحكم على الإنجاب.
ولكن لا بد وأن أضيف أنه حتى لو نفذت هذه الاقتراحات فى الولايات المتحدة فالمشكلة لن تحل إذ أن الخلل فى المجتمع الأمريكى خلل جوهرى، خلل فى إيقاع المجتمع ذاته، وفى نمطه الإنتاجى وفى طريقة استغلاله للمصادر وطريقة توزيعه للثروة. ولن يحل هذا الخلل إلا نمط جديد من العلاقات الإنتاجية الإنسانية التى ستحاول ترشيد الإنتاج وتوجيهه بما يتناسب مع الحاجات الإنسانية الفعلية للشعب الأمريكى.
3- تحرير المرأة الأمريكية والفردوس
رغم أن الناس سواسية كأسنان المشط، ورغم أنه أمام الله لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، إلا أنه يوجد العربى والأعجمى، والأبيض والأسود، والطويل والقصير، والصبور والطموح، ومن يحب دراسة العلم ومن يفضل التأمل النفسى، ومن يعشق البحر ومن لا يطيق رؤيته، ومن يحب السكنى فى دمنهور ومن لا يرضى بمصر الجديدة بديلًا.
خلقنا الله جميعًا كما خلق الذكور والإناث، وهذه ليست تفرقة ذات مضمون اجتماعى واقتصادى وإنما هو مجرد تمييز بين سمات الواقع المختلفة المتساوية، واعتراف أن مكونات الواقع ليست متشابهة وإنما متعددة ومتنوعة. والحمد لله إننا لا نعشق البحر كلنا وأن بعضنا يرضى بديلًا عن مصر الجديدة، وإلا لاكتظ البحر وأضحى مثل الأرض ولازدحمت مصر الجديدة بسكانها وأصبحت مثل وسط البلد والعياذ بالله. إن التنوع هو سمة الوجود الإنسانى التاريخى، وأى محاولة لإلغاء التنوع أو تجاهله هى محاولة فردوسية تدور فى إطار الأساطير أو البدائل المستحيلة! ومما لا شك فيه أن بعض المجتمعات تحاول إعطاء مضمون طبقى اقتصادى لهذه التمييزات، كأن يصبح البياض هو علامة انتماء لطبقة ما والسواد علامة على الانتماء لطبقة أخرى (كما هو الحال فى روديسيا وجنوب أفريقيا وإسرائيل والولايات المتحدة) إلا أننا جميعًا نرفض مثل هذه التفرقة وإن كنا لا ننكر وجود الاختلافات بين الجنسين. وحركة تحرير الزنوج فى الولايات المتحدة تطالب بالمساواة الاقتصادية السياسية والدينية ولكنها تناضل فى الوقت ذاته من أجل استقلال الزنوج الحضارى والنفسى عن الولايات المتحدة، وهذا علامة نضوج الزنوج فى الولايات المتحدة، لأن الإلغاء الكامل لكل الفروق بين البشر أمر لن يتحقق إلا فى الفردوس بإذن الله خارج التاريخ، وعلى من ينشد الخلاص داخل التاريخ أن يتقبل جدلية الواقع الإنسانى كحقيقة قائمة وكإمكانية كامنة، وأن يتخلى عن أحلامه الرومانتيكية بالفردوس الأرضى الذى لا تحده حدود ولا سدود. ومع الأسف نجد أن التفكير الفردوسى يسيطر سيطرة كاملة على بعض القطاعات فى حركة تحرير المرأة فى الولايات المتحدة، فرغم أن جذور المشكلة واضحة ورغم أنه يمكن الوصول لبعض الحلول إلا أننا نجد تيارًا فردوسيًّا يتخطى كل حدود التاريخ وإمكانياته الحقيقية ويؤدى بحركة تحرير المرأة إلى الانحدار إلى المهاترات والشذوذ والتجريب اللا عقلانى.
وكما بينت من قبل أن عدم وجود وعى بالتاريخ فى الولايات المتحدة هو الذى يؤدى بكل حركات السخط إلى أن تتجه هذا الاتجاه الفردوسى (والأمريكيون بالفعل يتسمون بقدر غير إنسانى من البراءة وكأنهم لم يسقطوا من الفردوس ولم يذوقوا من شجرة المعرفة بالخير والشر) ولذلك فهم حينما يتصورون الخير فهم يتصورونه خيرًا خالصًا ويحلمون بالفردوس الأرضى، وحينما يتصورون الشر فهم يتصورونه هو الآخر شرًا خالصًا.
هذه البراءة الأمريكية هى التى تؤدى بالأمريكيين إلى التطرف، وهى براءة يشجعها النظام الاقتصادى لأنها تبقى الإنسان بمعزل عن التفكير الجماعى السياسى الأيديولوجى وتفتت الواقع السياسى إلى قضايا معزولة بعضها عن بعض. فهذه قضية جماعات المقامرة فى بلد كذا، وتلك قضية ووترغيت، وهذه قضية رشوة البوليس فى نيويورك وهذه مشكلة عصابات المافيا وتلك مشكلة الزنوج وهكذا، بدلًا من رؤية كل المشاكل على أنها تعبير متنوع عن ظاهرة واحدة وهى الرأسمالية الإمبريالية الاستهلاكية.
وهذه البراءة وعدم التحديد التاريخى هو الذى يخلق مشكلة هوية بالنسبة لكل الأمريكيين، فالأمريكى يقضى حياته يسأل نفسه دائمًا من أنا لأن المجتمع لم يضع له تعريفًا ولم يلصق به بطاقة تخبره عن اسمه وهويته وانتمائه الطبقى وجذوره التاريخية وتوقعات الناس منه، بل تتركه حرًا غير منتم فى مجتمع مفتوح يتحرك بسرعة خرافية (هذا على عكس المصرى الذى يقضى حياته محاولًا أن يثبت للجميع أن له هوية فردية مستقلة، وأن البطاقة التى لصقها عليه المجتمع ليست مطابقة تمامًا لواقعه النفسى الفردى ولطموحه وآماله). والمرأة الأمريكية عندها أزمة هوية لنفس السبب، ولذلك فهى الأخرى تسأل نفسها هذا السؤال الميتافيزيقى: من أنا؟ وهو ميتافيزيقى لأنه سؤال مجرد لا إجابة له، لأن الإنسان، أى إنسان، ليس شخصًا واحدًا وإنما هو عدة أشخاص فهو مواطن وفرد وزوج وأب ومدرس، ودوره كمواطن قد يتناقض مع احتياجاته كفرد، وسعادته كزوج تتناقض مع وظيفته كمدرس وهكذا، إن طريقة طرح السؤال تضع المرأة الأمريكية فى طريق مسدود لأنها تجرد المرأة من أى سياق تاريخى، ولذلك نجد أن الكثير من مفكرى تحرير المرأة ينزلقون إلى تعميمات مضحكة فى تجريدها.
ونلاحظ أن موضوع الطلاق يتكرر فى كتابات مفكرى حركة تحرير المرأة، فجلوريا ستانيم ترفض الزواج، وتشير إلى أن أبويها اليهوديين قد طلقا وهى بعد فى سن العاشرة، أما آن فريدمان، التى نشأت فى عائلة يهودية، والتى شبهت كتاباتها بكتابات أنبياء العهد القديم، فهى الأخرى قد طلقت من زوجها، وروبى مورجان تقرر أن تصبح إنسانًا كاملًا وتطلق زوجها وهكذا وهكذا. وهذه ليست مجرد إشارات لأحداث خاصة لا يصح الخوض فيها، وإنما هى إشارات ذات طابع أيديولوجى تشير إلى رفض جذرى لفكرة الزواج – لأن هذه المؤسسة، حسب تصورهن، خلقت لنصف إنسان وحسب، وحينما يتحول الإنسان النصف إلى الإنسان الكامل تبدأ المؤسسة فى التحلل. بل أن جلوريا ستانيم ترفض إنجاب الأطفال، كما نفاجأ بمقالات عديدة عن الإجهاض كما لو كان الإجهاض أمرًا طبيعيًّا والولادة هى الأمر الشاذ – وإلا بماذا نفسر تلك المقالة التى تذكر أن الإجهاض الشرعى فى المجر لا يسبب إلا نسبة ضئيلة من الوفيات (واحد فى الألف) ثم تقارن هذه النسبة بنسبة الوفيات الناجمة عن الولادة فى الولايات المتحدة؟ ثم تضيف المقالة إحصائية أخرى مفادها أن الولادة فى أحسن الظروف تزيد أربع مرات فى خطورتها عن عملية إجهاض تتم بشكل علمى! فى هذا المستنقع الإنسانى نجد مقالًا واحدًا فى مجلة مز (وكلمة مز هى كلمة محايدة حلت محل كلمتى «مس» و«مسز» ولا تدل عما إذا كانت الأنثى متزوجة أم لا وفى هذا مساواة بالرجال) عن ضرورة إطعام الرضيع بالثدى. ولكن المدهش فى الموضوع أن كاتبة هذا المقال تدافع عن الإرضاع الطبيعى لا لأنه تحقيق لإنسانية المرأة كأم وإنما تدافع عنه لأنه يعطى المرأة لذة عابرة! أى أنها تعود مرة أخرى لمبدأ اللذة النفعى. بل أن رفض الزواج هو فى نهاية الأمر رفض لإنجاب الأطفال ورفض للدخول فى أى علاقة إنسانية ذات عمق والاكتفاء باللحظات العاطفية العابرة أو كما أسمته إحدى الزعيمات «غراميات أو زيجات قصيرة»، وفى هذا فشل لفهم طبيعة الزواج، هذه التجربة المستمرة وليست العابرة ذات العمق المعين. وربما هذا ما عنته جلوريا ستانيم حين صرحت بأنها لا تؤمن بالحب، فنحن لا نؤمن بالحب إلا إذا آمنا بالإنسان وبإمكانية الثقة فى الآخرين والاحتماء بهم والاعتماد عليهم. أما إذا كنا بورجوازيين، أفراد مستغلين منفصلين، فنحن نعيش فى حالة قلق من الأغيار نفترسهم أو يفترسوننا، وإذا ما دخلنا علاقة حب فستكون علاقة إفتراس ونهم أيضًا، تعطينا أكبر قدر ممكن من اللذة دون أى ألم.
ولعل هذا البحث عن اللذة الجنسية الخالصة الفردوسية (وهى فردوسية لأنها لا تبحث عن الاستمرار وترفض الارتباط الدائم كما تحاول تحاشى أى نتائج اجتماعية مثل الزواج أو الأطفال) هو الذى يفسر انتشار الشذوذ الجنسى فى المجتمعات الرأسمالية الغربية، وهذه ظاهرة لا يمكن تفسيرها إلا على أساس أيديولوجى. فكل مجتمع فيه شواذه، ولكن الشذوذ فى المجتمعات الغربية قد زاد إلى درجة أصبح معها يشكل ظاهرة (يوجد فى الولايات المتحدة الآن ما يزيد عن أربعة ملايين من الشواذ بل يوجد لهم بعض الكنائس التى يديرها وعاظ شاذون جنسيًّا مثل كنيسة لوس أنجلوس، وقد أنشئ مؤخرًا معبد يهودى للشواذ!)
وأعتقد أن الشذوذ هو النتيجة المنطقية والترجمة الوحيدة الأمينة لمبدأ اللذة النفعى، فالإنسان الشاذ يمكنه أن ينشئ علاقة مع شخص آخر من جنسه فيتغلب على اغترابه بشكل مؤقت ثم يعود مرة أخرى لحياته الاستهلاكية البسيطة. وهو يتغلب على اغترابه دون أن يدخل فى علاقات ذات آثار اجتماعية تضطره للدخول فى علاقة حقيقية مع الآخرين ومع الواقع، إن العلاقة مع شخص من نفس الجنس هى أقل العلاقات الإنسانية جدلية. وحينما كنت فى نيويورك لاحظت أن الشواذ من النساء أصبح لهن وجود ملحوظ، وهذا تطور جديد لأنه قبل ذلك كان الشواذ من الرجال وحدهم هم المصرح لهم بالظهور. وسبب هذا «التطور» أو «التقدم» ولا شك يعود لحركة تحرير المرأة التى ينادى بعض زعمائها بأن المرأة الشاذة جنسيًّا هى المرأة التى استغنت كلية عن الرجال، ولذا فهى أكثر النساء تحررًا وهى المرأة التى حققت داخل التاريخ المساواة البيولوجية الكاملة مع الرجال، وحققت بذلك الاكتفاء الذاتى. لقد قالت إحدى مفكرات الحركة: حركة تحرير المرأة هى النظرية، والمساحقة هى التطبيق.
وما نفتقده هنا فى كل هذه المناقشات هو مفهوم للطبيعة البشرية كما ظهرت بشكل معين عبر التاريخ وكما أوجدتها الممارسة الإنسانية. فالمرأة المساحقة من وجهة النظر المنطقية المجردة هى بالفعل امرأة مستقلة استغنت عن الرجال، ولكن هل هذا هو نموذج المرأة الذى توصلنا إليه من خلال ممارستنا التاريخية؟ أم أن هذا نموذج مصنوع ميكانيكى ملفق منطقيًّا (نموذج بلاستيك) تم تجريده والوصول إليه من واقع رأسمالى متعفن يرى الإنسان شيئًا وحيدًا غير قادر على الحب أو على التسامى؟ إن المرأة كما نعرفها تتزوج من رجل، والرجل كما نعرفه هو الإنسان الذى يتزوج من امرأة وينجبا أطفالًا. فنلقرأ كل الأساطير وكل الكتب المقدسة ولننظر إلى كل عادات وممارسات مجتمعات العالم نجد مصداقًا لرؤيتنا البسيطة. ولكن مفكرى حركة تحرير المرأة شأنهم شأن المهيمنين على النظام الرأسمالى، يبتعدون عن أى مفهوم للطبيعة البشرية التاريخية حتى يمكنهم فرض أى تلفيقات فلسفية منطقية، وحتى يمكنهم القضاء على أى إمكانية للتسامى.
ولعل هذه التلفيقية المعادية للتاريخ تظهر فى استخدام حركة تحرير المرأة للحقائق العلمية، فكثير من مفكرى الحركة يرفضون عبارة فرويد «إن صفاتنا التشريحية هى قدرنا». وهم محقون فى هذا، فهذه مقولة غيبية ولا شك تجعل الإنسان حبيس جسده، وتقضى بالتالى على إمكانيات الجدل، إذ إنها تنفى تقاليد البيئة والتاريخ والإرادة الإنسانية وتجعل الإنسان عنصرًا واحدًا وهو جسده الطبيعى. إن عبارة فرويد فيها ضرب من الغيبية والحتمية العلمية التى تنبع غيبيتها من تجاهلها لمكونات الواقع الإنسانى الذى لا يمكن للعلم حصرها والتعامل معها بشكل متكامل.
ولكننا مع هذا نفاجأ بأن أدب ثورة تحرير المرأة ملئ «بالحقائق العلمية» والإحصائيات (مثل الإحصائيات عن الإجهاض) التى يخلصون منها إلى نتائج عديدة متجاهلين الواقع الإنسانى التاريخى الذى هو من أهم العوامل، كما كان يفعل مفكرو البنتاجون وهم يلقون بقنابلهم فوق فيتنام متناسين العنصر الإنسانى التاريخى الذى كان يزيد من صلابة الفيتكونج كما كانت تزداد ضحاياهم. وأكبر دلالة على هذا التفكير العلمى المعادى للتاريخ هو المحاولات اليائسة التى يبذلها بعض مفكرى الحركة للتدليل على المساواة البيولوجية بين الرجل والمرأة (ولنلاحظ أن البحث هنا ليس عن المساواة الاجتماعية والاقتصادية أو حتى النفسية وإنما هى المساواة البيولوجية، أى أننا تخطينا كل حدود التاريخ تمامًا). وقد قرأت مقالًا «علميًّا» كتبته عالمة اكتشفت أن للرجل «عادة شهرية» تمامًا مثل النساء فقد أثبتت مع أخرين أن نسبة الهرمونات تزيد فى البول عند الرجال كل شهر، كما لاحظت أن الزيادة يصاحبها تقلبات فى المزاج. ثم تضيف الكاتبة قائلة إن هناك تقلبات يومية عند الرجال (هل هى العادة اليومية؟). وتدليلًا على صدق مقولتها تشير إلى أن إحدى شركات السكك الحديدية فى اليابان تقبلت هذه «الحقيقة العلمية» ولذا كان يوضع جدول العمل حسب تقلبات المزاج مما نتج عنه تقليل الحوادث والحمد لله. وقد تكون حكاية الهرمونات هذه صحيحة، وقد يكون فعلًا أننا معشر الرجال ينقلب مزاجنا يوميًّا، ولكن إذا كانت الظاهرة تتكرر يوميًّا أصبحت جزءًا من إيقاع حياتنا اليومى، ويبدو أننا بنينا حضارتنا الإنسانية على هذا الأساس، وعلى العلماء أن يكتشفوا علاقة إيقاع الحضارة الإنسانية بهذا الايقاع البيولوجى. أما بخصوص «العادة الشهرية» فمما له دلالته أن كاتبة المقال كان عليها أن تشير إلى شركة فى اليابان، وأن تقاس عن طريق جداول خاصة نسبة الهرمونات وأن تكتب المقال وأن تقصه لى صديقة فى أمريكا وترسله لى حتى أتعظ وأسكت. ولكن السؤال الذى يجب أن نسأله دائمًا هو مدى علاقة «الحقيقة العلمية» المجردة بسلوكنا اليومى كبشر نشقى ونسعد، فإن لم يكن لها علاقة فإنها تموت من وجهة نظر الإنسانية اليومية وتصبح مسألة يهتم بها المتخصصون وحدهم. فمثلًا إذا اكتشف عالم ما أن طول أمعاء الإنسان تزيد عن ٥ سم أو خمسة أمتار أو حتى خمسة كيلومترات كما هو معروف فهذا لن يزيد من سعادتى ولا من شقائى بل ستظل هذه الحقيقة شيئًا طريفًا خاليًا من أى مضمون إنسانى تقرأ عنه فى «صدق أو لا تصدق» – تمامًا كأن نعرف أن القنفذ لا يعاشر زوجته إلا ساعة الغروب (وهذه حقيقة علمية طريفة ألفتها لتوى من أجل المناقشة ولا أعرف إن كانت صادقة أم لا، كما لا يهمنى أن أعرف، لأن حياة القنفذ الجنسية هى شىء يهتم به هو وحده وبعض علماء الحيوان المختصون فى حياته الجنسية)
ولكن إذا جاء أحد العلماء وبناء على هذه الحقيقة المصمتة اكتشف دواء معينًا أو ترجمها إلى حقائق تمس حياتى اليومية، تصبح هذه الحقائق إنسانية ذات بعد اجتماعى. إن اكتشاف زيادة الهرمونات فى بول الرجل مسألة ذات أهمية حيوية للعلماء وحدهم لأنها لا تؤثر فى سلوكنا اليومى، وحتى إذا أثرت فهى لا تشبه من قريب أو بعيد التحولات البيولوجية التى تطرأ على الإناث. فالعادة الشهرية عندهن ينجم عنها تغيير فى الايقاع اليومى وفى المزاج. إن اليمين حتمى فى رؤيته حينما يقرر أن صفات الإنسان التشريحية، وبالذات صفات المرأة، هى قدره. ولكن حركة تحرير المرأة باعتمادها غير التاريخى على الحقائق العلمية المجردة تقع فى نفس الحتمية العلمية (وهى حتمية يقع فيها كثير من اليساريين الطفوليين العمليين الذين ينظرون للإنسان على أنه ظاهرة علمية، كما لو كان الإنسان جزءًا من الطبيعة وحسب وليس له وجود تاريخى مستقل عنهما، وهم فى تصورهم الساذج هذا يشاركون الفكر الفاشى فى أهم مقولاته دون أن يدروا)
كل ما تفعله هذه السيدات الثوريات هو توزيع الحتمية التشريحية على كل الناس ذكورًا كانوا أم إناثاً. إن صفاتنا التشريحية هى مجرد إمكانية بيولوجية محايدة تشكل الأساس المادى للحياة بكل تنوعاتها، ولكن حياتنا ليست مشروطة بهذا الأساس. فهذه الصفات الفسيولوجية يمكن تطويعها وتوجيهها بأية طريقة للخير وللشر، فقوتنا الجسدية يمكن كذلك أن تصبح أداة للخير ويمكن كذلك أن تصبح أداة للشر، وصفات المرأة التشريحية يمكن أن تكون مبررًا لاستغلالها (كما يحدث الآن) ولكنها تصلح أن تكون أساسًا لتقسيم عادل وعقلانى للعمل يأخذ فى الاعتبار إمكانيات الرجل والمرأة الحقيقية، فهى وحدها قادرة على الحمل وهى وحدها قادرة على الولادة وهى وحدها قادرة على إرضاع الطفل، وهذه وظائف بيولوجية لا يمكن نقلها للرجل وليس المطلوب نقلها، إلا إذا تطور العلم بشكل مجنون وقرر التلاعب بكل شىء بما فى ذلك وظائفنا البيولوجية (وهذا هو قمة الفردوسية وقمة انعتاق الإنسان من كل حدود أخلاقية كانت أم تاريخية أم إنسانية). ولكن ما قد يبدو أنه مجرد احتمال مجنون أصبح برنامجًا سياسيًّا. ولننظر على سبيل المثال لا الحصر لمنشور صادر عن جماعة «سكم» اختصار لعبارة إنجليزية والترجمة الحرفية للكلمة هى، «جماعة التخلص من الرجال» يبدأ المنشور بتأكيد أن الحياة فى هذا المجتمع أصبحت شيئًا «يبعث على الملل الشديد على أكثر تقدير ولذلك يكون على السيدات المسؤولات الباحثات عن المتعة أن يقلبن نظام الحكم ويلغين النظام النقدى ويدخلن نظام الصناعة الآلية ويقضين على جنس الذكور»!
ثم يستطرد المنشور العتيد قائلًا: «لقد أصبح من الممكن الآن للسيدات أن ينجبن دون أى مساعدة من الذكور (ودون مساعدة من الإناث أيضًا) وأن ينجبن إناثًا فقط. وينبغى البدء فى هذا على الفور»، ويذكر المنشور حقيقة بيولوجية هامة مفادها أن جينة الذكر إن هى إلا جينة أنثى غير كاملة، أى أن جينة الذكور تحتوى على مجموعة غير كاملة من الكرموسومات، بمعنى آخر أن الذكر ليس سوى أنثى غير كاملة، إنه شىء مجهض يسير على قدمين، شىء أجهض وهو لا يزال فى حالة الجينية (وهى مرحلة سابقة للمرحلة الجنينية). ولإنه أنثى غير كاملة يقضى الذكور تحتوى على مجموعة غير كاملة من الكرموسومات، بمعنى أن يفعل هذا عن طريق البحث عن الأنثى ومصادقتها والعيش معها والامتزاج بها وإدعاء بإن كل صفات الأنثى هى صفات مثل القوة العاطفية والاستقلال والقوة والدينامية والقدرة على إتخاذ القرارات وبرود الأعصاب والموضوعية وتأكيد الذات والشجاعة والتكامل والحيوية والجدة وعمق الشخصية إلخ. كما أنه يسقط كل سمات الذكورة على المرأة مثل الغرور والسطحية والتفاهة والضعف إلخ.
الصراع إذن حسبما جاء فى المنشور ليس بين الإناث والذكور ولكن بين «السكم» (الزبالة) الإناث المسيطرة الآمنات الواثقات بالنفس الخبيثات العنيفات الأنانيات المستقلات المتكبرات الباحثات عن المتعة والمغرورات، اللائى يعتقدن أن عندهن المقدرة على حكم العالم، واللائى انطلقن إلى حدود هذا المجتمع، واللائى على استعداد للانطلاق حتى يصلن إلى أبعد ما يمكن أن يقدم لهن – نقول إنه صراع بين السكم وبين الإناث اللطيفات السلبيات المستقلات المتحضرات المؤدبات صاحبات الكرامة الخاضعات، والخائفات اللائى لا يثقن البتة فى أنفسهن، بنات آبائهن اللائى لا يمكنهن مواجهة المجهول، واللائى يردن الاستمرار فى الترنح فى الحضيض لأنه على الأقل مألوف لديهن، واللائى يردن المكوث مع القرود، اللائى لا يشعرون بالاطمئنان إلا وبابا الكبير يقف إلى جوارهن أو باعتماد على رجل كبير قوى يشد من أزرهن.
ثم يستطرد البيان فى الحديث عن طريقة الاستيلاء على الحكم عن طريق الامتناع عن العمل وبعد ذلك يتخلص الإناث من النظام النقدى ويقتلن الذكور، ثم يصلن على الفور إلى المدينة الفاضلة. وبعد ذلك قد يبقى بعض الرجال ولكن هؤلاء أمرهم سهل يسير إذ أنهم «سيقضون بقية أيامهم فى رعب يشربون المخدرات أو يراقبون فى سلبية وسكينة الأنثى الجديدة المسيطرة. وحيث أن الإناث رحيمات فسيزودن الرجال بأجهزة إلكترونية فإذا وقع أحد الذكور صريع هوى إحدى الإناث فيمكنه مراقبة كل حركاتها وسكناتها بطريقة تشبع غزائزه ودون أن تشعر هى بذلك»!
إن رؤية سيدات سكم المهووسات للمدينة الفاضلة لا تستند إلى أى تصور للطبيعة الإنسانية إن كان من وجهة النظر الطبيعية أم التاريخية. فنحن إذا سألنا هذه السيدات لم يفضلن الإناث على الرجال لن يجدن أى مقياس سوى مسألة «المزاج» أو النشوة أو البحث عن المتعة أو أى تصور فردوسى آخر، فالطبيعة الإنسانية من الناحية البيولوجية تنقسم إلى سالب وموجب، ذكر وأنثى أو أنثى وذكر (سواء كانت الأنثى أفضل من الذكر، فسؤال لا يمكن للعلم أن يحسمه، والسؤال لغو لا طائل من ورائه لأنه لا تفضيل من وجهة نظر بيولوجية، لأن التفضيل يعنى الاستناد إلى قيمة، وفكرة القيمة لا توجد فى الطبيعة لأنها فكرة إنسانية محض). وقد جعلت الطبيعة الجماع بين الذكر والأنثى طريقتها التى تتوسل بها إلى التكاثر. أما من الناحية التاريخية فالرجل كائن موجود وأى محاولة لإلغائه تتناقض مع الطبيعة البشرية كما ظهرت عبر التاريخ، فالرجال لعبوا دورًا أساسيًّا فى تشكيل تاريخ الإنسان ولا وجود لهذا التاريخ كما نعرفه دونهم. وأعتقد أن التكاثر عن طريق الجنس أمر طبيعى وممتع أكثر من التكاثر عن طريق أنابيب الاختبار المعقمة! وأنا الآن لا أعرف هل أنا جاد أم أمزح فى محاولتى للعثور على مبرر للإبقاء على الرجال أمثالى، ولكننى انزلقت إلى هذا لأننى أحس أن هذا الاتجاه الفردوسى رغم عبثيته وعدميته إلا أنه اتجاه حقيقى مستشر فى الولايات المتحدة والمجتمعات الصناعية المتقدمة، ولا يعلم أحد إلا الله إلى ماذا سيؤدى.
وحتى لا يقال إن منشور سكم كتبته سيدة واحدة وأنه لا يعبر عن اتجاه حقيقى وأنه مجرد عبث ومزاح فقد قررت أن أقدم للقارئ مقتطفات من منشور «سيدات نيويورك الراديكاليات» وهى جماعة جادة تعمل جاهدة لتحرير المرأة. ولقد لخصت هذه الجماعة مبادئها فى هذه الكلمات: «نحن نقف إلى جوار المرأة فى كل شىء. نحن لا نسأل عما إذا كان شىء ما إصلاحيًّا أم راديكاليًّا أم ثوريًّا وإنما نسأل عما إذا كان هذا الشىء فى مصلحة المرأة أم لا. نحن ضد كل الأيديولوجيات السابقة والآداب والفلسفة نتاج حضارة الذكور إلخ إلخ. أى أننا عدنا مرة أخرى لنفس التصورات الفردوسية التى ليس لها سند طبيعى أو تاريخى أى أن الأمر بلاستيك فى بلاستيك.
هذا التجريد يعود ولا شك للتصور البورجوازى للإنسان على أنه شىء مستقل ومنفصل عن الآخرين ولذلك نجد أن التعريفات البورجوازية للحرية لا مضمون اجتماعى أو تاريخى لها، فأنت حر طالما أنك تفعل كل شىء بشرط ألا تضر أحدًا، كما لو كان فى مقدورك أن تفعل أى شىء دون أن تدخل فى علاقة مع الأغيار! على عكس من هذا نجد أن ماركس عرف الحرية بأنها معرفة قانون الضرورة، أى أن الحرية هى معرفة الحدود إذ أنه لا حرية إنسانية متعينة دون حدود، لأن الإنسان يكتسب هويته الإنسانية من خلال الآخرين. إذا حاولت تعريف نفسك فستجد أن هذا التعريف عبارة عن سلسلة من الحدود. فأنا رجل (ولست أنثى) عربى (ولست أعجمى) مصرى (ولست مراكشى) من دمنهور (ولست من القاهرة) من عائلة المسيرى (ولست من عائلة حلبى) متزوج وأب وأعمل فى مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، أى أن هويتى تزداد بازدياد حدودى. «فالرجل» شىء مجرد بينما نجد أن الرجل المتزوج من دمنهور شىء محدد متعين. والأسرة هى أحد هذه الحدود ولا شك، وهى حد لأنها تحد من حريتنا، ولكنها هى أيضًا الطريقة الإنسانية الوحيدة التى نكتسب بها هويتنا لأننا لا نكتسب هويتنا فى الفردوس اللامحدود وإنما نكتسبها خلال ممارستنا اليومية الاجتماعية التاريخية. حتى الآن لم نكتشف بديلًا حقيقيًّا للزواج والأسرة رغم قصورهما كمؤسسات اجتماعية، وإن كنت أعتقد أن الإحساس «بقصور» الزواج وأنه قيد هو إحساس ناجم عن انتشار الحساسية الفردية التى تزيد من حساسية الإنسان بنفسه بشكل مرضى وتجعله يبحث عن المتعة فى كل شىء وتزيد من توقعاته بشكل فج يسبب له الإحباط الدائم. ولذلك فإحساسنا بقصور الزواج والأسرة ناجم عن وجودنا فى فترة تاريخية معينة تسيطر عليها فلسفة لا تؤمن بالإنسان ولا بالجماعة. وأنا شخصيًّا أعيش حياتى مفترضًا أن الحضارة البورجوازية هى انحراف عن تاريخ البشرية.
وقد صدر فلاديمير إليتش لينين عن مفهوم جماعى تاريخى للإنسان حينما كتب خطابيه الشهيرين إلى أنسا أرمان التى كانت فى سبيلها إلى كتابة دراسة ثورية عن الحب والجنس، وأرادت أن تشترشد برأى لينين فى هذا المضمار. وعلى عكس ما هو شائع عن البلاشفة نجد أن لينين أخذ موقفًا يمكن تسميته «محافظًا» من وجهة نظر رأسمالية. فقد أكد لينين فى خطابيه أن الحرية فى الحب لا تعنى انتهاء المشاكل ولا تعنى تحاشى إنجاب الأطفال ولا تعنى الإباحية الجنسية (أى أننى إذا أردت استخدام مصطلحى لقلت أن الحرية فى الحب لا تعنى الوصول إلى الفردوس الأرضى). ولنلاحظ أن لينين لم يساو بين الحب والجنس كما يفعل بعض المفكرين النفسيين، كما أنه لا يساوى بين الحب واللذة كما يفعل بعض الثوريين (فالمشاكل موجودة والأطفال – وهم الامتداد التاريخى للفعل الفردى – موجودون). أى أن الحب عند لينين ليس جدلًا مغلقًا لأنه ظاهرة اجتماعية، وكل ظاهرة اجتماعية إنسانية هى فى صميمها جدل مفتوح لا نهاية له. ويستمر لينين فى تعريف الحرية فى الحب بأنها التحرر من التعصب ومن الضرورات المادية الملحة، ومن البيئة القميئة التافهة، ومن متاعب البوليس والقانون، أى أنه يعنى توسيع رقعة الحرية الشخصية دون تخطى الحدود الاجتماعية والتاريخية. وحينما كتبت له السيدة أنسا أرمان قائلة إن العاطفة العابرة والارتباط المؤقت (الفردوسين) أكثر شاعرية وأكثر صفاء من القبل الخالية من العاطفة التى يتبادلها الزوج وزوجته، رفض لينين هذا الطرح الذى يفترض التعارض الفج بين شيئين مختلفين، واقترح أن التعارض بين «زواج بورجوازى صغير خال من الحب ولا نقاء فيه» من جهة و«زواج بروليتارى مفعم بالحب»، من جهة أخرى، أى أن لينين جعل من الزواج والأسرة مدخلًا «لمفهوم الحب»، وأعتقد أنه بهذا قد بين الطريق لكثير من الثوريين، فالنظر للفرد من خلال علاقته الاجتماعية (لا كوحدة إنتاجية أو إنسان مستقل) هو جوهر أى نظرة إنسانية ثورية تضع الإنسان فى سياقه. لم يذكر لينين أهمية الحب كنشاط فردى ولكنه وضعه فى مكانه الحقيقى كجزء من نشاط اجتماعى إنسانى أوسع. ففى نهاية أحد الخطابين المشار إليهما يضيف لينين أن الارتباط والعاطفة العابرين قد يكونان مدنسين أو طاهرين فالحب العابر ليس طاهرًا بالضرورة (تمامًا مثل الزواج)، وتصبح القضية بذلك ليس تفضيل الحب على الزواج أو الزواج على الحب، وهما بنيتان مترابطتان، بل كيف نحول علاقة الذكر بالإنثى إلى علاقة بين فردين سويين يتعاونان فى حرية على الوصول إلى السعادة عن طريق ترجمة إمكانياتهما الحقيقية إلى واقع حى.
4- النهاية المأساوية الملهاوية
من كل ما تقدم يمكننا أن نخلص إلى أنه ثمة تيار بورجوازى قوى يسرى فى كتابات حركة تحرير المرأة رغم ثوريتها المعلنة، بل أننى أعتقد أن حجر الزاوية فى معظم هذه الكتابات هو المفهوم البورجوازى للطبيعة البشرية. فالنظام الرأسمالى قد حول كل الأشياء إلى سلع بما فى ذلك الإنسان، فالإنسان هو الآخر سلعة تباع وتشترى فى الأسواق حسب قوانين العرض والطلب المطلقة. ومن هنا ظهر مفهوم روسو عن «الإنسان الطبيعى» الذى يسير فى الغابة يصفر بسعادة شديدة وواضحة ولكنه يقرر فجأة أنه قد من المستحسن أن يكون هناك عقدًا مبرمًا بينه وبين الآخرين لتكوين ما يسمى بالدولة.
إن مفهوم الإنسان الطبيعى «الحر» على حد قول روسو والذى لا يربطه بالأرض سوى عقد اجتماعى ممهور بتوقيعه (تمامًا مثل العامل فى المجتمع الرأسمالى الذى لا يربطه أى علاقة بعملية الإنتاج سوى عقد عمله)، هو النموذج الإنسانى الكامن وراء فكر كثير من السيدات المتحررات الأمريكيات، ووراء تفكيرهن بخصوص الزواج على وجه التحديد. الزواج فى جوهره علاقة إنسانية بحت، فيها الجانب الاقتصادى وفيها الجانب العاطفى وهى علاقة بين ذات واعية بذات أخرى واعية وليست علاقة بين ذات وموضوع، أو ما هو أسوأ ليست علاقة بين موضوع وموضوع، أو بين شىء وشىء. ولذلك أن نتصور أن الزواج مجرد عقد مبرم بين شخصين هو عملية تبسيط سوقية تدل على احتقار شديد للنفس الإنسانية أو عدم فهم لها، نعم لا بد وأن يوجد عقد ما، كما هو الحال الآن، حيث أن الصراع طبيعة الحياة، وحيث أن المأساة، تمامًا مثل الملهاة، إمكانية حقيقية فى أى موقف إنسانى متكامل. ولكن العقد الذى يبرم الآن سواء كان عقدًا دينيًّا أم عرفيًّا يغطى البداية السعيدة والنهاية التى هى أبغض حلال عند الله، أما العلاقة بين الزوجين فهى متروكة لهما ينظمانها كيفما شاءا. قد يتدخل المجتمع من آونة لأخرى فى هذه العلاقة، وهو حتمًا يؤثر فيها ويشكلها ولكنها تظل فى النهاية علاقة مركبة بين فردين. ولكن يحاول بعض محررى المرأة إلغاء مؤسسة الزواج كلية لأن السعادة العابرة التى تربط المحبين هى أقوى من عقد الزواج. وهذا الحديث منطقى من بعض الوجوه فالعلاقة بين أى رجل وامرأة لابد وأن تستند إلى رغبة ما، فإذا ماتت الرغبة أو ضمرت فعقد الزواج لا يبقيها بأية حال (إلا فى القليل النادر). ولكنى أعتقد أن معظم الناس لا يعتبرون أن عقد الزواج هو الصلة بين الزوجين وإنما هو مجرد الشكل القانونى المجرد لعلاقة موجودة بالفعل، ولذلك فإن ورقة الزواج لا تدعى لنفسها أكثر مما تستحق.
ولكن الطريف أن حركة تحرير المرأة تنادى بشىء ثم تنتهى بنقيضه (الرغبة فى الفردوس الأرضى تؤدى عادة للجحيم!) فزعماء الحركة ينادون بإلغاء عقد الزواج التقليدى لتحقيق أكبر قسط من الحرية، وفى الوقت ذاته يدافعون عما يمكننا تسميته «بعقد الزواج الشامل»، وهو يشبه من بعض الوجوه عقد استئجار شقة أو شراء أرض، فمثل هذه العقود تحاول أن تصل إلى الشمول وتحاول تغطية جميع الجوانب القانونية وكل الاحتمالات المنطقية والرياضية. وقد وصف العقد بأنه ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هى بالفعل طريقة جديدة للحياة، أو كما تقول إحدى محررات حركة تحرير المرأة «إن العقد هو وسيلتنا لمواجهة ألفى سنة من التقاليد» (ألفى سنة من التاريخ أيضًا). وهم محقون، ففكرة العقد الشامل فيها رؤية كاملة للطبيعة البشرية تغطى لا البداية والنهاية وحسب بل جميع جوانب الحياة الزوجية من غسيل صحون إلى الاعتناء بالأطفال (ولنلاحظ كيف أن الثورة الفوضوية التى تحاول إلغاء كل الحدود بدعوى إعطاء الحرية المطلقة، هى ثورية شمولية تسقط فى الجماعية وتنكر الحرية الفردية الإنسانية. فالعقد هو عملية برمجة كاملة لحياة الإنسان، أما الشكل التقليدى للزواج فهو يحترم خصوصية العلاقة بين الزوج وزوجته ويتركها لهما لأنهما مجال حريتهما الفردية)
وفكرة العقد الشامل ترجع جذورها إلى القرن التاسع عشر والمفكر الإنجليزى الثورى بول جودوين الذى تزوج من المفكرة الثورية المطالبة بتحرير المرأة مارى ولستونكرافت، فلننظر الآن إلى هذا الزواج الذى يحرر الإنسان من كل القيود والأعباء. استأجر جودوين شقة على بعد عشرين منزل من منزل زوجته ولكنه كان يذهب ليزورها كل صباح. وقد وصف جودين علاقته هذه فى خطاب له قال فيه «وحتى لا تبدو هذه العلاقة على أنها مثل تلك العلاقة البذيئة الوضيعة المسماه بالزواج أقام الزوجان فى منزلين منفصلين، على ألا يزور الزوج زوجته إلا كما يزور الرجل عشيقته، فيكون كل منهما مرتديًا أبهى ملابسه وحجرات المنزل معدة لاستقباله. وقد وافق الزوجان على أنه من الخطأ بمكان للزوج والزوجة أن يكونا سويًا أينما ذهبا إلى مجتمعات مختلطة من الذكور والإناث، ولذلك فهما كانا يبحثان عن أى فرصة لاتباع هذه القاعدة بل لخرقها». الافتراض هو أن علاقة الزوج بزوجته علاقة بسيطة للغاية يمكن التحكم فيها عن طريق العقد. لنتخيل هذا الزوج الذى عليه أن يذهب لزوجته كل صباح وقد استيقظ واكتشف أنه قد ألم به زكام خفيف والدنيا تبرق وترعد فى الخارج، هل سيعود إلى فراشه الدافئ أم أنه سيصارع العناصر الطبيعية حتى يصل لزوجته لأنه إذا لم يذهب لماتت قلقًا عليه من فرد قلقها أو لفسخت العقد حتى لا تموت؟ هنا سيتوكأ بطلنا الثورى المزكوم على عصاه ويذهب وسيطلب من زوجته تغيير العقد حتى يزورها أسبوع وتزوره هى الأسبوع الآخر. ولكن هذا لن يغير من الموقف شىء لأنها قد تصاب بآلام روماتزمية خفيفة أو حادة فى أوقات أعمالها الزوجية الرسمية!
ولكن المسألة أعمق من زيارة تتم فى الشتاء، فنحن لا نرتدى أبهى ملابسنا إلا حينما نذهب إلى طبيب الأسنان الكريه أو إلى مدير المستخدمين المقيت، ولكن حينما نذهب لزيارة صديق حميم، فنحن نذهب بذاتنا الحقيقية، بكل آلامها وأفراحها، فعلاقتنا بأصدقائنا هى علاقة فى السراء والضراء، لا يحكمها عقد أبله وإنما تحكمها احتياجاتنا الإنسانية واعتبارات نفسية عديدة. ولذلك فزوجتى تحتمل رذالتى ومطالبى العديدة فى يوم وترفضها فى يوم آخر. تتحملنى يوم احتياجى لها وترد الصاع صاعين فى أيام قوتى. وأنا أتقبل لاعقلانياتها فى يوم وأرفضها فى يوم آخر، وبذا تكون الحياة الزوجية أمرًا خلاقًا وليس علاقة عمل روتينية. إن جودوين رغم كل ثوريته، ورغم كل راديكاليته ومناصرته للضعفاء والفقراء هو فى النهاية ضحية تبسيطاته البورجوازية السوقية الفردوسية، فهو لا يمكنه أن يتصور إلا الإنسان الطبيعى «الوحيد» والذى يعيش فى الفردوس الدائم (ولذا فهو لا يزور زوجته بل يزور عشيقته). أنه الإنسان المنفصل الذى يقف وحيدًا فى مجابهة الآخرين من الأغيار يرجو من الله أن يكفيه شرهم.
ولأن الفكرة غريبة علينا تمامًا لا بسبب تراثنا العربى وحسب وإنما لأنها منافية لكل ما نعرفه عن الزواج من كل الحضارات، رأيت أنه قد يكون من المفيد أن أترجم مقتطفات مطولة عن عقد المستر شولمان وزوجته، وهو عقد نموذجى قلده الكثيرون. يبدأ العقد مثل إعلان حقوق الإنسان بتأكيد بعض المبادئ النظرية:
1- نرفض الفكرة القائلة بأن العمل الذى يأتى بالربح الأكثر هو العمل الأكثر قيمة.
2- نحن نؤمن بأن عضو كل أسرة له (أو لهما) حق كامل فى وقته وعمله وقيمه واختباراته، وإن أرادت هى (أو هو) أن ينفق هذا الوقت فى كسب المال فهذا من حقه وأن لم يرد هذا فهذا أيضًا من حقه.
3- نؤمن كآباء بأننا يجب أن نقتسم مسؤولية الاعتناء بالأطفال والمنزل – ليس العمل وحسب بل المسؤولية.
4- من ناحية المبدأ يجب أن نقسم الأعمال المنزلية إلى نصفين 50 – 50 ولكن يمكن عقد صفقات بالاتفاق الثنائى وأى انحراف عن التقسيم النصفى يجب أن يكون متلائمًا مع الطرفين، ويجب أن يكون جدول العمل مرنًا. ولكن فى الوقت الحاضر يجب أن يوافق على كل التغييرات بشكل رسمى. إن شروط هذا العقد حقوق وواجبات وليس امتيازات وهبات.
الأعمال المنزلية: الطبخ: كل من يدعو ضيوفًا يقوم هو بنفسه بشراء الطعام وبالطبخ وغسل الأطباق (ماذا لو كان لهم أصدقاء مشتركين؟ هل تسقط العقد ونتعايش أم نكتب عقدًا جديدًا)
الغسيل: الزوجة تغسل الغسيل الزوج يجمع الملابس المتسخة. هى تضع الملايات على السرير وهو ينظم السرير (الصورة المجاورة للعقد فيها مستر ومسز شولمان ينظمان السرير سويًا، فكيف حدث هذا؟ التفسير يسير، لم يتمكن المستر شولمان بمفرده من القيام بهذه العملية واضطر أن يلف حول السرير عدة مرات حتى انقطع نفسه لأنه عملية تستلزم التضامن الإنسانى، فنادى على المسز شولمان وطلب منها المساعدة ففعلت ولم تستشر العقد المبرم بينهما، لأنها بشر وليست محاميًّا)
تقسيم الأعمال: فى الصباح إيقاظ الأطفال. إخراج الملابس والكتب والواجبات والنقود وأبونيهات الأتوبيس. تسريح شعرهم. إطعامهم. (عمل القهوة لنا). يتناوب الأبوان القيام بكل الواجبات كل أسبوع. الشراء: تقوم الزوجة بوجه عام بشراء الطعام أما الزوج فيقوم بشراء الأشياء الخاصة (ماذا لو قرر الزوج أن يأكل كافيارًا. هل هذا طعام، أم شىء خاص فلنستشر المحامى على الفور!) الزوج معفى من العمل يوم السبت، والزوجة يوم الأحد (ومن سأقابل يوم السبت إن كنت هذا الزوج؟ عشيقتى أم مدير أعمالى؟)
وحتى يعم السلام بين الجميع رأى مستر شولمان وزوجته أن يعقد طفليهما عقدًا تكميليًا.
عقد تكميلى مبرم بين الأطفال:
تعد بولى (اسم ابنتهما) المائدة أما تدى (اسم ابنهما) فيقوم بحمل الأطباق بعد الطعام، ويمكن للأطفال تبادل الأعمال الموكلة لهم (كما يفعل الأبوان) (وذاك الوحدة الإنتاجية من تلك الوحدة الإنتاجية فهم ليسوا بالأشبال ولا بالأسود!)
بالنسبة للأطفال: فى العطلة الأسبوعية تقسم بالتساوى كل الأعمال الخاصة (بالبلاج وبالحديقة العامة وبحديقة الحيوان). والآن بعد أن أبرم العقد فلترفرف السعادة الزوجية على الجميع ولتفض على الوحدة المذكرة التى يسميها العوام بالزواج والمتعاونة مع الوحدة المؤنثة المسماة بالزوجة. هل فعلًا قام العقد بتنظيم كل العلاقات؟ ماذا يمكن أن يحدث لو أن الرجل حدث له تضخم شديد في ذاته؟ هل يفض العقد فورًا أم تنتظر الزوجة حتى تزول الكربة؟ وماذا يحدث لو أن الرجل بعد أن تزوج على هذه الطريقة الليبرالية أصبح ماركسيًّا أو رجعيًّا بعد الزواج ورفض المبادئ النظرية؟ ماذا عن المواقف الزوجية المركبة اليومية مثًلا؟ ماذا لو ألقيت بطبق الفول العتيد، أو حتى كوب اللبن الرقيق، فى وجه زوجتى التى تعاقدت معها؟ وماذا – وهذا هو الطامة الكبرى من وجهة نظرى – ماذا لو فعلت هى ذلك أمام الرأى العام العالمى من أصدقاء أو طالبات أو أقارب أو حساد؟ هل أذهب ساعتها وأستشير العقد والأساس النظرى بكل هدوء، أم أقرر على الفور الثأر لكرامتى ولشرفى الضائع وأقتل زوجتى أمام الملأ حتى يرتدع الآخرون؟ أم ربما يتدخل أولاد الحلال ويصلحون ما بيننا. أو ربما أهدأ من نفسى وأتذكر أن زوجتى لم تتمكن من النوم ليلة أمس بسبب الرطوبة والحر والكلب روى اللعين الذى لا يكف عن النباح، وأتذكر أيضًا الأنباء الحزينة التى سمعتها زوجتى فى هذا الصباح وأتذكر أننى جرحت شعورها أمام طانط فلانة التى لا تطيقها زوجتى، عند هذا قد أعدل عن تنفيذ حكم الإعدام وأزيل الفول واللبن وأتمتم على الطريقة المصرية أو العالمية «حصل خير» أو ما شابه.
إن العقد لا يسمح بمثل هذا التكيف وبمثل هذا الارتفاع والانخفاض (أو التذبذب التاريخى الجدلى) فهو إنتاج عقلية بورجوازية فردوسية دائرية لا تقبل الجدل كحقيقة أساسية، كل ما تملك الإطار الثورى المقترح هو أن تفض العقد فى عقلانية شديدة – أى أن الفردوس يقودك فى خط مستقيم إلى الجحيم. وتوجد الآن فى كاليفورنيا محاكم تسهل الأمور لك إذ أنه على الزوجين الراغبين فى فض العقد – أى فى الطلاق سابقًا – أن يكتبوا اتفاقهما ويرسلانه بالبريد وسيستلمون ورقة الطلاق بالبريد أيضًا (ولا شك أنه توجد الآن مكاتب مختلفة تيسر لك هذا الأمر، حتى يمكنك أن تهدم حياتك الزوجية فى أقل وقت ممكن وبأرخص التكاليف) – أى أن واقعنا الأرضى يمكنه أن يتحول إلى ما يشبه المعمل (أو الدائرة) فى بساطة علاقاته وفى ميكانيكيتها. ولكن المعمل الإنسانى هو جهنم وليس الفردوس، وهذه هى طبيعة وجودنا الأرضى إذ أنه يبدو أن كل من يحاول تشييد الفردوس الأرضى وتحطم الحدود التاريخية، يحطم هويتنا وفرديتنا. وهذا ما حدث لحركة تحرير المرأة (ولحركات فردوسية بروجوازية أخرى) فى تأرجحها من رفض كامل لفكرة التعاقد بين الرجل والمرأة إلى عقد شامل يكبلهما ويحرمهما من استخدام عقلهما ووجدانهما.
العقد مثل الكومبيوتر يعطيك إجابات مبتسرة ولا يمكنها أن تغطى جميع جوانب الحياة المركبة، وإذا كان العقل الإلكترونى قدم للأمريكان الإجابات الخاطئة بالنسبة لحرب فيتنام فإن العقد الميكانيكى سيضللهم لأن المطلوب هو إصلاح نوعية الحياة بنفسها، والبحث عن الخلاص والحياة الجديدة من خلال الحدود المتعينة.
كلمة ختامية
التاريخ والفردوس فى القلب
فى المرة الأولى ذهبت إلى الولايات المتحدة مع زوجتى، وحينما عدنا عام ١٩٦٩ مع ابنتنا، كانت أمى تنتظرنى فى الميناء وكان معها أخوتى وأخوات زوجتى وأبناء عمومتى. أما أبى فكان غائبًا لأن الله كان قد توفاه، فزرت قبره فى دمنهور وقرأت على روحه الفاتحة، عل الله يسكنه فسيح جناته.
وفى المرة الثانية ذهبت بمفردى وعند عودتى كانت زوجتى وطفلينا وأخواتها ينتظروننى فى المطار، وليلتها عدنا للمنزل وشربنا الشاى ولم أنم، وكانت هذه إحدى المرات النادرة فى حياتى التى سمعت فيها صوت المؤذن عند الفجر.
فهرست الصفحة
مقدمة: الفردوس والتاريخ
الباب الأول: البرجماتية الأمريكية والبرجماتية التلمودية.
1- صهيون الجديدة فى الولايات المتحدة وإسرائيل.
2- فابريكة الإنسان الجديد.
3- لغة التعامل مع الواقع.
4- فلسفة الكابوى والحالوتس.
دراسة فى العنف البرجماتى.
الباب الثانى: عالم السلع الفردوسى
1- الخلاص بالسلعة.
2- الهيبى فى الفردوس.
3- أهل يسوع أو مسيحيو الطرقات.
4- انتحار المسيح فى برودواى.
الباب الثالث: الإنسان بين الأشياء والبراءة الأولى.
1- فردوس بودورتز المتشيئ.
2- الإسلام كحلم البراءة الأولى فى حياة مالكولم.
الباب الرابع: المرأة الأمريكية بين التاريخ والفردوس.
1- تمهيد.
2- تحرير المرأة الأمريكية والتاريخ.
3- تحرير المرأة الأمريكية والفردوس.
4- النهاية الماساوية – الملهاوية.
كلمة ختامية: التاريخ والفردوس فى القلب.
[1] نشرت الثلاثة أجزاء الأولى من البابين الأول والثانى فى جريدة الأهرام فى صيف ١٩٧٣ ونشر الجزء الرابع من الباب الثانى فى مجلة الطليعة المصرية. أما الجزء الثانى من الباب الثالث فقد نشر بالإنجليزية فى كتاب:
Malcolm, The Man and His Work (New York, ed. Callier 1972).
تعليقات
سعيدة إني وجدت الفرصة لسؤالك عن سبب اختفائك بالتويتر؟ أتمنى بأنك بأفضل حال وصحة
وشكرًا لوقتك